علم النفس > القاعدة المعرفية

اضطراب الوسواس القهري (OCD)

إضطراب الوسواس القهري (OCD):

لربُّما سمعنا سابقاً بشخصٍ موسوسٍ بالنظافة مثلاً، عند ملامسته لأيِّ شيٍء غريبٍ، قد يقضي ساعات من وقته في غسل يديه بشكلٍ متكررٍ ومتواصلٍ قد تصل إلى عشرات المرات، كذلك أعمال الترتيب والتنظيف المستمر عند بعض ربّات المنازل..

لكن ماهي حقيقة هذه الحالة؟ ولماذا تسمى بالوسواس القهري؟

عُرف الوسواس القهريُّ سابقاً كنوعٍ من أنواع إضرابات القلق، لكنّ التصنيف تطوَّر حديثاً ليُصبح الـOCD إضطراباً مستقلَّا بحد ذاته يعيق حياة المريض بالوساوس والأفكار القهريّة الدائمة.

حيث يغزو تفكير المريض إحساسٌ أو فكرةٌ أو نزعةٌ أو صورةٌ تقوده إلى القلق، الذي بدوره يُجبره على القيام بأعمالٍ قهريَّةٍ بهدف الإقلال من هذا القلق، علماً أنّ القيام بهذه الأعمال يُخفِّفُ الوساوس قليلاً، إلّا أنّ تكرار الموقف يقود إلى القيام به مجدداً، فيدخل بحلقةٍ لا نهايّةٍ لها تستهلك ساعاتٍ من وقته، وتؤثِّر بشكلٍ كبيرٍ على حياته ونشاطاته، لذلك لا يمكننا القول أنّ المرضى يتحكَّمون بالأعمال القهريّة، بل على العكس تماماً، هي من يتحكَّم بهم بشكلٍ كامل.

  

وتبدو للمريض كظاهرةٍ مرضيّةٍ تتعارض مع تفكيره الواعي، فالمريض على وعيٍّ كاملٍ أنّ هذه الأفكار غير منطقيّةٍ ولا ارتباط لها مع الواقع، لكنّه لا يستطيع إيقافها أو التحكُّم بها.

إذاً هي ليست قَلَقاً على مشكلةٍ حياتيَّة، حيث تحدث هذه الأفكار عند المريض في أيِّ لحظةٍ بغضِّ النظر عن الظروف الخارجيّة، فهي تتملَّكه وتشلُّ تفكيره بشكلٍ كامل.

لسنا جميعاً ممن يتأكدون من إطفاء الفرن قبل الخروج من المنزل، لكنّ شخصاً مصاباً بالـOCD يشعر بالحاجة المُلحَّة إلى التأكُّد بشكلٍ متكرِّر، وتراوده أفكارٌ معيَّنةٌ مزعجة تدفعه للقيام بالطقوس مراراً وتكراراً.

أمَّا بالنسبة لتسمية الوسواس القهري بهذا الإسم، فإنّه يعود بشكلٍ ريئسيٍّ لتسمية الأفكار المُقلقة بـ"الوساوس"، والطقوس التي يقوم بها للتخلص من هذه الوساوس بـ"الأعمال القهريَّة".

  

و هناك العديد من الأمثلة التي تساعدنا على فهم فكرة الوساوس بشكلٍ أفضل..

فانهواس الشخص بالأمراض والجراثيم يشعر بحاجةٍ مُلحَّةٍ لغسل يديه على مدار السَّاعة. انهواسه بالمتطفلين يدفعه إلى قفل بابه وإعادة قفله عدَّة مرّاتٍ قبل خلوده إلى النوم. خوفه من التعرُّض للإحراج أمام عامَّة الناس يدفعه لتسريح شعره لساعاتٍ أمام المرآة لدرجة عدم القدرة على الإبتعاد عنها.

لفهمٍ أكبر للطقوس والأعمال القسريَّة التي يفعلها المريض، يمكننا تعريفها بإختصار: هي القيام بتكرار أمرٍ مرّات متعدِّدة، لمس، وعدُّ الأشياء، والتفكير بالقيام بأعمال عنفٍ تجاه الأشخاص الذين يحبُّهم، والأفكار الجنسيَّة المحرمَّة أو الشَّاذة التي يكرهها الشخص كالخوف من إرتكاب عملٍ جنسيٍّ مع أحد أفراد الأسرة، أو أفكارٍ أُخرى محرَّمةٍ دينيّاً.

كما يعاني المصابون بالـOCD من إهتمامٍ مُفرطٍ بالتَّرتيب والتَّناظر وصعوبةٍ في التخلص من الأمور غير اللازمة، لذلك يقومون عادةً بتكديسها وتخزينها، حيث يُعدُّ التموين وجمع الأشياء والترتيب والنظام من الأعمال القسريَّة المفروضة.

ويجب الإنتباه إلى أنّ وجود الوساوس لا يعني بالضرورة وجود الأعمال القسرية، فكثيراً ما نجد مريضاً يعاني من الوساوس فقط، ومريضاً آخر يعاني من الأعمال القسريّة وحدها.

 الأسباب:

ما الذي يُسبِّب الوسواس القهري؟

بالرغم من عدم الفهم الكامل لأسبابه، إلّا أنّ الدراسات أظهرت أنّ تعاضد العوامل البيئيَّة والبيولوجيَّة معاً له الدور الأكبر في حدوثه، ولم يتمَّ إثبات إنتقاله في العائلات أو من خلال الوراثة بشكلٍ واضحٍ حتى الآن رغم وجود بعض الدلائل القليلة مثل إصابة بعض أفراد العائلة الواحدة وعدم إصابة بعضهم الأخر، وهو ما يعمل العلماء على اكتشاف أسبابه.

 العوامل البيولوجية:

يحوي الدماغ ملياراتٍ من الخلايا العصبيّة التي تُدعى عصبونات، وهي تحتاج لأن تتصل وتعمل مع بعضها لتوفير البيئة المناسبة للعمل بشكلٍ طبيعيٍّ تماماً.

تتواصل العصبونات سويةً من خلال موادٍ كيميائيّةٍ تدعى النواقل العصبيّة، وكبقيَّة اضطرابات القلق، تلعب هذه النواقل وخاصةً السيروتونين دوراً هاماً في هذا الإضطراب.

كما يرى بعض العلماء أنّ سببه يعود لوجود مشاكل في سُبل الدماغ التي تربط المناطق المسؤولة عن المحاكمة والتخطيط بالمنطقة التي سنصفها بالمصفاة، ووظيفتها فلترة الأوامر الحركيَّة (أي المراكز المسؤولة عن تطبيق الأفعال).

وفي دراساتٍ أُخرى، تبيَّن وجود علاقةٍ بين الـOCD والإصابة بالعُقديَّات ( الجراثيم العقديَّة )، حيث تسبِّبُ الإصابة بهذه العدوى تطوُّر الوسواس القهريِّ وإضطراباتٍ أُخرى عند الأطفال في حال كانت الإصابة ناكسةً أو متكررةً، أو لم تعالج بشكلٍ صحيحٍ وكامل.

العوامل البيئيّة:

هنالك العديد من العوامل البيئيّة التي تساهم في تحفِيز الوسواس القهريِّ عند الأشخاص الذين لديهم بوادرٌ لحدوثه، ويمكن لبعضها أن يُسبِّب تفاقم بعض الأعراض، وتتلخَّص هذه العوامل بـ: الكحوليَّة، وتغيُّر ظروف السكن، والمرض، وموت شخصٍ مقرب، ومشاكل لها علاقةٌ بالمدرسة أو العمل، والضغوطات العاطفيّة.

المصادر:

هنا

هنا