البيولوجيا والتطوّر > التقانات الحيوية

هندسة الجينوم لإنسانٍ مثالي؛ هل يجب التوقّف عن ذلك قبل فوات الأوان؟

استمع على ساوندكلاود 🎧

عند سماع خبرٍ جديدٍ عن آخرِ نتائجِ محاولات الباحثين في تغيير جينومِ بعض الحيوانات فإنّه يخطر في البالِ أسئلة كثيرة؛ منها: هل هذه النتائجُ والأبحاثُ صحيحة وهل يمكن الوثوق بها؟ هل يمكن لهذه التجارب أن تنجح في حال تمّ إجرائها على الجينوم البشري؟ هل بإمكاننا أن نُحسّن الجينات البشرية بهذه الطريقة؟

إنًّ رأي المجتمع العلمي العام تجاه هذا النوع من التدخّلات ينقُصُه بعضُ الأمل، حيث أنَّ أغلب الناس ومن ضمنهم الباحثون أنفسَهم يقولون أنّ هذه التلاعبات غيرَ آمنة، غيرَ مُجدِية وحتى مستحيلة. بالرغم من ذلك دائماً يوجد من لا يتردّد ولا يستسلم بل يتابع دراسته ويبحث عن أساليب أكثر جدوى تسمح بتغيير الجينوم البشري...

في هذا المقال سنخبركم عن George Church وعن مختبره الكائن ضمن حرم كلية الطب بجامعة هارفارد. أغلب أبحاث هذا المختبر تعمل في مجال تعديل الجينوم، فبعض الباحثين يعملون على إدخال شيفرة وراثية فريدة من نوعها إلى داخل البكتيريا الإشريكية القولونية E.Coli، والبعض الآخر يفكّر في وسيلة جديدة لهندسة ال DNA وإحياء الماموث (الفيل المنقرض العملاق)... للمزيد عن إحياء الماموث هنا.

أحد أبرز الباحثين في مختبر Church هي Luhan Yang والتي يعود لها فضلٌ كبيرٌ في تطوير تقنية فعّالة لتغيير ال DNA والتي أصبحت تُدعى الآن CRISPR-Cas9. تسمح هذه التقنية بمسحِ الجينوم، ترك الجينات المفيدة وإخراج أو تعديل الجينات الضارّة.

(للمزيد عن هذه التقنية هنا).

في الوقت الحالي تسعى Yang وفريقها إلى إيجاد أساليب تسمح بتغيير مورثات الخلايا المنوية والبويضات أو حتى الخلايا الجنينية، وذلك من أجل تصحيح المورّثات المَرَضية أو إزالتها نهائياً من الجينوم. إنّ ما يميّز هذه الأنواع من التعديل الجيني هو أنّ الإصلاحات الوراثية في هذه المورثات تنتقل إلى الأبناء أي تتوارث.

هذه التقنية يمكن استخدامها لتخليص الأُسَر من أمراض وراثية عديدة، كما ويمكن إحداث تثبيت في الجينوم لمورّثات تُكسِب الشخص حماية ضدّ العدوى مدى الحياة، أوتقيه من مرض الزهايمر أوحتى الشيخوخة. تقول Yang: "إنّ إحراز النجاح في تطوير هذه التقنية يمكن أن يسبّب ثورة في الطّب تشبه الثورة التي نتَجَت عن تطوير اللقاحات".

هذه هي الوعود... لكنَّ الخوفَ الأكبر يَكمُن في أنّ هندسة مورّثات الخلايا الجنينية والتكاثرية يمكن أن تتحوّل إلى طريقٍ نحو تصميم السوبر أطفال أوالأطفال الخارقين. يمكن توقّع هذا المستقبل المرير بسبب معرفتنا لطبيعة الإنسان؛ فالكثير من الناس يتمنّون الحصول على أطفال شُقر وبعيون زرقاء، أو أن يكون أطفالهم عباقرة وقادة وعلماء وحكّام الغد... إنَّ الخوف الحقيقي يكمُن في هذا المنحدر نحو استخدام هذه التقنيات لأغراض غير ضرورية بالفعل ولكن فقط لمجرَّد الرغبة بالحصول على صفات متفوقة!

لقد مضى على تطوير تقنية ال CRISPR-Cas9 ثلاث سنوات، وحالياً يتمّ استخدامها على نطاق واسع كأداةِ بحثٍ واستبدالٍ مساعدةٍ لتغيير ال DNA.

تقول Yang: "من المتوقّع استخدام تقنية ال CRISPR-Cas9 في العلاج الجيني، حيث تكمُن الفكرة في البحث عن الجين المُعيب وترميمه أوإزالته مباشرة. نتوقّع الاستفادة من هذا النَّهج العلاجي الجديد في معالجة مرض فقر الدم المنجلي. تجدُر الإشارة إلى أنّه في هذه الطريقة يتمّ إجراء كافة الإصلاحات الوراثية على الخلايا الجسمية للإنسان البالغ وليس على الخلايا الجنينية أوالتكاثرية. بالتالي فإنّ تصليحات ال DNA هذه لا تتوارث إلى الأبناء".

على خلاف التلاعب بجينات الخلايا الجسمية فإنّ لتغيير جينات الخلايا الجنينية والتكاثرية آثاراً لا تقتصر فقط على فرد واحد، بل على جميع نسله (لأنّها تتوارث)، و هذا ما جعل الفكرةَ مضطهدةً وغير مقبولة من قِبَل المجتمع. علاوةً على ذلك فقد تمّ منع الأبحاث التي تُقام على الخلايا الجنينية والتكاثرية في أغلب دول العالم عدا الولايات المتحدة الأمريكية. أمّا الاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان فقد صرّح بأنّ العبَث بالجينوم البشري هو جريمة بحق الإنسانية.

جهات مختصّة عديدة صرّحت بأنّ مثل هذه الجارب تمّ إجراؤها في العديد من المختبرات العالمية وأكثر من مرّة (في الصين و أمريكا مثلاً)، لكنّ السّبب في عدم التصريح المباشر عنها وعن نتائجها يعود إلى أنّ تفاصيل الدراسات والإختبارات لا زالت تتمتّع بخصوصية وسرّية ومتواجدة تحت الرقابة والمراجعة.

يقول Guoping Feng الباحث في MIT’s McGovern Institute for Brain Research أنّ فكرة إحداث التغييرات الدقيقة في بُنية المورّثات عند الحيوانات الرئيسية كانت مستحيلة قبل إيجاد تقنية CRISPR-Cas9. حالياً، تسمح هذه التقنية وباستخدام أنزيمات ونواقل نوعية بإجراء التعديلات على أجزاء محدّدة وصغيرة جدّاً من الDNA. و بالرغم من كل هذه الميزات، فإنّه يتبّقى لدى تقنية ال CRISPR-Cas9 نسبة من العشوائية واحتمال حدوث الخطأ، و لذلك من الضروري إجراء دراسات مبدئية وتطوير نماذج تقريبة على الحيوانات الثدية قبل التفكير بتطبيقها على الأجنّة البشرية.

يقول Guoping Feng: "إنّ كفائة تقنية CRISPR-Cas9 في إحداث التعديل الجيني المطلوب في البيضة الملقّحة تصل إلى %40 فقط. و مع العلم أنّه فقط نصف الأجنّة ستولد حية، وليس جميعها ستمتلك الخلايا المعدّلة جينياً، حيث أنَّه من أجل الحصول على جنين حيّ واحد فقط حاوي على التّعديلات المطلوبة في مورثاته فسنحتاج إلى 20 جنين للتجارب".

هذه التجارب لا بأس بها من ناحية الأهداف العلمية والبحثية وبالنسبة للحيوانات المخبرية، لكنّها لا تَصلُح أبداً لتكون تطبيقا على الأجنّة البشرية. هذا هو أحد أهم الأسباب التي تسبّب الشكّ في إمكانية نجاح تطبيقات هندسة الخلايا الجنينية البشرية على البشر. وحالياً أغلب العلماء يعتبرون أخبار نجاح مثل هذه التجاربِ محاولةً للفت الأنظار والاهتمام ليس أكثر.

مع ذلك فإنّ Guoping Feng يؤمن بفكرة هندسة الخلايا الجنينية وبإمكانيتها في تقليل احتمال الإصابة و المرض. لهذا فإنّ هذه الأبحاث يجب أن تلقى دعماً وتستمر.

رغم جدل الباحثين حول مجالات استخدام هندسة الخلايا الجنينية والتكاثرية، وبالإضافة إلى اختلاف آرائهم حول مدى إمكانية نجاح هذه التطبيقات على البشر في الوقت الحالي، إلّا أنّ هندسة الخلايا الجنينية و التكاثرية أصبحت اليوم من الواقع القريب جداً بالنسبة لنا. يمكن أن يمضي من عشرة إلى عشرين سنة فقط و سنجد تقانة هندسة الخلايا الجنينية قد تحوّلت إلى عملية اعتيادية لا غِنى عنها، وسيتمّ اعتبارها من إحدى الوسائل المنخفضة التكلفة والتي تحسّن الصحة و تقي من الأمراض.

فما رأيكم بهذه التقنيات؟ وهل تعتقدون أنَّ السماح بمثل هذه التعديلات سيفتح باباً لتعديلاتٍ أكبر أو مشاكل أكبر؟

المصادر:

هنا