الطبيعة والعلوم البيئية > علم البيئة

اتفاقيات قمة المناخ في باريس... وهمٌ أم حقيقة؟

استمع على ساوندكلاود 🎧

صدّق مائة وخمسةٌ وتسعون طرفاً على اتفاقية الأمم المتحدة الإطاريّة بشأن تغيّر المناخ منذ اعتمادها في عام 1992، واعتُمد بروتوكول كيوتو في عام 1997 من أجل تطبيق الاتفاقية، ودخل حيّز النفاذ في عام 2005.(تحدّثنا عنه في مقالٍ سابقٍ هنا) وأكّدت الأطراف في عام 2011 عزمها على إبرام اتّفاقٍ جديد بشأن المناخ في عام 2015، بغية دخوله حيّز النفاذ في عام 2020، وعليه دعت الأمم المتحدة إلى أكبر قمّةٍ للمناخ عُقدت في فرنسا للتوصّل إلى أوسع التزامٍ دولي لخفض الانبعاثات الغازيّة.

تخلص القمّة إلى اتّفاق ملزم تتحمّل فيه الدول الأكثر انبعاثاً للغازات الدفيئة مسؤوليّتها التاريخية، وإلى تقديم دعمٍ مالي للدول الفقيرة بقيمة 100 مليار دولار سنويا في 2020، لمواجهة مخاطر وتداعيات الاحتباس الحراري كالجفاف والفيضانات وذوبان الجليد.

التعهّدات التي تقدمت بها مئة وخمسٌ وتسعون دولةً لخفض الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري ترمي إلى احتواء ظاهرة الاحتباس "لإبقاء ارتفاع درجة حرارة الأرض دون درجتين مئويتين" مقارنةً بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، ومواصلة الجهود لجعل هذا الارتفاع 1،5 درجة مئوية، ويفترض أن يسرّع هذا الاتفاق العمل لخفض استخدام الطاقة المعتمِدة على الوقود الأحفوري، ويشجّع على اللجوء إلى مصادر الطاقة المتجددة، كالطاقة الشمسيّة والنوويّة والمائيّة وطاقة الرياح وغيرها من الطاقات النظيفة، لكن هل هذه الالتزامات كافية؟ أم أنّها مجرّد قناعٍ مؤقّتٍ لتغيير واقع المناخ العالميّ؟

لعلّ بعض المندوبين إلى باريس يدرك أنّ ما اتُّفِق عليه ليس إلّا "خططُ استرجاعٍ للكربون"، فمثلاً إذا لم تكن تريد التخلّصَ بنفسك من غلاف أثاثٍ جديدٍ لمنزلك يمكنك إعادته إلى متجر المفروشات، وفي بعض الأماكن يمكنك إعادة الأثاث التالف إلى مصدره، وبالنسبة لاتفاقيّة باريس للمناخ فإنّ نجاحها مرتبطٌ بحدوث الأمر ذاته، حيث ستُجبَرُ الشركات المُعتمِدة على الوقود الأحفوريّ على إعادة واسترجاع انبعاثاتها من الغازات الدفيئة.

أمّا بالنسبة للحفاظ على زيادة درجة الحرارة ضمن حدود الدرجتين مئويتَين فقط فإنّ هذا سيتطلّب أخذَ الكثير من الكربون من الغلاف الجوّي وتخزينه ضمن طبقات الأرض، لذلك فإنّ أطراف الاتّفاق في الواقع سيقومون ببيع هذه الانبعاثات، على أمل التخلّص منها لاحقاً.

يتم تحديد ذروة ارتفاع درجات الحرارة بأغلبيّةٍ ساحقةٍ من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون المتراكمة، ولتحقيق الاستقرار في درجات الحرارة على أيّ مستوى، سواء كان 1.5 ℃، 2 ℃ أو حتى 3 ℃، يجب تخفيض صافي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى الصفر، والّتي من غير المُرجّح أن تصل إلى الصفر قبل أن تزداد الحرارة بمعدّل درجتَين، ويُقدّرُ ارتفاع درجات الحرارة حاليّاً بحوالي درجة مئويّة واحدة ويزداد بمعدّل 0.1 ℃ كلّ خمس إلى عشر سنوات، يمكن إبطاء هذا الارتفاع بتقليل الانبعاثات لكنّ الفشل في تخفيضها إلى الحدّ المطلوب سيؤدّي إلى طرح الفائض من CO2 إلى الغلاف الجوي مجدّداً.

أصحاب مصادر الوقود الأحفوري:

بعض البلدان لا يمكن أن تقبل اقتراحَ أن تكونَ ملزمةً بتركِ بعضٍ من احتياطي الكربون الأحفوري الثمين لديها في باطن الأرض. فليس هنالك أيّ حقٍّ بمنع الهند مثلاً من استخدام الفحم، لكن بحلول الوقت الذي ترتفع فيه درجات الحرارة في العالم بمقدار 2 ℃، نحتاج ببساطة أن تكون الشركة التي تبيع الوقود الأحفوري، أو أي منتج كثيف الكربون مثل الاسمنت التقليدي، مُلزَمةً باسترجاع كميّةٍ مساوية من CO2 والتخلّص منها بأمانٍ للتأكُّد من ألّا ينتهي بها المطاف في الغلاف الجوي، وهو ما يعني حالياً حقن الكربون ضمن طبقات الأرض. منطقيّاً، يجب أن يتحمّل تكلفة التخلّص من CO2 بائعو الكربون الأحفوري، فإذا ما تمّ دفعها من الضرائب العامة، لن يكون هنالك حافزٌ لتقليل محتوى الكربون في المنتجات التي يتمّ بيعها أو شراؤها، ولن يكون للشركات حافزٌ لتقليل تكاليف التخلّص منها. واسترجاع CO2 هو الطريقة الوحيدة الممكنة لتحقيق الاستقرار في المناخ بدلاً من فرض حظرٍ عالميّ على استخراج الوقود الأحفوري واستخدامه.

سيناريوهات الخيال:

يريدنا عشّاقُ الطاقات البديلة أن نصدّق أنّها يمكن أن تكون أقلّ تكلفةً من الفحم، لكنّ فكرة أننا سنطوّر بديلاً أرخص لكلِّ طلبٍ واحدٍ من الكربون الأحفوري، في كلّ مكانٍ في العالم، قبل أن ترتفع درجات الحرارة إلى 2 ℃، هي ضربٌ من الخيال. وبطبيعة الحال، إذا كان لنا أن نشمل تكاليف استرجاع الكربون، سوف تصبح المنتجات عالية الكربون أكثر تكلفة، ممّا يرجّح الكفّ لاستعمال الطاقات البديلة. لكن على عكس الضرائب الجديدة، فإنّ خطط الاسترجاع أكثر شعبيّةً على الرغم من تحذيرات الصناعة الكبيرة من زيادة التكاليف.

"احتجاز الكربون الإلزامي" لم ينتشر فعليّاً بالحركة البيئية، لأنّه صعبٌ بعض الشيء على رؤساء الحملات. لكن أضِف الانبعاث الصفري للكربون إلى الأهداف الوطنيّة غير المُنجزَة وستدرك أنّ كلّ أولئك الذين صرخوا "1.5 لنبقى على قيد الحياة" في باريس (وهم كثيرو العدد) كانوا فعليّاً يدافعون عن برنامجٍ مُهشَّم للتخلّص من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون.

المصادر:

هنا

هنا

هنا