الطب > مقالات طبية

الفتاةُ شبيهَةُ أُمِّها!! هذا ما يقوله العِلم أيضَاً.

استمع على ساوندكلاود 🎧

كثيراً ما نَعزو بعضَ صفاتِنا الأساسيّة إلى والدَينا، فذاكَ قد أخذَ موهبتهُ الرّياضيّةَ مِن أبيه، وتلك تُشابه أمَّها في سُرعَة غَضَبِها. فَهل تلعب الوِراثة الدَّورَ الرَّئيسيَّ في ذلك؟ وهَل ما تَقولُه الأمثالُ الشَّعبيَة عَن مِقدار التَّشابُه النَّفسيِّ بينَ الأُمِّ وابنَتِها حَقِيقَةٌ عِلميَّة؟

لِتَعرِفُوا المَزيد تابعوا معنا هذا المقال.

----------------------------------------------

اقتَرَحتِ الدِّراساتُ الحَديثَةُ وُجودَ دورٍ لِلوراثَة في اضّطرَاباتِ المِزاج، ومنها الاكتِئَابُ الذي يصيبُ أكثرَ مِن 2.8 مليون مراهقٍ في الولايات المتَّحدة وحدها، كَما أَشَارت إلى وجود رَوابِطَ وِراثيّةٍ قويةٍ بينَ الأمَّهات والبنات.

وجد الباحثون في دراسةٍ حديثة نُشرت فِي مجلة العلومِ العصبيَّة journal of neuroscience وشَمِلَت 35 أُسرةً سَليمةً أنّ النِّظام اللِمبي (الحوفي) القِشري في الدِّماغ corticolimbic system المسؤولَ عَن تَنظيم العَواطِف والمُرتبطِ بمظاهر الاكتئابِ لدى الفتيات يمتلكُ الكثيرَ مِن الصِّفاتِ الوراثيَّة المأخوذةِ مِن أمَّهَاتِهنّ أكثر من نظيرهِ فِي أشقَّائِهنَّ الذُّكور. تَدعم هذه النَّتائِج ما توصَّلَ إليهِ البَاحثونَ سابِقَاً مِن خِلال تَجارِبهم على الحَيوانات ومِن خِلالِ التّجاربِ السَّرِيريَّة عنِ الاكتئاب، وَتُزوِّدُنا بفهمٍ أكبَرَ للدَّورِ الذي تَلعَبُه العوامِلُ الوراثيَّةُ فِي اضطِرابات المِزاجِ وغَيرها من الأمراضِ النَّفسيَّة، ممَّا يسمَحُ بتحديدٍ مبكِّرٍ للأشخاص المعرَّضين لخطرِ الإصابةِ بهذهِ الأمراض، ويفسحُ المجالَ أمامَ تطبيقِ الإجراءاتِ الوقائيَّة.

ويقول البروفيسور Fumiko Hoeft أستاذ الطبِّ النفسيّ في جامعة كاليفورنيا في تعليقهِ على الدِّراسَة " إنَّ دراسَتَنا فريدَةٌ مِن نَوعِها، فَهي الدِّراسَة الأولى التي تَشمَلُ كُلَّ أفرادِ العائِلَةِ. حيثُ قُمنَا بِتَصويرِ أدمغَةِ كِلَا الوَالِدَينِ والأبناءِ للبحثِ عَن مِقدارِ التَّشابُهِ في أدمِغَتِهِم، فيُمكِنُنَا أنْ نَعرِفَ ببساطةٍ مِمَّن وَرِثنَا لونَ أعيُنِنَا، على الرَّغمِ من أنّ الوراثة أعقدُ بكثيرٍ مِمَّا نتوقَّع، وغالباً ما نتحدَّثُ مازِحِينَ عَن وراثةِ صفاتٍ كالغُرورِ أو التَّنظيم، ولكنَّنَا لَم نَقُم بِربطِ ذلكَ بالشَّبكاتِ الدِّماغيَّة مِن قَبل، إّلا أنّ دِراسَتَنا هذه تُثبِتُ وُجودَ هذا التَّأثير.

وَيَذكُرُ البروفيسور Hoeft إِحدَى قِصَصِ الأطفالِ التي أَلهَمتهُ لِكِتَابَة هذا البَحثِ، وَفيهَا يَرقُدُ فِيلٌ على بُيوضِ أحَدِ الطُّيورِ، وعِندَما تَفقِسُ البُيِوضُ يَخرُجُ لِلحَياةِ كَائِنٌ هَجِينٌ بَينَ الطَّيرِ والفِيل، حيثُ تلعبُ كلٌّ مِنَ الطَّبِيعَة والعَوامِل الغذائيَّة دَوراً فِي حَياة الكَائن. والمُهمِّ في هذه الدِّراسَة أنَّها أظهرت أهَمِّيَةَ التَّأثيراتِ التي يَتّعرَّضُ لها الكَائِنُ في فترةِ مَا قَبلَ الوِلادة، فَغالِباً مَا نَنتَبِهُ لِهذه التَأثيراتِ فِي الحَالاتِ المَرَضِيَّةِ الشَّدِيدَة كإدمَانِ الكُحُولِ والتَّدخِين، ولكنَّهَا في الحَقِيقَةِ مهمةٌ في كلِّ الحالات، فتَعرُّضُ الأمِّ لأيِّة شِدّةٍ أثناءَ الحَملِ سَيؤثِّرُ مُستَقبَلاً على طِفلِهَا.

وتَأتِي أهميَّة هذه النَّتائجِ في ضوءِ التَّوصِياتِ الجديدةِ في الولاياتِ المتَّحدة، والتي تُشِيرُ إلى أهمِيَّةِ الاستِقصَاءِ عن الإصابة بالاكتئابِ عِند الحوامِلِ وحديثاتِ الأُمُومَةٍ. وعلى الرَّغمِ من أنّ هذهِ التَّوصِياتِ كانَت استجابةً لِمخَاوفَ مِن وجودِ دَورٍ لِلعواملِ الغِذائيَّةِ في هذه المُعَادَلة، إَّلا أنّ الدُّكتور Hoeft يَسعى جاهِداً لِفَكِّ لُغزِ العامِلِ البَيولوجيّ الذي يُساهِمُ أيضاً في ذلك.

قامَ الباحثونَ بإجراءِ تَصويرٍ بالرَّنِينِ المِغناطيسيِّ لِكُلِّ فردٍ مِن أفرادِ الأسرَة، وكُلُّهُم أصِحَّاءٌ ولا يُعاني أيُّ أحدٍ مِنهم من الاكتئاب، وقَامُوا بِقِياسِ أحجامِ الجهاز القِشري اللِمبي. وقَد وَجَدُوا أنَّ الارتِبَاطَ في حِجمِ المادَّة الرَّماديَّة بينَ الَّلوزة amygdala والقِشرِ الحزاميِّ الأماميِّ anterior cingulate cortex والقشر أمام الجبهيventromedial prefrontal cortex والحُصين hippocampus والتي تُشكِّلُ جميعَها الجهازَ القشري اللمبي أكبر عِندَ المقارنة بينَ الأمَّهاتِ والبَنات منه عند المقارنةِ بين الأمَّهاتِ والذُّكور أو الآباء والأبناء. مِّما يَقتَرِحُ وُجودَ انتقالٍ خاصٍ للاضطِراباتِ المِزاجيَّة بينَ الأمهاتِ وبناتِهنّ.

وفي تعليقِهَا على الدِّرَاسَة تَقُولُ البروفيسورGenevieve Piche والتي درسَت تأثيرَ العوامِلِ المُختَلِفَة على انتقالِ الاكتئابِ بينَ الأجيال، وخاصَّةً العواملَ البيئيَّةَ كرعاية الوالدَين والسُّلوكِ العِقَابي،" ينبغي علينا الحَذَرُ قَبَلَ تَعمِيمِ نَتَائِجِ هذه الدِّراسَة فقد شَمِلَت 35 عائلةً سَليمةً وبالتَّالِي لَا يُمكِنُنَا التَّأكُّدُ إنْ كانت هَذه النَّتَائِجُ تَنطَبِقُ أيضَاً عَلى العَائِلاتِ المُصَابةِ بالاكتئاب".

وَقَد أوضَحتِ الدِّرَاسَةُ وُجُودَ انتِقَالٍ للحَالاتِ النَّفسيَّةِ بينَ الأجيال، ولكنَّها لَم تُحدِّد طَبِيعَةَ التَّأثير هَل هُو وِرَاثيٌ أَم هُو تَأثِيرُ مَا قَبلَ الوِلادَة أَم مَا بَعدَ الوِلادَة أم آليةٌ مشتركةٌ تَشمَلُ كُلَّ مَا سبق. وَيَبدُو جَلِياً أنّ تَطَوُّرَ أعراضِ الاكتئابِ عِندَ الطِّفلِ نَاتِجٌ عَن تَراكُمِ العَديدِ مِن عَوامِل الخُطُورَة مُجتَمِعَةً. ويَسعَى البروفيسور Hoeft وَفَريقُه لِتَوسِيعِ نَتَائِجِ بَحثِهِم، حَيثُ يُعِدُّونَ لِدِرَاسَةٍ جديدةٍ تَفحَصُ أدِمغَة الآباءِ والأبناءِ بالرَّنينِ المِغنَاطِيسيِّ فِي العائلاتِ التي تَستخدمُ أساليباً مختلفةً مِن تِقنيِّاتِ الإخصَاب المساعِد.

وَقَد تَفتَح هذه الدِّراسَة البَابَ أمامَ مَزيدٍ مِنَ الدِّراساتِ المُستقبلية، لِدِراسَة أمراضٍ نفسيةٍ أُخرى كالتَّوحُّدِ، ولدراسةِ أنظمةِ عملِ أدمِغَتِنَا كَنِظَامِ الإدمانِ والمُكافأةِ وحتَّى دِراسَةَ المَقدِرَاتِ اللُّغَويَّة.

كما أنّ لِهذهِ الدِّراساتِ فائدةً وِقائيةٌ، فَهِيَ تُمَكِّنُنَا مِن مَعرِفَةِ الفَتَياتِ اللاتِي يواجِهنَ خَطَراً مُرتَفِعَاً للإصَابَة بالاكتِئاب، وبالتَّالِي اتخاذُ الإجراءاتِ الكَفيلةِ بالوقايةِ منه.

المصدر:

هنا