الفيزياء والفلك > فيزياء

الوجه الرومانسي لميكانيكا الكمّ والحُب المُتشابك.

استمع على ساوندكلاود 🎧

هناك جسيمات مرتبطة ببعضها ارتباطاً وثيقاً لدرجة أنَّ أي تغيير يطرأ على أحدها يؤثر في الآخر أيضاً بشكلٍ آنيّ، مهما بَعُدت المسافة بينهما.

قصص الحب هذه تجري أحداثها على أصغر المستويات التي يمكننا تخيّلها: وصولاً إلى مستوى جسيمات الضوء (الفوتونات).

إنَّ هذه الظاهرة تدعى بالتشابك الكمّي entanglement نسبةً إلى فرع من الفيزياء يدعى بميكانيكا الكمّ، الذي يصف الآليّة التي يعمل بها الكون عند مستوى الذرّات والجسيمات دون الذريّة. وفق ميكانيكا الكم وعلى مستوى هذه المقاييس بالغة الصغر، فإن بعض خصائص الجسيمات تعتمد كليّاً على الأحتمالية والأرجحيّة، أي بعبارةٍ أخرى لا شي مؤكد إلى أن يحدُث.

لكنّ اينشتاين رغم إيمانه بالحب لم يقتنع تماماً بأنّ قوانين ميكانيكا الكمّ تنطبق على الواقع، إذ افترض هو وكثيرون غيره أنّه لا بد من وجود مُتغيراتٍ خفيّةٍ تؤثر على النظم الكموميّة وبمعرفة هذه المتغيرات تصبح هذه النظم قابلة للتنبؤ.

في عام 1964 طرح جون بيل John Bell فكرةً تقول أن أيّ نظريّةٍ فيزيائيّةٍ لوصف الواقع تعتمد على مثل هذه المتغيّرات الخفيّة لا بدّ لها من أن تُسلّم بوجود تأثيرٍ آنيٍّ لجسيمٍ على آخر، أي بحسب بيل تستطيع الجسيمات التأثير آنياً على بعضها، بغضّ النظر عن المسافة بينها. وعلى الرغم من تعارض هذا مع ما أثبته اينشتاين عن استحالة انتقال المعلومات بأسرع من سرعة الضوء فإنَّ علماء الفيزياء يعتبرون نظرية بيل إحدى أهمّ أساسات الفيزياء الحديثة.

أُجريت العديد من التجارب محاولةً إثبات نظريّة بيل إلّا أنّ أياً منها لم يختبرها بشكلٍ كاملٍ وملائمٍ، حتّى مؤخراً وبالتحديد في عام 2015 نُشرت ثلاث دراساتٍ منفصلةٍ عن هذا الموضوع، كانت نتائج كافّة هذه التجارب متوافقةً مع توقّعات مكيانيكا الكم ومبدأ التشابك الكميّ.

قال كريستر شالم Krister Shalm عالم الفيزياء في المعهد الوطنيّ للمعايير والتكنولوجيا (NIST) في بولدر بكولورادو وأحد المؤلّفين الرئيسيين في إحدى هذه الدراسات: "ما يثير الحماس هو أنّه يمكننا القول أنّنا نقوم بفلسفةٍ تجريبيّة... كان لدى البشر دائماً توقعات معيّنة حول كيفيّة عمل الكون، ولكنّ ميكانيكا الكم جعلتنا نرى أنّه يتصرّف بما يخالف هذه التوقّعات".

دعونا نستعمل التشبيهات لفهم التجربة التي أُجريت في معهد (NIST) في بولدر، لنرى كيف يختبر بلال وسارة التشابك الكميّ.

لنتخيّل أنّ S وB فوتونان متشابكان. أُرسل الفوتون S لسارة والفوتون B لبلال، اللذين تفصلهما عن بعضهما مسافة 185 متر. وكشخصين فضوليّين فإنَّ سارة وبلال يتلاعبان بفوتونيهما بشتّى الطرق علّهما يكوّنان فكرةً عن خصائصهما. ثم ومن دون التحدّث إلى بعضهما البعض يستعملان بطريقة منفصلة مولّداً للأرقام العشوائية يستخدمه كلٍّ منهما لاختيار طريقةٍ لقياس استقطاب فوتونه (إحدى الخصائص الفيزيائية للفوتونات)، وذلك لضمان عشوائيّة اختيار الطريقة واستقلال التجربتين.

وعندما يقارن بلال وسارة ملاحظاتهما يجدان -ويا للعجب- أنَّ نتائج تجربتيهما المستقلّتين مترابطة، أي بعبارة أخرى تؤثّر عملية قياس خصائص أحد الفوتونين المتشابكين على خصائص الفوتون الآخر وإن كانا متباعدين. يُدعى هذا التأثير بـ "التأثير الشبحيّ عن بعد"، يا له من اسم مرعب لمثل هذه الظاهرة الرومانسيّة.

شبّه شالم Shalm ما فعله بلال وسارة بأنّهما حاولا هدم العلاقة بين الفوتونين ولكنّ حبّهما بقي صامداً، حيث يتصرّف الفوتونان المتشابكان كما لو أنّهما جزئان من نظامٍ واحدٍ برغم المسافة بينهما.

قام بلال وسارة بتكرار هذه العمليّة على الكثير من أزواج الفوتونات المتشابكة الأخرى وحصلا على نفس النتيجة الرومانسيّة في كلّ مرةٍ. هذا الترابط يعني أنّ الفوتونين المتشابكين يمتلكان بالفعل تأثيراً آنيّاً على بعضهما البعض.

للوهلة الأولى يبدو لنا بأن هذا التأثير يسمح بالرسائل الآنيّة والفورية من جسيم إلى آخر مهما تباعدا عن بعضهما -وهذا ما لم يُعجب آينشتاين- ولكن في الحقيقة لا يمكن استعمال التشابك الكميّ لإرسال الإشارات، لأنّه على الرغم من أنّ معرفة بلال لنتيجة قياس فوتون سارة، سوف يُمكَنه من معرفة نتيجة قياس فوتونه من دون أن يتكبّد عناء القياس، إلّا أنّه لا يملك إلّا طرق الاتصال التقليديّة غير الآنيّة ( إيميل، رسالة نصيّة…) للإتصال بسارة ومعرفة نتيجة قياس فوتونها. مما يعني أنَّ اينشتاين كان مُخطئاً عندما رفض وجود التشابك لكنّه أيضًا كان محقاً عندما قال بأنّه من المستحيل أن تنتقل المعلومات بأسرع من سرعة الضوء.

لا بدّ من أنكّم استنتجتم أنّ سارة وبلال يُمثّلان في الواقع جهازين لرصد الفوتونات وليسا أناساً.

قد يبدو لنا مفهوم التشابك الكمومي غريبًا بعض الشيء، لكن يُمكن أن نواسي أنفسنا بما قاله نيلز بور: "من لم تصدمه ميكانيكا الكم في أعماقه... لم يفهمها بعد".

-----------------------------------------------------

مقالات سابقة عن التشابك الكمومي:

هنا

هنا

----------------------------------------------------

المصادر:

هنا

هنا