البيولوجيا والتطوّر > بيولوجي

حاسة الشم... إلى متى ستبقى مهملة؟

ربما سمعت أنَّ أحد حواسّكَ ليست جيدة كفاية! فبالمقارنة مع الكلاب أو الفئران؛ لا يحتل نظام الشم لديك مساحة كبيرة من دماغك. لنفكر معاً: "هل ذهبت مرةً لاستنشاق الأرض مع كلبك؟" بالطبع لم تفعلها من قبل! فحاسة شمك ليست جيدة كفاية -على أقل تقدير- كما كنا نعتقد، ولكن عالم الأعصاب جون ماكغان (John McGann) من جامعة روتجرز (Rutgers University) في نيوجيرسي، أثار الجدل في مراجعة جديدة نشرت في مجلة (Science)، حول كون أسطورة الأنف غير الضروري للبشر خطأ كبيراً أدَّى بالعلماء إلى إهمال البحوث في جزء مهم من أدمغتنا. ولذلك أجرت مجلة (Science) اللقاء التالي مع مكغان لمعرفة المزيد حول الأسباب التي جعلته يؤمن أنَّ أنوفنا تعرف أكثر مما نعتقد.

س: يعتقد كثيرون أنَّ حاسة الشم لدينا رديئة، خاصة إذا ما قارناها مع الحيوانات الأخرى، فمن أين جاءت هذه الفكرة؟

جـ: يعود جزءٌ من هذه الأسطورة إلى القرن التاسع عشر عندما لاحظ عالم التشريح واختصاصي علم الإنسان بول بروكا Paul Broca - الذي كان مهتماً بمقارنة أدمغة الحيوانات - أنَّ البصلة الشمية ( :olfactory bulbsالمُستقبِلَ الأوّلَ لإشارات الشم في الدماغ) صغيرةٌ جداً مقارنةً بحجم الدماغ البشري. وبالمقارنة مع الفئران والجرذان، ستبدو البَصَلَةُ الشَّمِّيَّة كبيرة جداً مقارنة بباقي مناطق الدماغ.

اعتقد بروكا أن جزءاً رئيساً من وجود الإرادة الحرة للبشر هو عدم اضطرارهم لفعل أشياء مدفوعين بحاسة الشم كما تفعل الحيوانات؛ إذ يرى في حاسة الشم أنها شيء "قذر" يجبر الحيوانات على القيام بسلوكيات معينة كممارسة الجنس وغير ذلك. لذلك وُضِع الإنسان في الفئة غير القادرة على الشم – ليس لأنَّنا لا نستطيع الشم، بل لأنَّنا نمتلك إرادة حرة ونستطيع أن نقرر كيفية استجابتنا للروائح المختلفة. كما تناول سيغموند فرويد (Sigmund Freud) هذه الفكرة أيضاً، فكان يعتقد أنَّ حاسة الشم شيءٌ حيواني يجب أن يتخلى عنه المرء بنموه إلى شخص بالغ راشد. ولذلك أصبح لدينا في علم النفس والفلسفة وعلم دراسة الإنسان افتراضٌ مُسبَق بأنَّ البشر لا يملكون حاسة شم جيدة.

س: حسناً؛ وما الأدلة التي تجعلنا نشكك بتلك الافتراضات المُسبقة؟

جـ: الدليل هو دراسة فريدة من نوعها وجدَتْ أنَّه يمكننا التعرف على تريليون رائحة مختلفة والتمييز بينها. بالإضافة إلى دراسة أخرى، رسم فيها الباحثون طريقاً من رائحة معينة في حقل في جامعة كاليفورنيا، وعصبوا أعين عيّنة من الطلاب الجامعيين وآذانهم حتى لا يتمكنوا من استخدام أيّة حاسة أخرى غير الشم، فوجدوا أنَّ الطلاب كانوا قادرين على اتباع الطريق بكفاءة. وباختصار: تُظهر هذه الدراسة أنَّ قدرات تتبع البشر للروائح لم تُدرس بجدية.

يوضح الفيديو التالي مراحل التجربة هنا

س: ما الروائح التي يجيد البشر شمَّها؟

جـ: بالنسبة إلى لروائح العادية التي قد تكون متشابهة حتى، سنلاحظ أنَّ البشر أكثر حساسية لرائحة معينة والكلاب أكثر حساسية لأخرى؛ ولكن ورقة بحثية مُتقَنة أظهرَتْ أنَّه يمكن للبشر تحسس مكونٍ في روائح الدم البشرية بكفاءة عالية.

س: الدم؟! لم ألحظ أبدا قدرتي على شم رائحة الدم! هل يخبرنا هذا أيَّ شيء عن آلية عملٍ مختلفة لحاسة عن الحواس الأخرى؟

جـ: تُعدُّ كل حاسة من حواسنا فريدة من نوعها، وتمتلك مميزاتها الخاصة بها في الدماغ، وإحدى الخصائص التي تميز حاسة الشم هي أنَّ المعلومات الشمية لا تتفرع في المهاد في طريقها إلى مناطق التفكير الدماغية الأخرى، بل تذهب من الأنف إلى البَصَلَةُ الشَّمِّيَّة؛ ومنها مباشرة إلى منطقة معالجة المعلومات الشمية وإلى اللوزة (amygdala) والحصين (Hippocampus) اللذَين يشاركان في العاطفة والذاكرة؛ إذ من الشائع جداً أن تكون الرائحة قادرة على استحضار ذكريات قوية، ويُعتقد أنَّ ذلك قد يكون بسبب توصيلات الدماغ المختلفة.

وهناك عامل أخر؛ وهو أنَّ طبيعة الرائحة مركبة؛ إذ إنَّ معظم الروائح هي خليط من كثيرٍ من المواد الكيميائية، فَكوبٌ واحد من القهوة مثلاً يحوي قرابة 150 مركباً كيميائياً، لكنك تشمُّ رائحة القهوة فقط، ولا تملك القدرة على الإدراك الحسي لـ 150 مركباً مختلفاً!

س: حسناً، لماذا يجب أن نهتم لأمر حاسة الشم؟

جـ: يوجد كثيرٌ من الناس الذين يفقدون حاسة الشم؛ إذ ثمة أدلة متزايدة على أنَّه عندما تفقد حاسة الشم فإنَّ ذلك سيؤثر على راحتك النفسية عموماً، وهناك بعض الروابط بين الاكتئاب وتغيَّر قدرة الحواس على التعلق بالآخرين. ولكن للأسف عندما تذهب إلى الطبيب وتُخبره أنك فقدت حاسة الشم، لن يكون هناك الكثير لفعله حيال ذلك، وليس هناك فهم كامل لأسباب حدوثه.

س: ختاماً، هل تعتقد أنَّ الفهم الخاطئ حول عدم قدرة البشر على الإحساس بالرائحة جيّداً سيتغير؟

جـ: لقد ظلت الفكرة عالقة في الأذهان قرابة 150 عاماً؛ وجزءٌ كبيرٌ من تلك المشكلة هو أنّه بمجرد دخول المفهومات إلى المراجع العلمية سيكون من الصعب جداً إخراجها مرة أخرى، ولكني آمل حقاً أن تكون هذه هي بداية النهاية لهذه الأسطورة.

في نهاية هذا اللقاء، جاء دورنا لنتوجه بالسؤال إليكم قرّاءنا الأعزاء... هل تجدون الاهتمام بحاسة الشم أمراَ ضرورياً؟

المصدر:

هنا

الورقة البحثية:

هنا