العمارة والتشييد > عمارة افتراضية ورقمية

هل قيَّد التصميم بواسطة الحاسوب خيالنا؟!

استمع على ساوندكلاود 🎧

يعاني طلبة العمارة بشكل خاص وبعض المعماريين عامة من جدليّة موضوع استخدام البرامج المعمارية أو الرسم اليدوي في عملية التصميم، فالبعض منهم يعتمد كليّاً على إحدى هاتين الوسيلتين لإنتاج تصميماته وتسويقها.

فعلى الرغم من الإمكانيات الهائلة للبرامج المعمارية، التخصّصية منها، وغير التخصّصية، إلا أنّه في بعض الأحيان قد تقيّد هذه البرامج أدمغتنا وفقاً لإمكانياتها. من جهة أخرى فإن المهارات اليدوية في الرسم وعلى الرغم من أنها لاتزال تلقى إعجاب الكثيرين وتجذب أنظارهم، فإنها قد تغدو كارثةً على المصمّم في حالات وجوب تعديل التصميم، وحساب كميّاته، ... وغيرها من المهام.

لربما كانت المعركة بين الحاسوب والرسم اليدوي ولاتزال من أسخن المعارك في التاريخ المعاصر لمهنة العمارة، وتبلغ هذه السجالات أَوجَها في المجال الأكاديمي على وجه الخصوص، فما من طالب حديث في كليات العمارة إلا وقد شعر بالصراع بين المدرستين القديمة والحديثة، سواءَ أظهر ذلك في الطريقة التعليمية، أو في المنافسة المحتدمة بين الطلاب.

وهذا الجدل ما هو إلا تجلي لصراعات –إن صح التعبير- حصلت بين تيارات مُختلفة في الأوساط المهنية غداةَ دخول التقنيات الحديثة إلى هذه المهنة العريقة، حالها كحال باقي المهن، فعلى سبيل المثال المعماري Michael Graves المعروف بموهبته الفذّة في الإخراج المعماري اليدوي، كان يستخدم القلم والأوراق منذ بدايات تبلور الفكرة التصميمية، وحتى الإظهار النهائي للمشروع، بينما نجد من الجهة الأخرى المعماري Patrik Schumacher الملتزم إلى حد كبير باستعمال الحاسوب ويثق بإمكانياته المتعددة، وكل ما يقدمه من أشكال وحلول هندسية. ضمن هذا السيّاق قام موقع archdaily باستطلاع لآراء المعماريين حول دور الرسم اليدوي في العمارة المعاصرة، وفيما يلي عَرضٌ لبعضٍ من تجارب هؤلاء المعماريين وتعليقاتهم التي وردت في الموقع المذكور.

يقول [Ck]:

النقاش حول هذا الموضوع هو نقاش خاطئ من أساسه، حيث يجب أن تُعتَبر البرامج الهندسية والرسم اليدوي جزء من مجموعة متنوعة من أدوات التصميم المعماري:

في الواقع، أشعر بالمفاجأة الكبيرة بأنَّه وبعد كل هذه السنوات، لا تزال قضية الرسم اليدوي والبرامج الحاسوبية موضع نقاش، وذلك لا يعني أنني منحازٌ لإحداهما دون الأُخرى، وإنما أشعر أنه قد آن الأوان لأن ندرك جميعنا أن الحاسوب ليس أداةً جامدةً تقوم بعملٍ واحدٍ فقط، وإنما هو منصة توفر تنوعاً كبيراً لأدوات التصميم، فالرسم على برنامج Processing هو مختلف تماماً عن الرسم في برامج الـ CAD، كما أن هذا الأخير يختلف جذرياً عن الرسم على القماش، وفي الواقع، يمكن للمرء أيضاً أن يَقع في سِجالٍ حول وسائل الرسم اليدوي نفسها، فالرسم بالألوان المائية، يختلف عن الرسم بألوان الطباشير، ولكن من غير المعقول أن نقوم برسم التفاصيل الإنشائية للمبنى بالألوان المائية! فعلى المعماري إذاً أن يختار الأداة المناسبة لكل مهمة.

وإنه لأمر سخيف أن تقوم برسم سريع لفكرة تجول بخيالك عن طريق برنامج للنمذجة الإنشائية الدقيقة كبرنامج Bently AecoSim، كما أنه من المؤسف أن تقوم برسم سريع لتفاصيل تقنية متخصصة بتمديد أنابيب التهوية في المبنى، إنها بداية خاطئة للنقاش بأن يتم طرحه بأسلوب يفضي إلى اختيار أداة الحاسوب أو أداة الرسم اليدوي، وكأنّ كل منهما هو أداة واحدة فقط، دون ذكر مزايا ومساوئ كل منهما.

يقول Paulo Armi:

حتى في مجال الإظهار المعماري، وهو من أكثر المجالات التي تتطلب استخدام البرامج الحاسوبية، قد يشكل الرسم اليدوي بداية جيدة لطرح الأفكار.

لأننا في المراحل الأولية للمشروع نقوم بتطوير أفكارنا المبدئية مع الزبائن، ونطرح عدة بدائل لنتمكن من تحديد الأنسب بينها، ورسمها يدوياً يوفر وقتاً وتكلفةً كبيرةً لنا، وبالأخص لزبائننا.

ويقول MarkM:

أهميّة الرسم اليدوي في مرحلة التعليم تختلف عنها في مرحلة الممارسة المهنية:

أعتقد أن الرسم اليدوي في المراحل الأولى من التعليم الجامعي يؤدي وظيفةً مختلفةً تماماً عنه في المكتب المهني، فطلاب السنة الأولى، "يَرون" المبنى بكل بساطة، ولكن عندما يطلب منهم إعادة رسم ما يرونه باليد، عندها، يبدأ فهمهم لأبعادِ المبنى والأجزاء المكوّنة له. فبذلك يستطعون تمييز البعد الثالث للجدار الحجري، وعمقه، كما يشعرون بخطوط إطار النافذة، ويتلمسون الظلال التي تلقيها أفاريز هذه النوافذ، لذلك فإن الرسم اليدوي وصنع النماذج المصغرة، في المراحل الأولى من التعلّم هو أمرٌ ضروريٌّ، لما توفّره هذه الوسائل التعليمية من إدراك لأبعاد المبنى، وتفاصيله المعمارية.

بالنسبة لي، فأنا استخدم القلم والأوراق في مكتبي عندما أصل لطريق مسدود أثناء استخدامي للبرامج الحاسوبية، عندها أُنحي الحاسوب جانباً، وأبدأ برسمٍ سريعٍ لأتأكد من جدوى رسم تصميمٍ معينٍ بواسطة الكومبيوتر.

وتقول amanda:

يتيح لك الرسم اليدوي السيطرة على تصميماتك بطريقة لا يتيحها لك الكومبيوتر:

أجد أن الرسم اليدوي هو أداةٌ مضمونةٌ ومجانيةٌ بالمقارنة مع النمذجة الرقمية على الحاسب، ونظراً لما يوفره الحاسب من طرقٍ تصميميةٍ ومزايا، فإنه من السهل أن تجد نفسك واقعاً بشباك الأداة التي تستخدمها، فعندما كُنتُ طالبةً، على سبيل المثال، كانت تأسرني السطوح المنحنية التي كنت أصنعها بواسطة برنامج الـ Rhino، وشعرت بأن برامج الـ Archicad، والـ Revit، كانت تقيد تفكيري بعض الشيء، ولكنّي اعتدت لاحقاً أن اعتمد على رسمي اليدوي لأفهم أفكاري أولاً، حيث تشعرني هذه الطريقة بأن الأفكار التي سأرسمها لاحقاً في البرامج، من ابتكاري، وليست من صنع تقنيات موجودة في البرنامج أصلاً. كما مكّنتي هذه الطريقة من تطويع الأدوات الرقمية في البرامج وفقاً لحاجاتي، بعبارة أخرى، الرسم اليدوي مكّنني من السيطرة على البرامج، بدلاً من سيطرتها عليَّ.

كما يقول nes:

العديد من البرامج المعماريّة تبدو مصمّمة بطريقة ضعيفة، ولا تتيح للمستخدم السيطرة الكافية على المشروع، بالمقارنة مع البرامج المصمّمة للفنانين:

كمعماري، ورسام للقصص المصوّرة، لاحظت أن برامج الرسم كالـ Photoshop، والـ Painter، والـ SAI قد صُممّت لتعطي المستخدم إحساس الرسم على الورق من خلال أدواتها، كالفراشي الحقيقية مثلاً، هذه الأدوات تتيح لك حريةً أكبرَ. أما اختراع طاولات الرسم الرقمي مثل الـ Wacom Cintiq قد جعل المستخدم يَشعرُ تماماً كما لو أنّه يرسم يدوياً على الورق. بينما في مجال العمارة الوضع معاكس تماماً، حيث أنّ البرامج صعبة الاستخدام، فيجب على المعماري أن يُعدّل تصميماته لتتوافق مع البرامج.

وتقول Flavia Quintanilha:

مَلَكةُ الرسم اليدوي توفر لك خبرة عمليّة، وميزات إضافية، قد تساعدك دائماً:

الرسم اليدوي يُبهر العملاء، وخاصة إن شاهدوك ترسم.

بينما يقول Pablo Ña Nanjarí López:

يمكنك أَن ترسم وأنت تستقل الحافلة، أو عندما تكون في الحمّام، أو في نزهة في الحديقة، الأفكار تفيض بشكل أسهل باستخدام الرسم اليدوي.

ويقول vikram :

تتيح الحواسيب فرصاً كبيرةً للمصممين الذين لا يمتلكون المواهب الفنية.

في حين أني أَعي جيداً أهمية الرسم اليدوي، إلا أنه ماذا يمكن للذين لا يستطيعون الرسم، الكثير من طلاب العمارة، يتركونها لأنهم لم يتمكنوا من الرسم.

فلا يمكن للمرء أن يقيّم مواهب التصميم عند شخصٍ ما، اعتماداً على إمكانياته في الرسم اليدوي فحسب، فتَعلُّمُ الرسم لا يقلُ صعوبةً عن تعلم الرياضيات والعلوم في المدرسة، وأنا أتفهّم أن العملية التصميمية يجب أن تبدأ برسومات أولية بواسطة اليد، ولكن هذا لا يعني أنه يجب أن يتم الإظهار النهائي للمشروع، وإعداد العرض التقديمي له يدوياً. ساعدت البرامج الحاسوبية الأشخاص مثلي في إظهار إبداعهم. أما الأشخاص الذين يمكنهم الرسم، فليرسموا، إلا أنّه سيكون هناك دوماً أناس أفضل من غيرهم في الرسم اليدوي.

ولكن ماذا سيحصل إذا عجز المعماريون عن تحقيق التوازن بين الأدوات المختلفة في التصميم؟

تبيّن آراء أغلب المعلقين أعلاه، أنه هناك توافق على أهمية كلا الطريقتين في عملية التصميم المعماري، ولكن الصعب في الأمر هو أن يجد المعماري التوازن المناسب بين الطريقتين، فماذا سيحصل لو اعتمد المعمار على إحداهما فقط دون الأخرى؟!

سنترككم في التعليق الأخير مع حكاية مذهلة لتجربة أحد المعماريين الذين اتخذوا من إحدى هذين الطريقتين أداة وحيدة للتصميم:

لقد حَصلتُ على درجة الماجستير في عام 2008، وقد أتممت كل مشاريعي، طوال سنين دراستي الخمس، بواسطة اليد فقط، وفي ذلك الوقت أخبرني عميد الكلية أنني أول من فعل ذلك. لم أتخذ قراراً واضحاً بإخراج كافة مشاريعي بواسطة اليد، ولكن كنت أمتلك لوحاً للرسم في المنزل واعتدت أن أقضي الليل محاولاً الرسم، مستكشفاً ما قد يمكنني تصميمه، فهناك علاقةٌ حميميّةٌ تنشأ بينك وبين القلم. فكل خط من الخطوط مدروسٌ بتفكير وتَمعّن، وكلُّ إشارةٍ بقلم الرصاص تَرتَشفُ الحبر بعنايةٍ فائقةٍ خوفاً من أي خطأ. ,ومع كل نُبوغِ لفكرةٍ جديدةٍ أفضلُ من سابقتها، يتوجب عليك أن تبدأ من جديد، وهذا ما يُجبرك على أن تفكر برويّة بالبعد الثالث بكافة تفاصيله من الأعلى إلى الأسفل، ومن الجانب إلى الآخر، فكل خط يجب أن يُرسم بعد تفكيرٍ مليٍّ بعلاقته مع التصميم ككل، بدلاً من أن يظهر ببضع نقرات على الشاشة أمامك.

لطالما تساءل الناس من حولي لماذا لم استخدم برامج الـ CAD. على الرغم من أنني أعرف استخدامهم ولكني لم أفعل ذلك أبداً. هنالك إحساس إنساني فريد من نوعه تلمسه بالرسم اليدوي، ولا تجده بأي مكان آخر، حيث يأخذك للإحساس بمُسلّمات المفهوم التصميمي، ويُحيطك بالظروف الموضوعية له، وهذا ما يُشعر الجمهور المتلقي بالدفء والحميمية تجاه المشروع. كنتُ أرى الناس يقفون متأملين رسوماتي، وكنت أعلم أن ذلك لم يكن بسبب جودة التصميمات بحدِّ ذاتها، وإنما بسبب طريقة عرضهم وتقديمهم، فالناس قد أحببت هذه الطريقة اليدوية بالإخراج، لأنهم قد افتقدوها، وأصبحت نادرة، فكانوا يقفون مُذهَلين بعملية حياكة هذه الأفكار على الأوراق بالطريقة تلك، وهذا ما كان يمنحني شعوراً غامراً بالغبطة.

على أية حال، لطالما راودني شعور بالأسف والندم، وذلك بسبب يقيني بأنني أسيء لنفسي بتجاهلي هذا للتكنولوجيا، لأنها عاملٌ ضروريٌّ في هذا العالم المفعم بها، فطريقتي كانت من المدرسة القديمة التاريخية الأثرية، وحتى يمكن وصفها بالوهمية، وهذه الطريقة لم تكن لتضمن مستقبل عملياً للخريجين. فأنتَ كطالبٍ لديك علاقاتٌ متعددةٌ مع دكاترةٍ وطلابٍ تتلقى منهم مديحاً، إلا أنه عندما تنتهي مرحلةُ الدراسةِ، ويتوجب عليك أن تدخل سوقَ العملِ محاولاً التسويق لنفسك كخريجٍ جديدٍ مُرتعدٍ من الخوف، سيصعب عليك إخبار المكاتب أنك لم تستخدم أبداً الأداة الوحيدة التي يحتاجونها. عندها سيراودك شعورٌ بالخوف، لأنك قد اكتشفت أنك بالواقع لست جيداً، وأن سنين دراستك الخمس قد ذهبت سدى مع الريح. منذ شعوري بلحظة الخوف تلك، حَزمتُ كلَّ رسوماتي خلال خمس سنوات من الدراسة، وضعتها بعناية في زاوية غرفتي، ولم أتقدم حتى لأي عمل في هذه المهنة.

الكاتب: Tenzin Twenties

نهايةً، هل من المنصف أن يُهملَ المعماري خبرته في التصميم عن طريق الرسم اليدوي بسبب اعتقاد أصحاب المكاتب الهندسية بضفعها مقارنةً بالمشاريع المرسومة بواسطة البرامج الهندسية؟ وهل كل من يرسم بواسطة الحاسب لديه الخبرة الكافية بالتصميم؟ ومن جهة أخرى، كيف يمكن أن يُعامل الطرفان بمساواة علماً أنه هنالك أيضاً الكثيرين من المعماريين، الذين صرفوا الكثير من الوقت والجهد لتعلًم البرامج ابتغاءً منهم لموائمة عصرهم؟

شاركونا بآرائكم.

هنا