الفلسفة وعلم الاجتماع > علم الاجتماع

تطوُّر وسائل العقاب؛ من التعذيب الجسدي إلى السَّجْن

استمع على ساوندكلاود 🎧

كلما توغَّلنا في الزمن نجد أن الانتقام هو القوام الأساسي للعقوبة وإنّ العدل والرحمة كانا يسودان نظريًّا أكثر مما كانا يسودان في التطبيق العملي، والجَلْد هو أكثر الأساليب العقابية شيوعًا واستمرارًا في العالم كله، وأول أداة اُستخدِمت لأذى الإنسان كانت يد الإنسان دون شك، وتطورت أساليب العقاب من العصا البسيطة إلى السوط.

وقد ناقش "ميشيل فوكو" في كتابه "المراقبة والمعاقبة" ميلاد السجن من التعذيب الذي يُعدُّ تحولًا مهمًا في التاريخ الإنساني.

التعذيب:

لم يقتصر التعذيب الجسدي في عصر الملوك والإمبراطوريات على مجرّد إيقاع الألم، بل كان المشهد العلنيَّ للتعذيب أمام حُشودٍ من عامة الشعب يُشكِّل جزءًا جوهريًّا من عملية العقاب.

ووفقًا لتحليل "فوكو"؛ لكي نستطيع إطلاق مصطلح (التعذيب) على العقاب؛ عليه أنْ يحقِّقَ ثلاثةَ شروط:

- أولًا، لا بُدَّ أنْ يكون التعذيب قابلًا للقياس أو الحساب؛ كأنْ يُحدَّد عدد الجَلْدات مُسبقًا للمحكوم بالجَلْد.

- ثانيًا، ينبغي أنْ يُشكِّل التعذيب جزءًا من طُقوسِ العِقاب؛ إذْ يجبُ أنْ يَترُكَ أثرًا على المذنب؛ إمّا بترك علاماتٍ على جسدِه، وإما عن طريقِ التَّشهير.

- ثالثًا، من وجهة نظر القانون الذي يَفرِضُه، فيجب أنْ يكون التعذيب في عَرْضٍ مَهِيب.

ولم تكن الصرخات التي يُطلِقُها المذنب جَرَّاءَ الإسراف في تطبيق العنف على جسده قَطُّ مصدرًا للعار لدى المُشَرِّع، بل إنها جزءٌ مهمٌّ من تطبيق العدالة بأكمل صورها.

يحملُ مشهد التعذيب أو الإعدام العلني هدفًا سياسيًّا؛ فالغاية منه ليست إعادةَ التوازن إلى قوّةِ الحاكمِ التي انتُهكت، بل على العكس؛ فإنّ التعذيب يؤكِّد ضَعْفَ المجرم الذي تجرَّأ على اختراق القانون، والذي يرمز إلى سُلْطة الحاكم الذي سَنِّه.

ولذلك لا يمكن إنكار الأثر الترهيبي الذي ينطوي عليه مشهد التعذيب العلنيّ بالنسبة إلى الحشود؛ إذ يصبح جسد المجرم المعذَّبِ دليلًا على جبروت وقوة الحاكم المُطلَقة.

إذن، فالهدف من مشهد التعذيب أو الإعدام العلنيّ ليس تطبيق العدالة وحسب، بل إعادة التذكير -أمام عامة الشعب- أنَّ الحاكم هو المالك الحقيقي للقوة، وأنَّ كل من يتجرأ على تحدي هذا المبدأ؛ سيواجه مصيرًا مماثلًا.

وفيما يخصُّ العملية القضائية في فرنسا ومعظم أوروبا في القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر فإنه لم يكن يحق للمتهم، منذ لحظة إلقاء القبض عليه وحتى تلقيه الحكم أنْ يعرف شيئًا عن التُّهم الموجهة إليه، أو عن الأدلة؛ إذ كانت تلك المعرفة امتيازًا خاصًّا بالقضاء.

وكان على التحريات المبدئية أنْ تُجرَى بـ(أقصى درجات الإتقان والسرية الممكنة)، حسب ما ورد في مرسومٍ صدر في عام 1498.

وتبعًا للأمر الملكي الذي صدر عام 1670؛ فقد كان من غير الممكن للمتهَم الاطلاع على أوراق التحقيق، ومن المستحيل عليه التعرف إلى هوية مُتَّهِميه، أو أن يُعيِّن محاميًّا، وأن يُدافع عن نفسه ويقدّم إثباتاته حتى الدقائق الأخيرة من المحاكمة.

وحتى القرن الثامن عشر، كان ما يزال بعض الجدل حول حق القاضي في تقديم وعود كاذبة، واستخدام عبارات ذات معان مزدوِجة في التعامل مع المُتّهَم، فقد كانت المعاملة القضائية برُمَّتِها آنذاك انعكاسًا لمبدأ مُلْكِيَّة الحاكم المُطلَقة وحصريّةِ الحقيقة.

شهدت الأجهزة القانونية والقضائية في وقت لاحق من القرن الثامن عشر بداية انبثاق استراتيجية جديدة للعقاب، تتمركز حول تطبيق عقاب (أفضل)، أكثر من كونها مُهتمة بتطبيق عقاب (أقل قسوة).

ومن هنا أتت فكرة تعزيز النظام القضائي بنظام رَقابة يجعل ارتكاب الجرائم وخَرْق القانون أمرًا أصعب، وفي حالِ ارتُكِبَتْ؛ فإنَّ هذا النظام سوف يُسهِّل إلقاء القبض على المُذنبيْن، إذ تكون الشرطة والقضاء نظامَينِ مكمِّلَينِ لبعضهما.

السجن:

إن السجن أقل حداثة مما يُقال، فقد تشكَّل خارج الجهاز القضائي ولم يُستخدَم بداية بموجب القوانين الجزائية وإنما بناه الجسم الاجتماعي كله فوضع إجراءات لتفريق الأفراد وتوزيعهم وتصنيفهم، واستخراج أقصى ما يمكن من الوقت والقوى منهم وتقويم أجسادهم وسلوكهم وإحاطتهم بالرقابة الدائمة.

ويُعدُّ السجن نقطة تحول في تاريخ العدالة الجزائية وهو وصولها إلى الإنسانية؛ إذ إنه في البدء لم يكن حرمانًا من الحرية بل كان تقنيةً إصلاحية وأداة لتغيير الأفراد.

وعلى الرغم من أنّ السجن يعدُّ نقلة مهمة في القانون الجزائي؛ لكنه تعرّض لانتقادات عديدة في القرن التاسع عشر، ويمكن تلخيصها بما يأتي:

1- إنَّ السجن -في الحقيقة- لا يُقلِّص معدل ارتكاب الجرائم، بل إنه على الرغم من وجود السجن، يمكن لمعدل الجرائم أنْ يزداد ويتضاعف، أو يصبح مُرتكِبُها متمرِّسًا في جُنحاتٍ أخرى؛ ومِن ثَمَّ تبقى نسبُ الإجرام كما هي، أو تسوء.

2- إنَّ عقوبة الإيقاف تؤدّي غالبًا إلى انتكاس المسجون؛ إذْ إنَّ نسبة عودة مجرمٍ إلى السِّجْنِ مرتفعة جدًّا. فبدلًا من إنتاج أفراد مؤهَّلين؛ فإنَّ السجن في الحقيقة يُطلِق سراح أعداد من الشخصيات المنحرفة والخطيرة، لتختلط بباقي المجتمع.

3- ويا لها من مفارقة ألّا يفشل السجن أبدًا في مَهمة الإنتاج المتزايد للمنحرفين؛ عن طريق أسلوبِ الحياة الذي يفرضه على المساجين. فإمّا أنْ يُعزَلوا في زنزانات منفردة، وإما أنْ يُكَلَّفوا بأعمال عديمة الفائدة، لا تنفعهم في التوظيف مستقبلًا.

ويضاف إلى ذلك، استغلال القائمين على السجون قوة المساجين، ما يُعزِّز الغضب في نفس المسجون، ويُقوّي شعوره بالظلم، فيرى نفسه ضحية لنظام مُجحِف بحق إنسانيته.

4- تُشجع بيئة السجن على نشوء العلاقات الطبَقية بين المساجين، إضافة إلى العصابات المنظَّمة التي يجمع أفرادها رابط المصلحة والولاء للمجموعة.

يرى "فوكو" أمام هذه الانتقادات أنَّ السجن فشل في مَهمته فشلًا ذريعًا؛ لكونه قاصرًا عن تحقيق الأهداف المرجوة منه. وعلى الرغم من التطور الكبير الذي قطعتْه البشرية في اتباع وسائل التأديب والعقاب؛ لكنها لم تتوصّل بعد إلى طريقة لتحقق الأهداف المرجوة من إعادة تأهيل كافية لمرتكبي الجُنُحات.

ولا يَخفى على أحد ارتباط رفاهية وتقدم المجتمع بارتقاء مستوى معيشة أفراده وفاعلية مؤسساته؛ لذا تحمل مسيرة تطور المجتمعات الأمل في ابتكار الطرائق المناسبة لخفْض مُعدَّلات الجنايات، وإيجادِ وسائل ناجعة لإعادة تأهيل مرتكبيها.

المصادر:

[1] فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة، ترجمة علي مقلد، مركز الإنماء القومي، بيروت، لبنان.

[2] هنا

[3] ج.هروود، بيرنهاردت. تاريخ التعذيب، ترجمة ممدوح عدوان، دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، دمشق، سوريا، ط4، 2017.