الهندسة والآليات > التكنولوجيا

نظارات ثلاثية الأبعاد للحشرات، ما المفيد وما الذي يتوقّعه العلماء من ذلك؟

استمع على ساوندكلاود 🎧

هل ذهبتَ إلى سينما ثلاثيةِ الأبعاد من قبل؟ بالتأكيد الكثيرُ منا قد فعل، وكم كانت التجربة مثيرةً لدرجة أنَّ البعضَ يتفاعلُ مع الفِلم محاولاً إمساكَ الممثِّلين أو لمسَهم أو فقعَ فقاعاتِ الصّابون المُتطاير في أرجاءِ الفِلم المعروض.

لكن ماذا لو عُرض فلم ثلاثي الأبعاد على الحشرات، هل ستتفاجأ مثلَنا؟

قام فريق من جامعة نيوكاسل-بريطانيا، بالعمل على تقريرٍ علمي يُؤكِّد أن حشرة (فرس النبي) تَستخدم الرؤية ثلاثيةَ الأبعاد لصيد الفرائس.

حيث قام هذا الفريق بتصميم سينما خاصةٍ بالحشرات، وهي عبارةٌ عن نظّاراتٍ تُمكِّن الحشرة من الرؤية ثلاثيةِ الأبعاد، وأوضح الفريق أن النظارات التي تمَّ تصميمُها للحشرات تختلفُ عن التي يستخدمها الإنسان، فقد تمَّ استبدالُ العدسات الحمراء بعدساتٍ زرقاءَ وخضراء، وذلك لأن حشرة (فرس النبي) لا يُمكنها رؤية الضوء الأحمر بسهولة.

في بداية الأمر حاولوا استخدامَ النظارة ثلاثية الأبعاد بشكلِها الحالي، ولكن ما يعملُ عند البشر لا يعمل عند الحشرات، حيث صُمِّمت كلُّ عدسةٍ لتحجُب أو تسمح بمرورِ نوعٍ معيَّنٍ من الضوء المُستقطَب دائرياً، إحدى العدسات تقومُ بتصفية الأشعة إذا كانت موجتها تدور بعكس عقارب الساعة وتسمح بمرور الأشعةِ التي تدورُ مع عقارب الساعة، بينما العدسةُ الأُخرى تقوم بعكس ذلك، وهذا يسمحُ لصورتين مختلفتين أن تنتشرا في وقتٍ واحدٍ وتندمجان لتستقبلَهُما العينين وكأنهما صورةٌ واحدة. [1]

الرؤية ثلاثيةُ الأبعاد عند حشرة (فرس النبي) معروفةٌ منذ عام ١٩٨٠، حيث قامَ سامويل روسيل بالبحث في هذا الموضوع، لكنَّه استخدم مناشيرَ ضوئيةً وأغطيةً لونية، مما حدَّ من عددِ الصور التي يُمكن عرضُها عبر النظارة. وطوَّر فريق جامعة نيوكاسل نظاراتٍ ثلاثيةِ الأبعاد ملائمةٍ للحشرات ممَّا مكَّن الفريق من عرض الصُّور التي يحتاجونها أمامَ الحشرات.

قام الباحثون بإلصاقِ النظارات على عيونِ حشرةِ (فرس النبي) باستخدامِ شمعِ العسل، وتمَِّ عرض فيديوهاتٍ أمامها تُوهمُها بوجودِ فريسةٍ تتحرَّك أمام شاشة الحاسوب. لم تحاول الحشرة الانقضاضَ على الفريسة عندما تمَّ عرضُها بصورةٍ ثنائيةِ البُعد، ولكن عندما تمَّ عرضُ الفريسة بصورٍ ثلاثيةِ الأبعاد أصبحت الفريسة تظهر وكأنّها تطير أمام شاشة الحاسوب مما دفع حشرة (فرس النبي) لمهاجمتِها، ممَّا يعني أن هذه الحشرة تَستخدم الرؤية ثلاثية الأبعاد في رؤية الأشياء.

يقول الباحثُ الأول في هذه الدراسة والبروفيسور في علم الرؤية جيني ريدر: "بغضِّ النَّظر عن الدماغ الصغير لحشرة (فرس النبي) إلا أنها تُعتبَر من الصيادين الخارقين اعتماداً على قُدرتها البصرية، حيث يُمكنها التقاطُ الفريسة بدقةٍ عالية جداً، لذا فإن هنالك الكثيرَ لنتعلَّمه من دراسةِ رؤيةِ هذه الحشرة للعالم".

إن الاختباراتِ الأولية للتكنولوجيا ثلاثيةِ الأبعاد المستخدمةِ لدى الإنسان لم تنجح مع الحشرات، وذلك لأن الحشرات كانت قريبةً جداً من شاشة الحاسوب، الأمرُ الذي جعلَ النظارات تفشلُ في فصلِ الصورةِ التي تظهرُ أمام العينين بشكلٍ صحيح.

وقال الدكتور نيتياندا، عالم بيولوجيا المُستشعِرات من جامعة نيوكاسل: "عندما فشلنا في الوصولِ لهدفنا باستخدامِ النظارات التي يستخدمها الإنسان للرؤية ثلاثية الأبعاد، أدركْنا سريعاً أن حشرة (فرس النبي) لديها مشكلةٌ في رؤية اللون الأحمر، فاستبدلْنا العدسات الحمراء بعدساتٍ زرقاءَ لتوضيح الرؤية أمامها".

وحالياً يقوم فريق جامعة نيوكاسل بمواصلةِ البحث عن طريق اختبارِ خوارزمياتٍ تمَّ استخدامُها مسبقاً لإدراك عمقِ الرؤية عند الحشرات، ليُعطي فهماً أعمقَ عن نشوءِ وتطوُّر الرؤية لدى الإنسان، والوصول لتكنولوجيا ثلاثية أبعادٍ جديدة يتمُّ تضمينُها في الحواسيب والروبوتات.[2]

إذا كانت حشرةٌ واحدة قد قادتنا لكلِّ هذه العلوم فما بالك بالعلومِ المخفيِّة في النحل والنمل والحشرات التي لم يكتشفها الباحثون بعد، لا يسعُنا إلا أن ننظُر إلى هذه المخلوقاتِ نظرةَ تأمُّل بحجمها الصغير وبالعلم العظيم المخفيِّ بين ثناياها.

المصادر:

[1] هنا

[2] هنا