الهندسة والآليات > الطاقة

أشجار النخيل تُلْهِم مُصَّمِمِي العَنَفَات الهَوائية

استمع على ساوندكلاود 🎧

من منًّا لم يشاهد شجرةَ النخيلِ؟ أو لم يسمعْ عنها؟

إنها تُعتَبر من الأشجار الأكثر شهرة ًفي العالم العربي، ورمزاً للعطاء والشموخ نتيجةً لعلوها ومقاومتها للرياح العاتية. نعم أصدقائي فقد استلهم العلماء من هذه الشجرة أفكاراً لتصميمٍ عصريٍّ لعنفات توليد الطاقة عن طريق الرياح. تعالوا معنا لنتعرفَ أكثر على الفكرةِ التي تم من خلال هذه الشجرة استلهام ُ تصميمها.

قام مهندسُ الملاحةِ الجويةِ "Eric Loth" بالبَحثِ عن تصاميم َجديدةٍ مستوحاةٍ من الطبيعة؛ لمساعدته على تصميمِ توربينات (عنفات) هوائيةٍ بكفاءةٍ عاليةٍ، ومن خلالِ بحثِه وجدَ مشروعاً لطالب هندسة قد تم طرحه عام 1970 م، وقد لاقى هذا المشروعُ دعماً من وزارةِ الطاقةِ الأمريكيةِ في ذلك الوقت. نجحَ هذا المشروعُ بعد ثلاثِ سنواتٍ من البحث ِ والتَقَصِّي في تصميمِ محور "Rotor" خفيف ِالوزنِ لعنفة رياحٍ تُوَّلِد ما مقداره 50 ميغاواط، وبمنحةٍ حكوميةٍ وصلت إلى 3.56 مليون دولار.

اعتمد المشروعُ على تصميمِ عنفة هوائية بقدرة ٥٠ ميغاواط، تتميزُ بخفةِ الوزنِ والكفاءةِ العاليةِ، لقد كان هذا المشروعُ مشروعا ًواعداً إلا أنه قد أُلغيَ لسببٍ غير معروف وفقدَ بريقَه، يقومُ المهندسُ "Eric Loth" بإخراج المشروعِ للنور مرة أُخرى، حيث إن العنفات التي تم تصميمها لغاية اليومِ لا تستطيع ُأن تولد طاقةً أكثر من 8 إلى 10 ميغاواط باستخدام التصاميمِ المنتشرة حالياً، وهي عبارةٌ عن ثلاثِ شفراتٍ تدور بمرور الرياح.

يقول المهندس "Eric": "بما أن المشروع َ قديمٌ، فليس هناك شيءٌ يضمنُ نجاحهُ، إنه ليس بالأمرِ السهلِ". سيقوم المشروعُ باحتلال 20٪ من سوق الطاقةِ النظيفةِ في الولاياتِ المتحدةِ عام 2030 م إذا نجحَ بتوليدِ الطاقةِ التي تم اقتراحها أثناءَ تَصميمهِ ودراستهِ. حيث إن المشاكلَ التي تواجهها التصاميمُ الحاليةُ للعنفات الهوائيةِ مجتمعةً هي الطولُ الكبيرُ للشفرات والوزن الكُلي وهي مُجتَمِعة، وتؤثر هذه العواملُ بشكلٍ مباشرٍ على كفاءة التصميم، فأيةُ زيادةٍ في الوزنِ تعني زيادة قوة ِ الجاذبيةِ التي تؤثرُ على حركةِ الألواحِ التوربينية. يُكمل المهندسُ قائلاً: "نحتاج لشفراتٍ بطول 200 متر عندما نريد تصميم عنفة هوائية طاقتها 50 ميغاواط".

يقول "Eric": "إن العنفة ذو المفاصلِ القابلةِ للدورانِ قد تم استلهامها بشكل مباشر من أشجار النخيل، فعندما تهبُ الرياحُ القويةُ على أشجارِ النخيلِ تأخذُ أوراقَها بزاويةٍ قريبةٍ من 90 درجة وتتجه مع مسارِ الرياحِ، ويقوم هذا التصميمُ بفعل الشيئِ نفسه عند هبوبِ رياحٍ قويةٍ، حيث إن هذا التصميم يُمَّكِن المهندسين من تركيبِ شفراتٍ أكبرَ وأطولَ دون الحاجة إلى القلق حيالَ تكسّرِ الشفرات جراءَ قوةِ الرياحِ، وبالتالي كَفاءة أعلى في استغلالِ طاقةِ الرياحِ".

يضم فريق "Eric" خبراءَ في تصميمِ عنفات الرياح والتحكمِ من الجامعات الأمريكية، والمختبر الوطني للطاقةِ المتجددة، ومختبر سانديا الوطنيي. يعتمد تصميمهم على آلةِ اتجاهِ الرياحِ والمحاورِ الخفيفةِ الوزنِ. سوف تنتشر هذا الشفراتُ في الطقسِ الجيدِ لتستطيعَ الدوران مع اتجاهِ الرياحِ، وستنكمشُ مع بعضها في الطقس السَيء وأثناءَ العواصف مثل انكماش سُعف النخيل في الطقس العاصف وذلك لتجنب الضرر.

إن عملية تجزئة المحور تُقَلِل من وزنهِ، وبالتالي تُخفض التكاليفِ وتُسهيل من عملية ِالبناء. يقول "Eric": " تُعتَبَر الكتلة هي المال، لذلك يجب أن نُفَكِر في مواد خفيفة جداً، ومن هنا استلهمنا التصميم من شجرة النخيل". نُؤمن بقدرتنا على بناء نموذج أولي من موادَ موجودة، كألياف الكربون المُرَّكبة، والتي تُعتبر أخفَ وزناً لكنّها أكثر كُلفةً من المواد التقليدية. ويضيف بأنهم سيبحثون عن بدائل مناسبة لهذا المَهمة.

وركز المهندس Eric على أهمية الجاذبية من خلال قوله " تُعتبرُ الجاذبية موضوع كبيرٌجدا"

و اعتبر المهندسُ "Eric" وفقاً لورقة ٍ نشرها عام 2012 في لقاء علوم ِ الفضاءِ بأن التصميمَ الذي يعتمدُ على جعلِ اتجاهِ العنفة بعكسِ اتجاهِ الرياحِ، يمكن أن يقللَ من الكتلةِ الإجمالية بمقدارِ 50% في الهيكلِ وصلابة الصارية.

وتوضحُ الورقةُ العلميةُ بأن التصميمَ الجديدَ يفصلُ الشفرات الهوائية بشكلٍ بسيطٍ وفعالٍ، حيثُ إن

الجهدَ الأفقيَ عندَ مناطقِ الربطِ قد تم تخفيضهُ بشكل ٍ كبيرٍ، وكما أن احتواءَ التصميمِ على انحناءات

يؤدي إلى إلغاء الاهتزازاتِ التي قد يتعرضُ لها البرجُ عند هبوب ِ رياحٍ قويةٍ، فالشفرات

الهوائية قادرةٌ على الانحناءِ مع اتجاه الرياح.

تقومُ الشفرات ُ الهوائيةُ بمواجهةِ الرياحِ بشكل عموديٍّ عندما تكونُ سرعةُ الرياحِ بطيئةً، ومن ثم تنحني الشفراتُ مع اتجاه الرياحِ عند السرعات العالية، مما يؤدي إلى تعامل أفضل مع الجاذبيةِ

وتوزيع أفضل لمراكزِ الثقل والديناميكية الهوائيةِ للتصميمِ. مما يجعل التصميمَ قادراً على تفادي انكسار إحدى شفراته الهوائية عند تعرضها للرياحِ بسرعة عاليةٍ، بشكلٍ يحاكي جذوع أشجارِ النخيلِ، مما يقلل تكلفة الصيانةِ التي قد تظهرُ في المستقبل.

يقول "Todd Griffith"، أحدُ أعضاءِ الفريقِ البحثيّ: "يُعتَبَرُ استخدام ألياف الكربون اختيار موفقٌ لأنها خفيفةُ الوزن وصلبةٌ في نفس الوقتٍ، على الرغم من ارتفاع سعرها، ويؤمن الفريق بإمكانية بناء أبراج هوائية تصل لارتفاع ١٠٠ متر باستخدام هذه المادة دون الخوف من تَكَسُّر الشفرات".

يساعدُ هذا التصميمُ على خفضِ الوزن العامِ للعنفة الهوائية بنسبةِ 50%، حيثُ يمكن

تصميمُ الشفراتِ بسماكةٍ أقل مما يُخَّفِض الجهد الذي يتعرض له التصميم.

إن التفكير غير التقليدي هو الذي يأتي بمثلِ هذه الأفكار الجميلة، التي تساهم في تقديم ِ تصاميم َ

تملك ُ كفاءةً عالية ً مكننا من تجميع أكبر قدر من الطاقة النظيفة. وتبلغ الطاقة النظيفة المستخدمة في الولايات المتحدة 5.4 ٪ من مجموع الطاقة المُنتَجة في عام ٢٠١٥، وإن مثل هذه التصاميم سيساعدنا في زيادة نسبة استخدام الطاقةِ النظيفةِ

إن التصاميمَ الناجحةَ التي انتشرت في العالمِ كانت مستوحاة من الطبيعة، ومن سلوكيات الكائنات الحيّة على هذه الأرض، كالطائرات باختلاف أنواعها والروبوتات وقريباً التوربينات الهوائية،

والوصولِ لمثلِ هذه التصاميم لا يأتي إلا بالمراقبة الدقيقة والتفكيرِ إلى جانب المعرفة العلمية.

إذا أردت أن تكون إنساناً يشار إليه بالبنان دع عنك كل شيء واذهب إلى الطبيعة واقضي فيها أوقاتاً بعيدة عن التشتت، وسوف تنذهل بخفايا ذلك العالم الجميل، من يدري ربما تُذهِل العالم أيضاً بمحاكاة أحد تصاميم الطبيعة التي لم يتعرف عليها الانسان بعد.

المصدر:

هنا