الفنون البصرية > فن وتراث

سلسلة الآلهة الأم الكبرى، الجزء الأول: عبادة الأم الكبرى من أقدم العبادات في معظم الحضارات

استمع على ساوندكلاود 🎧

شهدَ التاريخُ الإنسانيُّ أربعةَ تحولاتٍ أساسيةٍ سببَت انقلاباً في شتى مناحي الحياةِ الإنسانيةِ. فكان أولُ تحول في مطلع العصر البليستوسيني الأعلى أي العصر الجليدي الأكثر حداثة والذي امتدَّ من عام 100000 حتى 10000 ق.م. وفيه شعرَ الإنسانُ بانفصالِه الفعلي عن عالمِ الحيوان وأخذَ في إدراكِ إمكانيات بيئته وتكييفِ نفسه اتجاهها، وقد سُمِّيت متغيرات هذه الفترة بالثقافة الباليوليتية palaeolithic أي ثقافة العصر الحجري القديم. أما التحولُ الثاني كان في أواخر الألف التاسع ق.م، حيثُ حدثَ الاستقرار في الأرض وتمَّ بناءُ المستوطنات واكتشاف الزراعة وإنتاج الغذاء وتدجين الماشية وبناء الحضارة وهذا ما دعي بالثورة النيوليتية Neolithic أي ثورة العصر الحجري الحديث. أما التحولُ الثالث فجاء مع تكون المدن الأولى في بلاد الرافدين متمثلاً بما يُعرف بالثورة المدنية، وكان التحولُ الرابع في القرن التاسع عشر متمثلاً بالثورة الصناعية. وفي بحثنا هذا سنلقي الضوء على آلهة العصر الباليوليتي والنيوليتي على حدٍّ سواء.

ففي العصر الباليوليتي كانت الآلهة هي "الأم الكبرى" التي تتربع على عرش الكون، وقد عُثر على تماثيلٍ لها في عدةِ مواقع للعصر النيوليتي لاحقاً، ومع تعلم الإنسان الكتابة أخبرنا بأسماء الآلهة الأم الكبرى، وقدمها في فنونه بصورٍ شتى فهي تارةً كأمٍ حبلى وأمٍ تضعُ طِفلها الصغير إلى صدرِها، وتارةً عاريةَ الصدرِ تمسكُ ثدييها بكفيها في وضعِ العطاء أو ترفع بيديها سنابل القمح، أو باسطةً ذراعيها. فكانت المرأة بالنسبة لإنسان العصر الباليوليتي موضع حبٍ ورغبةٍ وخوفٍ ورهبةٍ في آنٍ معاً، ومن جسدها تنشأ حياةٌ جديدةٌ ومن صدرِها ينبعُ حليب الحياة، ودورتها الشهرية المنتظمة في ثمانية أو تسعة وعشرين يوماً تتبع دورة القمر، وخصبها هو خصب الطبيعة. فوراء الكون هناكَ أنثى كونية هي منشأ الكون وعنها تصدرُ الموجودات وإلى رحمها يؤولُ كل شيءٍ كما صَدر.

لذا فكل الديانات بدأت من الأم الكبرى، وكلُ سرٍ من أسرارِ الطبيعةِ وكلُ خبيئةٍ من خبايا النفسِ الإنسانية قد أبانتها الأم الكبرى عبر كاهناتها اللواتي كُنَّ صلةَ الوصلِ بين عالمِ البشر وعالمِ الآلهة ولذلك لعبَت المرأة دورَ المُعلم في تاريخ الحضارة. وقد ظهرت في عددٍ من الأساطيرِ القديمةِ، ففي أسطورة التكوين السومرية تمثَّلت الأمُ الكبرى في "نمو" المياه البدئية و"إنانا" آلهة الطبيعة والخصب. وفي أسطورة التكوين البابلية فهناكَ "تعامة" التي تقابل نمو، و"ننتو" أو "ننخرساج" الأم الأرض وعشتار التي تقابل إنانا. أما في كنعان كانَت الأمُ الكبرى هي "عناة" و"عستارت". ولدى الإغريق ظهرَت شخصيةُ الأم الكبرى في الآلهة "ديمتر" و"جيا" و"رحيا" و"آرتيميس" و"أفروديت". وفي روما أيضاً وُجدت الآلهة "سيريس" و"ديانا" و"فينوس" ولدى العرب تمثلت بـ "اللات" و"العزى" و"مناة " وفي الهند عُرفت بـ "كالي".

وهذه الثقافةُ الأموميةُ بقيَت راسخةً في عددٍ من الحضاراتِ والشعوبِ القديمةِ، ففي المجتمعِ المصري بقيت آثارُ هذه الثقافة واضحةً عليه طيلة تاريخها الطويل، الذي استمر قرابةَ أربعةِ آلاف سنة، فقد كان الكرسيُّ الملكي ينتقلُ عبر سلسلةِ النسب الأمومي لا النسب الأبوي، وكل أميرةٍ هي وارثةٌ طبيعيةٌ للعرش. وهنا نجدُ تعدداً في أسماء آلهة الأم الكبرى وذلك لانتقالِ مراكز القوةِ السياسيةِ من منطقةٍ إلى أخرى عبرَ تاريخ مصر الطويل، ولعل أهم تجلياتها هو الآلهة "نيت" وإلى جانبها كانت "نوت" و"ايزيس" و"هاتور" و"سيخمت".

وإذا انتقلنا إلى الشرقِ الأدنى القديم نحو الغرب إلى جزيرةِ كريت التي عَرفَت أول ثورة نيوليتية في أوروبا، وذلك بتأثير الهجرات النيوليتية من البرِ السوري إليها. نجدُ أن هذه الحضارة لم تعرفْ طيلة تاريخها سوى عبادة الأم الكبرى وابنها حتى نهايتها على يد البرابرة الإغريق، الذين دمروا حضارتها حوالي 1400 ق.م. لذا تعتبرُ جزيرة كريت الموطن التقليدي للثقافة الأمومية، فقد استمرَت قيم الأم الكبرى المحرك الأساسي للمجتمع منذ أن هبطَ إليها المهاجرون الأوائل وحتى انهيارها في أواسط الألف الثاني ق.م. وإن الأعمالَ التشكيلية التي وصلتنا من فترةِ ازدهار الحضارة الكريتية كانَت في غالبِها تتخذُ المرأة موضوعاً لها.

وعندما نتحدث عن الأمِ الكُبرى لابدَّ لنا من أن نقفَ عند أسطورة ليليت، فهي وليدة الأم العظيمة الأرض، وُلدَت في البانثيون السومري فهي ليسَت منسوبة لأبٍ ذكر بل لأمٍ أنثى "الأم الكبرى" ،فقد كانَت ربةُ المهدِ وهي من تهدهدُ للطفلِ وتجلبُ له الأحلامَ السعيدةَ، وهي الهواءُ والنفسُ والريحُ والروحُ، وقد انتشرَت عبادتها بأسماءٍ مختلفةٍ في عددٍ من الحضارات لاحقاً، فاسمُ اليثيا باليونانية هو ذاتَه ليليت السومري.

ويجبُ علينا أن نذكر بأن العقلَ البشريَّ في بدايةِ مسيرتِه الفكرية قامَ بعبادةِ تُربةِ الأرض عرفاناً بها كأمٌ رؤومٌ كُبرى. فالأرضُ هي الأمُ الحقيقيةُ للإنسانِ ولجميع مظاهر الحياةِ عليها، يلتصقُ بها الإنسانُ في حياتِه ويعودُ إلى جوفِها في مماتِه. ولهذا السبب مثَّلها العقلُ القديم في آلهةٍ تختصُ بحملِ روح الخصوبة، واختارَ الآلهة المؤنثة باعتبارِ الإخصاب والعطاء والميلاد من خواصها. فإذاً مما لاشك فيه أنَّ عبادة الربة الأم كانت من أقدمِ العبادات التي عرفَتها الشعوبُ القديمةُ.

المصادر:

1- السواح، فراس، لغز عشتار- الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة، الطبعة الثامنة، دمشق، دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة، 2002.

2- عبود، حنا، ليليت والحركة النسوية الحديثة، دمشق، منشورات وزراة الثقافة، 2007.

3- القمني، سيد، الأسطورة والتراث، الطبعة الثالثة، القاهرة، المركز المصري لبحوث الحضارة، 1999.

4- الحوت، محمود، في طريق المثيولوجيا عند العرب، دار النهار، 1979