البيولوجيا والتطوّر > علم الجينات

من جينوم واحد تنشأ أنواع مختلفة من الخلايا – لكن كيف؟

من ألغاز علم الأحياء الكبيرة أن كل الأنواع المختلفة من الخلايا المتعاونة في بناء الجسم البشري تحتوي جينوماً واحداً متطابقاً. بشكل ما يتم قراءة المادة الوراثية نفسها بطرق مختلفة لبناء الـ 200 نوع من الخلايا التي تدخل في بناء جسم الإنسان من خلايا الدماغ إلى الكبد والقلب وغيرها.

يشبه الأمر نص مسرحية يتم توزيعه نفسه على كل الممثلين ويتم إعطاء أجزاء معينة لكل ممثل دون أن يعرف الأجزاء الأخرى التي تم توزيعها. تمتلك البويضة الملقحة النسخة الأولى من هذا النص، وبينما تنقسم إلى ما يقارب بليون خلية تشكل جسم الكائن، تأخذ الخلايا أدواراً مختلفة تعيش بها بقية حياتها.

كيف تتم عملية توزيع الأدوار هذه؟ يكمن الجواب في طبقة أخرى من المعلومات مدمجة في البروتينات النووية التي تدخل في لف (رص) الجينوم البشري. طبقة المعلومات هذه تسمى بالـ epigenome الإيبيجينوم أو ما فوق الجينوم (epi = سابقة بمعنى فوق. Genome = مجموع المادة الوراثية للإنسان) تتحكم في الوصول إلى المعلومات المخزنة في الجينات، مما يسمح لكل نوع من الخلايا بقراءة جينات معينة وإهمال الأكثرية الباقية. طبقة المعلومات هذه لا تتحكم فقط في الجينات التي يتم قراءتها في كل نوع من الخلايا، بل أيضاً في توقيت القراءة.

هناك الكثير من الأدلة على أن تغييرات في الإيبيجينوم هي المسؤولة عن حالات مثل السرطان وأمراض أخرى. يتغير الإيبيجينوم مع التقدم بالعمر – فالتوائم المتطابقة تختلف بشكل طفيف في المظهر وطريقة التصرف وذلك يعود لتراكم التغييرات في الإيبيجينوم. فهم مثل هذه التغييرات يمكن أن يساعد في تأخير أعراض التقدم بالعمر. وقد يحمل الإيبيجينوم مفتاح النجاح للطب التجديدي لإعادة إنتاج أعضاء وأنسجة سليمة تماماً للمريض من خلاياه نفسها.

ولأن الإيبيجينوم هو بداية الطريق لكثير من المفاهيم المتعلقة بتنظيم عمل الخلية، ينتقد الباحثون التقدم البطيء في هذا المجال ويطالبون بمشاريع كبيرة تشبه مشروع الجينوم البشري الذي قاربت تكلفته 3 بليون دولار.

يقول Richard A. Young عالم الأحياء في جامعة كامبردج: ’’بلا شك بأن هذا المشروع يقارب في حجمه مشروع الجينوم البشري، لكن الفوائد المرتقبة منه تفوق ما يمكننا توقعه الآن‘‘. بالجهة المقابلة يقول Steven Henkioff من معهد دراسات السرطان في سياتل بأن طرق دراسة الإيبيجينوم الحالية غير كافية للمضي قدماً في مثل هذا المشروع. ويضيف: "بأنه من المبكر

جداً توظيف التكنولوجيا للبحث في هذا المجال".

يتألف الإيبيجينوم من ملايين المُعدِّلات الكيميائية، أو الواسمات، المتوضعة على طول الكروماتين المشكل للصبغيات. يتضمن الكروماتين الحلزون المضاعف للدنا الذي يلتف على جزيئات بروتينة تسمى الهيستونات. يحمل الـDNA نفسه بعض علامات الإيبيجينوم، لكن غالبيتها تتوضع على الذيول القصيرة التي تمتد من الهيستونات التي يلتف حولها الـDNA.

يتم التعرف على هذه العلامات عبر بروتينات خاصة بهدف تنظيم قراءة هذه الواسمات – وتسمى المُنظّمات.

تقوم المنظمات في بعض المناطق بلف شريط الدنا وضغطه بحيث تصبح المعلومات المخزنة فيه غير قابلة للقراءة إطلاقاً. وتنتشر ظاهرة كبح القراءة هذه في مركز وأطراف شريط الدنا. بالمثل

يتم كبح صبغي كامل هو الصبغي X لدى الإناث بسبب امتلاكهن نسختين منه مقابل نسخة واحدة لدى الذكور، وهكذا تمتلك خلايا الذكر والإنثى تملك نفس الكمية من جينات الصبغي X.

في بعض المناطق تسمح الواسمات لعوامل الانتساخ بإيجاد مواقعها على شريط الدنا. وبذلك يتم قراءة شريط الدنا وصناعة البروتينات التي تحتاجها الخلية.

تم التعرف على القليل فقط من مثل هذه المناطق حتى الآن، ولذلك يبدو الأمر محيراً – فأكثر من 100 واسمة تم إيجادها في الإيبيجينوم مع العديد من الجزئيات البروتينية التي تقوم بربط أو نزع هذه الواسمات. لذا يعتقد بعض علماء الأحياء أن واسمات كثيرة تتشارك لتحديد بضعة أنواع من المناطق على شريط الدنا، لأن النظام يحتوي على الكثير من النسخ الاحتياطية.

يعتمد نظام اللف الخاص بالدنا فيما يبدو على تقنيات لف قديمة. الأحياء وحيدة الخلية القديمة كالخمائر كانت بحاجة لأنظمة اللف هذه لتستطيع استعياب شريط الدنا الطويل داخل نواتها. ولتستطيع الكائنات متعددة الخلايا التطور لا بد أن يتلائم نظام اللف ويواكب حاجة الكائن لأنواع كثيرة من الخلايا على طول مسيرة تطوره.

كما أن نظام اللف الخاص بشريط الدنا نظام هذا فريد جداً، فلو تصورنا الخلية ككرة التنس فإن شريط الدنا الخاص بها سيكون خيطاً بطول 24 ميلاً (38.5 كم تقريباً)! وستكون الخلية بحاجة للف هذا الشريط واستيعابه بداخلها مع المحافظة عليه سليماً والقدرة على فرده والوصول إلى أي قطعة منه في أية لحظة.

جوهر نظام اللف هذا هو جزيئات الهيستونات. ترتصف لتشكل بنية يلتف عليها شريط الدنا. تعرف بالنكليوزوم أو الجسيم النووي nucleosome. يلتف شريط الدنا مرتين حول النكليوزوم ويحتاج إلى (30 مليون) نلكيوزوم ليتم لفه واستيعابه داخل النواة.

لسنوات طويلة اعتقد العلماء أن هذه الهيستونات لا عمل لها سوى المساعدة على لف شريط الدنا. ولكن تبين في العقد الأخير أن الذيول الممتدة من الهيستونات تلعب دوراً مهماً في وسم الخارطة الجينية. يرتبط نوع واحد من الواسمات المباشرة بذيل شريط الدنا ويرتبط مئات منها بذيول الهيستونات. والمفاجئة هي أنه خلال عملية الإنقسام الخلوي تنتقل الواسمات المباشرة إلى الخلايا الجديدة ويُفقد نظام الواسمات الآخر في هذه العملية، ولكن تمتلك الخلية آليات مدهشة لإعادة بناء نظام الوسم الذي فقِد! وبذلك تنتقل هذه الواسمات إلى الخلايا الجديدة الناتجة عن الإنقسام رغم أنها غير مكودة في شريط الدنا. يبدو أن بناء نظام الواسمات هذا مكوّد في شريط الدنا نفسه، يحتوي الجينوم البشري على الكثير من الجينات التي تنتج أنواعاً من البروتينات وظيفتها التحكم بجينات أخرى وتسمى عوامل الانتساخ. وتعمل بشكل دارات ذات مستويات تسيطر بعضها على بعض ويرسم المُخرج النهائي لهذه الدارات الشكل النهائي لنظام الواسمات (الإيبيجينوم) المنحدر من البيضة الملقحة الأم.

العوامل الأخرى التي تتدخل في بناء نظام الواسمات (الإيبيجينوم) هي مُنظمات الكروماتين، وهي بروتينات تقوم بقراءة التعليمات الموجودة على ذيول الهيستونات. الذيول الحرة تعني جينات فعالة، أما الذيول المرتبطة فنجدها في الجينات الصامتة. بعضها الآخر يقوم بفك حلزنة شريط الدنا تمهيداً لانتساخه. ويعتقد علماء الأحياء بأنه ما إن تقوم مُنظمات الكروماتين بتحديد شكل نظام الواسمات لنوع من الخلايا فإن مصير الخلية يصبح غير قابل للعكس. لكن تجارب عالم الأحياء الياباني Shinya Yamanaka أظهرت القوة المذهلة لعوامل الانتساخ الرئيسية.

بإعادة حقن أربع من عوامل الإنتساخ الرئيسية إلى خلية الجلد استطاع إعادة برمجة نظام الواسمات الخاص بخلايا الجلد للعودة بها إلى حالة الخلية الجنينية التي انحدرت منها بالأصل.

وبذلك تحولت الخلية من خلية جلدية إلى خلية جنينية. لم يتصور العلماء أن نظام الواسمات مع ملايين الواسمات المكونة له يمكن إعادة تشكيله على هذا المستوى أو أن مُنظمات الإنتساخ تستطيع إحداث مثل هذه التغيير الجذري. لكن الأمر ليس بهذه السهولة. فواحدة من كل مليون خلية تمت معالجتها بعوامل الإنتساخ الأربعة السابقة تحولت لخلية جنينية، بينما علقت البقية في مرحلة انتقالية بين الشكلين. كأن منظمات الكروماتين تقاوم هذا التغيير ظناً منها أنه سرطاني.

تقوم فكرة الطب التجديدي بالأساس على إعادة بعض خلايا مريض ما إلى مراحلها الجنينية (غير المتمايزة) ومن ثم توجيهها للتطور نحو نوع محدد من الخلايا خسرها المريض بسبب مرضه. ولكن لينجح العلماء بأداء هذه المهمة على مستوى فعال ومفيد فإن عليهم تعلم المزيد عن التحكم بالواسمات وعوامل الإنتساخ التي تحدد مصير الخلية بالنهاية، وقد يكون علاج الكثير من الأمراض في أدوية تعدل في نظام الواسمات الخاص بالخلايا. حيث أن السبب وراء حدوث بعض المتلازمات ليس فقط الطفرات التي تسبب توقف عمل الجينات المسؤولة عن كبح النمو غير المنظم، بل أيضاً بالتوضع الخاطىء للواسمات التي تأمر منظمات الكروماتين بإلغاء عمل هذه الجينات.

نجح Peter A. Jones من جامعة جنوب كاليفورنيا في تحضير أدوية قادرة على عكس عمل هذه الواسمات وإعادة عمل الجينات المسوؤلة عن كبح النمو السرطاني للخلايا. إثنان من هذه الأدوية الخاصة بمعالجة أحد سرطانات الدم تمت الموافقة عليها من قبل FDA.

وبالإضافة إلى دورها في تحديد الوصول لشريط الدنا وطريقة عمله، يلعب نظام الواسمات دوراً في تحديد نوعية الاستجابة لإشارات البيئة المحيطة. تتحكم مجموعة من الإنزيمات تدعى sirtuins بالنظام الغذائي للخلية، وأحدها يقوم بإزالة إحدى الواسمات من الإيبيجينوم سامحاً لاستجابة الخلية لظروف معينة مثل المجاعة. يؤدي تراكم الأخطاء في بناء نظام الواسمات هذا للسماح للجينات الخطأ بالعمل – وقد يكون هذا سبباً للشيخوخة.

نجح علماء في إحراز نجاحات ملحوظة في محاولات رسم خرائط لتوزع الواسمات في الايبيجينوم عن طريق تقسيم الكروموزوم إلى قطع ومن ثم معاملتها مع نوع من الضادات التي ترتبط إلى الواسمات ، ولكنها لاتزال بعيدة عن رسم فهم واضح ومفيد يمكن أن يستخدمه العاملون في معالجة الأمراض والتقدم بالعمر، رغم ذلك يبدو هذا المجال واعداً ويتطلب المزيد من الفهم والبحث، ولا نستغرب أن تظهر في المستقبل القريب الكثير من الكشوف العلمية المذهلة في مجالات العلاج بالخلايا الجذعية والطب التجديدي عن طريق فهمنا للتحكم فوق الوراثي.

المصدر

هنا&

هنا