البيولوجيا والتطوّر > الأحياء الدقيقة

أنواعٌ محددةٌ من البكتيريا المعويةِ تخفِّفُ من أضرارِ السكتةِ الدماغيِّة

استمع على ساوندكلاود 🎧

لقد أظهرت الأبحاثُ الحديثةُ مدى أهميةِ بكتيريا الأمعاء وتأثيرها على صحّتنا النفسيةِ والجسديةِ ابتداً بالشهيةِ وانتهاءً بالحالة العقلية.

ومِنَ الجديدُ في هذا الخصوصِ فهو دراسةٌ تُشيرُ إلى أن بكتيريا الأمعاء يمكنُها أن تلعبَ دوراً في حماية الدماغِ من التلف، حيثُ أظهرت تجربةٌ أُجريت على الفئرانِ أنَّ أنواعاً محددةً من بكتيريا الأمعاء يُمكنها أن تساعد فعلياً في الحدِّ من مخاطرِ السكتات الدماغيةِ.

يقول الباحث في علم الأعصاب Josif Anrather من جامعة كورنيل الأمريكية أنَّ التجربةَ تُظهرُ علاقةً جديدةً بين الدماغ والأمعاء، فالبكتيريا المعوية بإمكانها أن تؤثّر على مدى نسبةِ أضرارِ السكتةِ الدماغيةِ، وسوف يكون لهذه التجربةِ تأثيراً على طريقة تعامل ِ المجتمعِ الطبّي مع السكتةِ الدماغية وكيفية الحدِّ من أضرارها.

أُجرِيَت التجربة على مجموعتين من الفئران، حيثُ قامَ Josif Anrather ومساعديه، بمعالجة المجموعةِ الأولى من الفئرانِ بمزيجٍ من المضاداتِ الحيوية، والتي بدورها أدّت إلى تغيِّرٍ في تنوّعِ مجمعاتِ البكتريا المعوية لهذه المجموعة، بينما المجموعةُ الثانيةُ لم تُعالَج بهذه المضادات خلال فترة التجربة وبقيت كعيّنةٍ ضابطة.

وبعد مرورِ أسبوعين على تلقّي المجموعةِ الأولى العلاج، أحدثَ العلماءُ سكتةً دماغيةً في الأفرادٍ مِن كلتا المجموعتين، وذلكَ من خلالِ سَدِّ أحدِ الأوعيةِ الدمويةِ ومنعِ الدمِ من الوصولِ إلى الدماغِ، فكانتِ النتائجُ كالتالي: أظهرتِ الحيواناتُ التي تمّت معالجتُها سلفاً بالمضاداتِ الحيويةِ انخفاضاً بنسبةِ الأخطارِ الناتجةِ عن السكتةِ الدماغيةِ قدرهُ 60% مقارنةً بحيوانات التجربةِ الضابطةِ.

وفي حين أنّ الباحثين ليس لديهم فهمٌ كاملٌ للآلية السابقة، إلّا أنّهم اشتبهوا بأنَّ البيئة البكتيرية المُعَالجَة في أمعاءِ الحيوانات ساعدت على توجيه الخلايا المناعيةِ لتحمي الدماغ، وذلك من خلال التقليلِ من تأثيرِ الالتهاباتِ والعملياتِ المدمّرةِ الأخرى. أدّى هذا إلى وقايةِ الدماغِ من مخاطرِ الآثارِ القويةِ للسكتةِ الدماغيةِ الكاملةِ والتي مرَّت بها فئرانُ التجربةِ الضابطة.

مِن بين النتائج الأكثر إثارةً، أنّ الجهاز المناعيَّ قلّلَ آثار السكتةِ الدماغيةِ مِن خلال تنسيق الاستجابةِ من خارج الدماغ وشبَّه أحدُ أفرادِ الفريق البحثي عملَ الدّماغ بكقائدِ الفرقة الموسيقيةِ الذي لا يعزف على آلةٍ محددةٍ ولكنه يُرشدُ الآخرين لتنسيق آلية العزف لنحصل في النهايةِ على موسيقى حقيقةٍ متناسقةٍ.

بالرغمِ مِن أنَّه لا يوجد أيُّ ضمان لفعّالية تطبيقَ العلاجِ السابقِ في تقليل أخطارِ السكتة الدماغيةِ عند الإنسانِ، ولكنَّه يُعتبرُ توجّهٌ واعدٌ لمزيدٍ من الأبحاثِ المستقبلية، ولابدَّ من الإشارة إلى أنّ هناك جانباً واحداً مهمّاً في هذا البحث، ألا وهو كشف وتحديد نوعَ المجمعاتِ البكتيريةِ المعويةِ أو مكوّناتها التي تُحفّزُ الجهازَ المناعيَّ لحماية الدماغ من التّلف.

وتشيرُ نتائج الدراسةِ أنَّ بكتيريا الأمعاء لا تتفاعلُ مع الدماغِ كيميائياً، ولكنها تؤثرُ بطريقةٍ ما على الخلايا المناعيةِ، لتُعزّزَ عمليةِ بقاءِ الخلايا العصبيةِ وعدمِ تلفها. هذه الخلايا المناعية تصلُ في نهايةِ المطافِ إلى السحايا المُغَلّفة للدماغ خارجياً، وتقومُ هناك بتنظيم استجابةٍ معينةٍ للتخفيف من خطر السكتة الدماغية.

في حالِ تمكّنَ العلماء فعلياً من تفسير هذه الاستجابة، والتأكّد من أنّ العلاقةَ بين الدماغِ والأمعاءِ في الإنسان هي مشابهةٌ للعلاقةِ في حيوانات التجربة، عندها ستحقّقُ هذه الدراسةُ هدفَ علاجِ مخاطرِ السكتةِ الدماغيةِ بالميكروبيوتك (البكتيريا المعوية)، أو على الأقل سيمكنُ الاقترابُ من وصفِ حميةٍ غذائيةٍ يمكنُها أن تشكلَ دفاعاً جزئياً ضد أضرارِ السكتةِ الدماغية. يقول خبير الأعصاب Josif Anrather "إنّ انجازَ التدخل الغذائيَّ سوف يكون أسهلَ بكثيرٍمن المعالجةِ الدوائيةِ، كما أنّ مجال تأثيرها سيكون أكبر، ورغمَ أنَّ ذلك ما زالَ هدفاً بعيدا للدراسةِ الحاليةِ، ولكنّه سيكونُ أملاً واعداً للمستقبل، حيث سيكون للحميةِ الغذائيةِ الأثرَ الأكبرَ على تركيبِ وتنوّعِ مجمعَّاتِ البكتيريا المعوية، وتحديدِ الأنواعِ المفيدةِ والضَّارةِ والتي سيمكن معالجتها أيضاً من خلال التدخل الغذائي".

المصادر:

هنا