البيولوجيا والتطوّر > منوعات بيولوجية

أملٌ جديد في تحسين الذاكرة

وجد الباحثون في دراسة نُشرت في مجلة العلوم العصبية، طريقة لتحسين الذاكرة عن طريق معالجة جزيءٍ معيَّن معروف بضعف عمله مع التقدُّم في السن، وارتباطه الوثيق بمرض ألزهايمر. ونجحوا لأوّل مرَّة بالتلاعب بعمليَّات الجزيء من دون إحداث أيِّ اعتلالٍ معرفي. حيث أنَّ البروتين المُسمَّى PERK لا يعمل بشكل جيد في مرض ألزهايمر. ومهد نجاحهم في التلاعب بالتعبير عنه دون التسبب بأيِّ ضررٍ لوظائف الدماغ الطريق لتحسين الذاكرة وحتى ربما إبطاء التطور المرضي لأمراضٍ معينة كألزهايمر.

وكانت قد أظهرت دراسات سابقة عمليَّة تشكيل الدماغ للذاكرة باصطناع بروتينات معينة. حيث يؤدي المعدل العالي لإنتاج هذه البروتينات إلى إعطاء ذاكرةٍ قويةٍ يُحتفظ بها بشكلٍ طويل الأمد. بينما يقود معدل الإنتاج البطيء لذكرياتٍ ضعيفةٍ أقلَّ احتمالاً بأن تُطبع في الذاكرة طويلة الأمد، ولذلك تُنسى.

وسعى الباحثون في الدراسة الحالية لاختبار فعالية بروتين يُعرف بـ" الدسَّام" أو المنظِّم، حيث يحدد سرعة اصطناع البروتين في الدماغ أثناء تشكيل الذاكرة، ويُسمّى بـ elF2 alpha. كان قد عَلِمَ الباحثون من دراسات سابقة بوجود ثلاث جزيئاتٍ رئيسةٍ تتحكم بالبروتين حيث أنَّها إمَّا أن تجعله يعمل أو توقفه عن العمل. وكانوا قد فكَّروا في المرحلة الأولى بتحديد الأهمية النسبية ومهمة كلٍّ من الجزيئات التي تتحكم بفعالية elF2 alpha وبالنتيجة القدرة على خلق الذكريات. واكتشفوا بعد القيام بالاختبارات على مستويات النسيج والخلية، أنَّ الجزيء الرئيسي الذي يتحكم بـ elF2 alpha هو جزيء الـ PERK.

حيث كان عليهم في البداية تحديد المكوِّن المسيطر، ثمَّ علموا من دراسات سابقة أنَّ الـ PERK يعمل بقصور في الأمراض التنكسية كالأزهايمر، وأنَّ PERK يعمل كمراقب ومتحكم بالشدة الاستقلابية في خلايا مختلفة، منها العصبونات. بمعنى آخر، وجدوا أنَّ لهذا الجزيء تأثيراً رئيساً على عملية خلق وتشكيل الذاكرة، والتي نعلم بأنها تعمل بقصور عند الأشخاص المصابين بألزهايمر.

وسعى الباحثون في المرحلة الثانية إلى اختبار فيما إذا استطاعوا التلاعب بهذا الجزيء في الفئران بطريقة تُحسِّن الذاكرة. وقاموا من أجل ذلك باستخدام طريقتين مقبولتين، إحداهما استعمال دواء يُسمّى مثبِّط الجزيء الصغير والأخرى القيام بتعديل جينيٍّ في خلايا الدماغ باستعمال فيروس يُستخدم في العلاج الجيني.

ووجد الباحثون بعد تعطيل فعاليَّة PERK أو تقليل التعبير عنه من خلال العلاج الجيني، زيادة 30% في الذاكرة في التجارب الإيجابية منها والسلبية. وأظهرت الفئران تحسُّناً في الذاكرة طويلة الأمد وزيادةً في المرونة (المطاوعة) السلوكية. وأصبحت الفئران قادرة على نسيان التجارب السيِّئة بشكلٍ أفضل. بمعنى آخر، حسَّنت المعالجة بالـ PERK بإحدى الطَّريقتين الذاكرة والقدرات المعرفيَّة بشكل واضح.

واكتشف الباحثون عندما قاموا باختبار النسج على مستوى الخلية والجزيء، بأنَّ الخطوات التي قاموا بها أوقفت فعلاً التعبير عن PERK. مما سمح للـ "الدسَّام" (بروتين elF2-alpha) برفع سرعة اصطناع البروتين والعمل بشكلٍ أفضل. حيث كان هناك ارتباط واضح بين عمل الذاكرة والدرجة التي كُبح بها الـ PERK. فكلَّما كُبح الـPERK بكفاءةٍ أكبر، كلّما عملت الذاكرة بشكلٍ أفضل.

ولكن واجه الباحثون مشكلة أخرى، حيث أدى التلاعب بالـ PERK في دراسات سابقة على حيوانات معدَّلة وراثياً لسلوكٍ معدَّل. فأصبح الدماغ يعمل بطريقة أكثر تعقيداً، فكلُّ فعلٍ مرتبط بشكل وثيق بأفعال أخرى كثيرة. ونجحوا في دراستهم بالتحكُّم بالـ PERK بشكل لا يؤثر على استرداد الذكريات الموجودة، أو يؤدي لأيِّ ضررٍ معرفي.

وبذلك يكونوا قد برهنوا على قدرتهم على تقوية عملية اصطناع البروتين في الدماغ وخلق ذكرياتٍ أقوى تدوم لفترة أطول. ومهدوا الطريق للتطوير المحتمل لأدوية تستطيع إبطاء عملية تطور الأمراض غير قابلة للعلاج مثل حالات التنكسية للدماغ، وعلى رأسها ألزهايمر.

المصادر:

هنا

هنا