الهندسة والآليات > الصناعة والأتمتة

تصميمُ مادة عديمة الاحتكاك باستخدام أنظمة المحاكاة الحاسوبية

استمع على ساوندكلاود 🎧

إن خاصيَّة اللزوجةِ العالية أو ما يُعرفُ بانعدامِ الاحتكاك هي خاصَّيةٌ مطلوبةٌ جداً في التطبيقات الهندسية في العصر الحديث، وخصوصاً أن هنالك علاقةً وثيقة بين الاحتكاك ومقدار الطاقة المستخدمة لتحريك الآلة، كما أنَّ تخفيف الاحتكاكِ الذي تتعرضُ له القِطع الدوّارة في الآلات يؤدي إلى إطالة عُمُر الآلة وزيادة كفاءتها؛ مما يجعل الموادَّ عديمة الاحتكاك مطلباً بيئياً واقتصادياً على حدٍّ سواء. فهل حقاً استطاع العلماء الوصولَ لمادةٍ عديمةِ الاحتكاك؟ ما هي معوِّقات عمل هذه المادة؟ وماهي آفاقُ استخدامها؟ للتعرُّف أكثر على هذه المادة تابعوا معنا المقال التالي:

قام علماءٌ من مختبر أرغون الوطني في الولايات المتحدة الأمريكية باستخدامِ نظامِ المحاكاة (ميرا) لتصميمِ وتطوير طريقةٍ جديدة لإزالةِ الاحتكاك، ممَّا قادهم لتطوير مادة هجينة (Hybrid Material) تمتلك قدرةً انزلاقيةً عالية. وقام الفريق بتفعيلِ نظام محاكاةٍ عالي القدرات وذلك من خلال تخطِّي معوِّقات الأداء العالي للحواسيب، مما مكنَّهم من مضاعفةِ سرعةِ معالجةِ البياناتِ الحاسوبية.

بدأ الاكتشاف حين قامَ الباحثون بإجراء دراسةٍ عن الموادِّ ثنائيةِ التركيب في المختبر، وذلك من خلالِ تصميم تجربةِ انزلاقٍ لكمياتٍ صغيرة من الغرافين فوق كرةٍ مصنوعةٍ من مادة الحديد المقاومِ للصدأ (الستان لس ستيل) مطليةٍ بالكربون الشبيه بالألماس. أعطى احتكاكُ الغرافين مع الكربون الشبيهِ بالألماس الفريقَ البحثيَّ مُعاملَ احتكاكٍ قليل، ولكنَّ مستوى الاحتكاكِ كان يرتفعُ وينخفض دون سببٍ واضح. وما زاد الأمرَ غرابةً هو أنَّ مُعامل الاحتكاكِ في البيئة الرَّطبة كان أكبرَ بمئة مرةٍ منه في البيئةِ الجافة، وهو أمرٌ غيرُ منطقي.

وبهدف تفسيرِ هذه الظاهرةِ بشكلٍ أعمق استعان الفريق بحاسوبٍ خارقٍ لعمل محاكاةٍ لذرَّات المادة على المستوى النانوي لمحاولةِ فهمِ الطُّرُقِ التي تتحركُ بها الذراتُ لتشكيلِ هذه الخصائص الانزلاقية. وقادت هذه المحاكاةُ إلى اكتشاف طريقةٍ جديدةٍ كليّاً لعمل الموادِّ عديمةِ الاحتكاك، كانت إجابةً لكلِّ الظواهرِ الغريبة التي لاحظها الباحثون.

اكتشف الفريقُ أثناء دراسته لنتائجِ برنامجِ المحاكاة وجودَ خصائصَ للمادة لم يتمَّ رؤيتُها مسبقاً -لقد أدهشت نتائجُ المحاكاةِ الحاسوبية الفريقَ بأكمله-حيث وجدوا أنه عندما تنزلقُ الموادُّ المُزلِقة (الشحم) -المكونةُ من الغرافين والكربونِ المشابه للألماس-فوق بعضها، فإنَّ الغرافين يبدأُ بتشكيلِ لفائفَ على شكلِ أسطواناتٍ مُفرغة (لفائف نانوية) مما يُؤدِّي إلى إلغاءِ الاحتكاك عملياً. لقد قدَّمت هذه اللفائفُ النانوية طريقةً جديدةً لعمل الموادِّ عديمةِ الاحتكاك يتمُّ فيها إلغاء الاحتكاك كلياً.

يقول أحدُ الباحثين: "إن اللفائف النانوية تتعاملُ مع سطوحِ الاحتكاك بنفسِ الطريقة المُتَّبَعةِ في المحامل الكروية (الرولمان) المُستخدمة لتخفيفِ الاحتكاك في عجلات السيارات، حيث تعملُ الكراتُ على فصلِ السُّطوح الصُّلبةِ عن بعضها".

وقد لاحظ العلماءُ أنَّ لفائفَ الغرافين غيرُ مستقرة، حيث تبدأُ صفائحُ الغرافين بالالتفافِ على ذاتها لتُشكِّلَ أسطواناتٍ مُفرغة سُرعان ما تنهارُ تحت تأثيرِ الحمل. وعدمُ استقرارِ هذه اللفائف فسَّر تذبذبَ قيمِ مُعاملِ الاحتكاك المُقاسة حيث تنخفض قيم المُعامل بشكلٍ كبير عند تشكُّل اللفائفِ وتعودُ للارتفاعِ عند انهيارها. هذا السلوكُ لصفائحِ الغرافين أعطى علماءَ الحاسوب فكرةً جديدة، حيث قاموا بتجربة إدماجِ جزيئاتِ ألماسٍ نانوية ضمن المحاكاةِ بهدفِ جعلِ لفائفِ الغرافين أكثرَ استقراراً. وبالفعل أدّت إضافةُ هذه الجزيئاتِ إلى زيادة استقرارِ مُعامل الاحتكاك، حيث قامت صفائحُ الغرافين بالالتفاف ذاتياً حول جزيئات الماس مشكلةً لفائفَ أكثرَ استقراراً. واستُخدِمت نتائجُ هذه المحاكاة لإجراء تجربةٍ مخبريةٍ أكدت نتائجُها صحةَ الحسابات.

لكن للأسف فإنَّ تجاربَ إضافةِ جزيئاتِ الماس لم تحلَّ مشكلةَ الاحتكاكِ في البيئاتِ الرَّطبة، حيث يقومُ الماء بزيادةِ التصاقِ الغرافين بالسُّطوح مما يمنعُ التفافه. لكنَّ العلماءَ الآن يسعَون للحصول على براءة اختراعٍ لتطبيقِ هذا المُزلِقات للعمل في البيئاتِ الجافة، حيث يُتوقعُ استخدامُها في الأقراصِ الصُّلبة والعنفاتِ الرِّيحيةِ وفي غيرها.

إنَّ هذا السبْقَ العلميَّ في علم المواد لم يكن ممكناً لولا الحواسيبِ فائقةِ السُّرعة التي قامت بتشغيلِ برنامجِ المحاكاة (ميرا)، حيث أن التجربةَ احتاجت لمحاكاة 1.2 مليون جُزيء في البيئة الجافة و10 ملايين جُزيء في البيئة الرطبة. وقد استخدم الباحثون خوارزمية محاكاة متوازية (LAMMPS (Large-scale Atomic/Molecular Massively Parallel Simulator لمحاكاةِ ديناميكية عمل الجزيئات.

ومع تقدُّم العلم واهتمامِ الباحثين بدقائقِ الأمور أصبح لزاماً على الفرق البحثيِّة التعاونُ فيما بينها للوصولِ لنتيجةٍ علميةٍ فريدةٍ وذاتِ قيمةٍ من أبحاثهم، فالكيميائيون في هذا البحث استعانوا بالمبرمجينَ والمهندسين وعلماءِ هندسةِ المواد للوصول إلى النتائجِ المرجوُّة من البحث، ومع تطوُّر علم الحاسوب والبرمجة فإن الباحثين من الأجيال القادمة سيتمكَّنون من كشف المزيد من الألغازِ العلمية التي لم يستطِعْ كشفَها من سبقهم لعدم توفِّر الإمكاناتِ اللَّازمة، فإن قال لك أحدُهم لم يعُد هنالك شيءٌ لنكتشفَه أو نخترعَه فتذكَّر بأنَّنا لغايةِ لحظةِ كتابة هذا المقال ما زلنا نجهلُ السبب الرئيسيَّ خلف جاذبية الأرضِ وباقي الكواكب، وما زلنا نجهلُ عُمُرَ الكون بشكلٍ دقيق، وحتى اللحظة ليس هنالك معادلةُ تحكُم تغيُّر حالة الطقس، والكثيرُ من الأمثلة التي لا حصر لها. انطلِق ودعِ العالم ينبهرُ من اكتشافاتك، فالحاسوبُ الذي تستخدمه لقراءة المقال الآن هو أفضلُ من قدراتِ مختبرٍ كاملٍ كان متاحاً للعلماء في الستينات من القرن الماضي.

المصدر:

هنا