الكيمياء والصيدلة > صيدلة

انهيار الخط الدفاعيّ الأخير من الصادات

استمع على ساوندكلاود 🎧

اخترقت بعض الجراثيم الخط الدفاعيّ الأخير من الصادات الحيويّة التي تحمي البشر. حيث وَجد الباحثون مورثةً في إحدى سلالات جراثيم الإيشريكيّة القولونيّة (E. coli) وهي السلالة SHP45. تقوم هذه المورثة بحماية الجرثوم من أحد أنواع الصادّات الحيويّة الذي يُعتبر ملاذنا الأخير. إضافةً إلى ذلك، تنتقل هذه المورّثة بسهولةٍ بين الأنواع الجرثوميّة، مما يرفع احتماليّة حدوث أوبئةٍ متعددةٍ قد لا يستطيع الأطباء معالجتها.

وتعتبر نتائج الدراسة التي قام بها الباحثون حول هذه المورثة في الصين مقلقةً جداً، فعندما تصبح جرثومةٌ ما مقاومةً لآخر خطٍ دفاعيٍّ من الصادّات الحيويّة، ويصبح بإمكانها مشاركة هذه المقاومة مع أنواعٍ أخرى من الجراثيم، فإن هذا سيترك البشرَ عُرضةً لمجالٍ واسعٍ من العدوى، والتي قد نعجز عن إيقافها.

ووجد الباحثون المورثة التي تدعى mcr-1 (وهي فردٌ من عائلة الأنزيم الناقل للفوسفو إيتانول أمين Phosphoethanolamine)، في عينات من E. coli، المأخوذة من خنازيرَ مصابةٍ، ومنتجاتِ لحمِ الخنزير ومن أشخاصٍ مصابين أيضاً. حيث تحمي هذه المورّثةُ الجرثومةَ من صادٍّ حيويٍّ يدعى كوليستين Colistin. وبالمقارنة بين العينات المأخوذة من الإنسان والعينات المأخوذة من الحيوانات، فقد تم العثورُ على مورثة mcr-1 بشكلٍ أكبرَ في العينات المأخوذة من الحيوانات، مما يقترح أنها تنشأ في المواشي، حيث يتم إعطاء الكوليستين بشكلٍ واسعٍ للمواشي.

وتعطى الماشية التي تتم تربيتها بهدف إطعام البشر الصادّات الحيويّة بشكلٍ روتينيٍّ لحمايتها من العدوى، ولتحفيز نموها، لكن الحضورَ الثابتَ لهذه الصادّات في النظام الغذائيّ للماشية ساعد في زيادة أعداد الجراثيم المقاومة للصادّات الحيويّة. ووجد الباحثون المورثة المقاومة للكوليستين في بُنى جرثوميّة تدعى بالبلاسميدات، والتي هي حلقاتٌ صغيرةٌ من الـ DNA يتم تمريرها بسهولةٍ من جرثومةٍ لأخرى، وحتّى بين أنواعٍ مختلفةٍ من الجراثيم.

والكوليستين هو صادٌّ حيويٌّ من عائلة البوليمكسنات Polymyxins، وليس اكتشافاً حديثاً، فقد تمّ اكتشافه عام 1947، واستُخدِم بشكلٍ واسعٍ خلال ستينيات القرن الماضي، لكنّ آثارَه الجانبيّة على الكلية والجهاز العصبيّ أدت إلى الابتعاد عنه، خاصةً بعد إيجاد صاداتٍ أحدثَ وأكثرَ أماناً. لكن إبقاء الكوليستين جانباً هو ما أبقاه حيّاً في المعركة ضدّ الجراثيم المقاومة للأدوية، وذلك لعدم تعرُّض الجراثيم له لمدةٍ تكفي لتطوير مقاومة تجاهه. وبينما كانت تتقلص قائمة الصادّات الحيويّة الفعّالة، بقي الكوليستين كأحد الخطوط الدفاعيّة الأخيرة في مواجهة العدوى الجرثوميّة.

عَلِم الباحثون منذ مدةٍ طويلةٍ أنّ استخدام الصادّات الحيويّة، في الزراعة والطب، قد شجّع الجراثيم على القيام بما أتقنته لأكثر من 3 مليارات عام، وهو التطور والبقاء على قيد الحياة. وخلال مليارات السنين، صقلت الجراثيم دفاعاتِها ضدّ الأحياء الدقيقةِ الأخرى التي قد تؤذيها بشكلٍ جيد، وبما أنّ العديد من الصادات الحيويّة مشتقةٌ من الأحياء الدقيقة، فاستخدام الأطباء لهذه الأدوية ضد الجراثيم يقدم لها خصماً أعدّها التطورُ لمواجهته.

يبدو أننا سنعيش عصرَ ما قبل الصادّات الحيويّة مرةً أخرى، حيث سيكون الأطباء في وضعٍ غير مريحٍ محاولين معالجة أنواع العدوى في حين تقاوم الجراثيم مختلف الصادّات، بما يشبه نفاذ الذخيرة من سلاحنا، وهذا ما يجعل إجراءاتٍ وقائيّةً كاللقاحات والنظافة الشخصية أكثرَ أهميّة من ذي قبل، وكذلك عدم استخدام الصادات الحيوية إلّا عند الحاجة إليها لأن استعمالها دون حاجة لذلك هو ما يدعم مقاومة الجراثيم للصادات.

ورغم أنّ الصادات الحيويّة قد تبقى مفيدة، فمن الأفضل للأطباء أن يقوموا بتنويع أساليبهم، باستخدام علاجات موجّهةٍ بشكلٍ أفضلٍ تجاه الجراثيم، كالفيروسات الحالّة للجراثيم (Bacteriophage)، وعن طريق تطوير أساليبٍ وقائيّةٍ جديدة. كما أنّ أملنا الأخير في مواجهة الجراثيم المسببة للعدوى قد يتطلب إصلاحَ النَهج المستخدم في محاربة المرض، لجعل المرضى أقلّ اعتماداً على العلاجات التي يُحتمل هزيمتها من قبل الجراثيم.

المصادر:

هنا

هنا

هنا00424-7/abstract