التاريخ وعلم الآثار > تاريخ العلوم والاختراعات

قصةٌ عن التصوير الملوّن... من الحلم إلى الحقيقة

يمسك معظمنا كاميرته الرقمية أو هاتفه النقال لنصور مشاهد يومية من حياتنا وعندما ننظر إلى الصور الناتجة تفاجئنا دقة الألوان ونقائها، ولكن هل فكرنا يوماً ما فيما لو كانت هذه الصور جميعها بالأبيض والأسود فقط؟ إن وصول الألوان في التصوير الفوتوغرافي إلى ما هي عليه الآن، قد استغرق وقتاً طويلاً من الزمن، وجهوداً مضنية لنتمتع نحن بهذا الكم الهائل من الألوان في كل صورة. فلنتعرف على تاريخ دخول الألوان إلى التصوير الفوتوغرافي في مقالنا التالي...

عندما نصور العالم من حولنا، معظم الناس يميلون إلى الاستخفاف بخاصية اللون، فنحن نتوقع من كاميراتنا أن تصور الطيف الضوئي المرئي بدقة، ففي هذا العالم الغارق في اللون، نحن ننسى أحياناً كم أخذ الوصول إلى هذه المرحلة في تصوير الألوان من وقت، وكم مصور وعالم قد عاشوا هذا المفهوم كحلم أشبه بالخيال.

الشكل (1): أول صورة فوتوغرافية

حالما أدركنا أنه بإمكاننا تصوير الضوء بكاميراتنا، أردنا أن نحصل على الألوان في الصورة معه. بعض المحاولات الأولية قد بدأت في أواسط القرن التاسع عشر، والخطوة الرئيسية كانت في إيجاد المادة التي تستطيع أن تشارك مباشرة خصائص لون الضوء الساقط عليها. وكانت قابلية تصوير اللون قد بدأت في عام 1851 من كاهن يعيش في شمال ولاية نيويورك.

الشكل (2): صورة فوتوغرافية تصوير الكاهن ليفي هيل

كان ليفي هيل كاهناً معمدانياً يعيش في منطقة جبال كاتسكيل في نيويورك، وكان قد استخدم سابقاً تقنية الألواح الفضية لالتقاط الصور، ولكنه كان خائباً من جراء عدم قدرتها على التقاط الألوان، وقد ساور الشك العديد من الناس عندما أعلن هيل أنه وجد تقنية فوتوغرافية لجعل تصوير الألوان ممكناً، ورفض هيل التصريح عن تقنيته السرية حتى عام 1856، عندما نشرها في كتاب يتم الحصول عليه حصراً عن طريق الطلب المسبق، وعنما وصل الكتاب إلى أيدي المصورين وجدوا أنه يحتوي بالفعل على شرح التقنية، ولكنها كانت معقدة جداً حتى أنهم وصفوها بأنها عديمة الجدوى.

الشكل (3): صورة فوتوغرافية لرسم لليفي هيل

من المثير للاهتمام أنه وبعد قريب المئة سنة وتحديداً في عام 2007 قام الباحثون في المتحف الوطني للتاريخ الأميركي بتحليل عمل هيل ووجدوا بأنه قد اكتشف طريقة لإعادة انتاج اللون بالفعل، وأن العملية كانت خافتة جداً وبعض الأصبغة قد استعملت لتحسين الألوان، إذاً هيل لم يكذب كلياً حول اكتشافه، ولكنه زخرف النتائج.

الشكل (4): صورة جوية لمتحف التاريخ الطبيعي

في عام 1886 استعمل الفيزيائي والمخترع غابرييل ليبمان معرفته في علم الفيزياء ليخلق ما يمكن أن نعتبره أول صورة ملونة دون أي مساعدة من أي نوع من الأصبغة، وقد استغل ليبمان ظاهرة تسمى التداخل والتي تؤثر على انتشار الأمواج. قدم ليبمان طريقته عام 1906 م وأرفقها بصور ملونة لببغاء ووعاء من البرتقال ومجموعة من الأعلام وزجاج ملون. فاز ليبمان بجائزة نوبل في الفيزياء بفضل هذا الاكتشاف.

الشكل (5): صورة ليبمان للأزهار، عام 1890 م

قد يعتقد البعض أن قصة التصوير الملون قد انتهت مع استخدام ليبمان لظاهرة التداخل المعقد، ولكن لطريقته بعض المشاكل أيضاً وها قد بدأنا للتو. طريقة ليبمان نفسها هي طريقة معقدة جداً، تتطلب دقة عالية للحبيبات الدقيقة لمادة التصوير (وهي مزيج من هاليدات الفضة المزعة بانتظام في مستحلب جيلاتيني) والتي بدورها تتطلب زمناً أطول من الانكشاف، ولديها أيضاً مشاكل في التعامل مع النطاقات الأوسع لأطوال أمواج الألوان الناتجة عن الانعكاس، بالإضافة إلى استخدامها معدن الزئبق السام.

الشكل (6): جيمس كلارك ماكسويل

في نفس الوقت، وأثناء عمله المجد على موضوع التصوير الملون، كان العالم الفيزيائي الأسكتلندي جايمس كلارك ماكسويل جاهزاً لوضع نظرية جديدة عن الألوان. هذه النظرية قد وضعت الأساس عن كيفية إعادة انتاج الضوء، ويتم استخدامها حتى يومنا هذا. اقترح ماكسويل أن يتم أخذ صور المشاهد عن طريق فلاتر (مرشحات) حمراء، زرقاء، وخضراء، وعندما يتم عرض هذه الصور لاحقاً عن طريق أجهزة العرض وباستخدام فلاتر مطابقة ستتداخل هذه الألوان الثلاثة لتعيد انتاج الصورة بألوان كاملة. في عام 1861 عرض ماكسويل مبدأه في المعهد الملكي وكيفية تطبيقه على التصوير الفوتوغرافي مقدماً صورته الشهيرة عن العقدة ذات الثلاثة ألوان "tricolor ribbon"

الشكل (7): صورة العالم ماكسويل "tricolor ribbon"

من الغريب أنه تم وضع نظرية ماكسويل في الظل في حين تم تبني نظريات أخرى مثل نظرية ليبمان، ولكن في أواخر عام 1890 أعيد اختبار نظريته من قبل عالم ألماني اسمه هيرمان فوجيل الذي اكتشف أنه يستطيع استخدام نظرية الألوان الثلاثة في صنع مواد تصوير (الآنفة الذكر) تكون حساسة فقط لألوان محددة، وذلك بإضافة أنواع معينة من الأصبغة، ولكن استغرقت العملية الكثير من الوقت حتى تصبح كاملة. لم تصبح مواد التصوير دقيقة وحساسة بشكل كاف للتصوير التقليدي حتى بداية القرن العشرين.

الشكل (8): صورة مأخوذة من كتاب فوجيل

إن الحاجة لالتقاط الصورة لثلاث مرات مختلفة وكل مرة باستخدام فلتر مختلف تعتبر طريقة صعبة نوعاً ما، حيث من الممكن أن تتحرك الكاميرا أو أن يتغير المشهد نفسه وكنتيجة لذلك فقد تم إطلاق نوعين من الكاميرات التي تساعد المصورين في مسعاهم للتصوير الملون.

النوع الأول هو النوع الذي يستخدم عدسات بإمكانها فصل الضوء القادم باستخدام ثلاثة فلاتر مختلفة وهكذا يتم أخذ الصورة ثلاثة مرات بنفس الوقت، أما النوع الثاني من الكاميرات فقد بقيت تأخذ صورة واحدة كل مرة ولكنها مجهزة بخاصية التراجع والتي تسمح للمصورين بالتبديل السريع بين الفلاتر وبين أنواع مواد التصوير ذات الحساسية المختلفة للألوان. بقيت العملية صعبة لفترة ولكن بحلول عام 1910 أصبح بإمكان المصورين الخروج والتقاط صور الألوان.

الشكل (9): صورة لويس دو آرون

شعر لويس دو آرون بأنه يمتلك فكرة أفضل لتمام العملية، وهي أن يضع ثلاثة مواد تصويرية مسجلة للضوء و مختلفة فوق بعضها البعض وبذلك ستحصل العملية لمرة واحدة في أي كاميرا عادية، وضع مادة اللون الأزرق في الطبقة الأولى من الطبقات الثلاث مع فلتر يمنع اللون الأزرق وراءه لأن اللون الأزرق يؤثر على هاليدات الفضة للمواد الأخرى، ووضعت المادة الحساسة للون الأخضر والأحمر وراء الفلتر المانع للون الأزرق، لقد كانت فكرة آرون خطوة هامة في الصناعة ولكنها تحتوي على عائق واحد وهو أن كل طبقة تميل إلى إضعاف الضوء عندما يمر من خلالها.

بيعت الحزمة الثلاثية للمستهلكين على الرغم من أنها ليست حلاً مثالياً، وفي بداية عام 1930 قامت شركة اميركية اسمها أغفا – أنسكو بإنتاج ما دعي باسم الشريط اللوني Colorol وهو فيلم من النوع الملفوف للكاميرات المخصصة لأخذ اللقطات، حيث يستطيع المستهلكون العاديون أن يشتروا الأفلام لكاميراتهم وأن يرسلوا النسخ السلبية إلى مختبرات أغفا – أنسكو للتحميض. لم تكن الصور الملتقطة هي الأكثر حدة، وذلك بسبب تشتت الضوء في الطبقات، ولكنها كانت كافية للمستخدمين غير المحترفين.

الشكل (10): فيلم كوداكروم Kodachrome

بالطبع كانت شركة كوداك هي البطل الذي أحدث الثورة في عالم التصوير الملون، حيث أنتجت كوداك عام 1935 أول فيلم لها بتقنية الحزمة الثلاثية وأسمته كوداكروم Kodachrome، وبشكل غريب فإن هذا التطور قد جاء بفضل موسيقيين اثنين هما ليوبولد مانيس وليوبولد غودوسكي الابن، اللذان بدأا باختبار نظرية الألوان، وبالنهاية قامت مختبرات الأبحاث في شركة كوداك بتوظيف الثنائي وكنتيجة لذلك اخترعا واحد من أحب الأفلام حتى يومنا هذا.

الشكل (11): صورة ملتقطة بواسطة فيلم Kodachrome

إن طريقة كوداك في التلوين المعدلة تستخدم ثلاثة طبقات من مواد التصوير على قاعدة واحدة، التي تلتقط أطوال أمواج الألوان الأزرق والأحمر والأخضر، إن معالجة الفيلم هي عملية مشاركة، لكن شركة كوداك احتفظت بشعارها (أنت اكبس الزر ونحن نقوم بالباقي) وببساطة كان الزبائن يرسلون لفائف التصوير المنتهية وتقوم الشركة بإعادة الصور إليهم بالبريد بعد معالجتها. وفي النهاية وفي عام 1936 كانت شركة أغفا قادرة على تعديل طريقة تحميض شركة كوداك، وذلك بتحميض الطبقات الثلاث دفعة واحدة.

في بداية عام 1960 بدأ Kodachrome بتأسيس حضور له في السوق بالترافق مع أنواع أخرى من ماركات الأفلام، ولكنهم بقوا أغلى بكثير من الفيلم التقليدي الأبيض والأسود، وبحلول عام 1970 فقد انخفضت الأسعار بشكل كافي لكي يصبح التصوير الملون في متناول العموم. وأخيراً في ثمانينات القرن الماضي لم يعد الفيلم الأبيض والأسود هو السائد في الاستخدام اليومي لالتقاط صور من الحياة.

اليوم ولخيبة أمل هواة التصوير، توقف انتاج Kodachrome حيث تم انتاج آخر رول في عام 2010 وأما البقية فبالتأكيد تستخدم التصوير الرقمي، لقد أغلقنا الباب تماماً على حقبة الفيلم الملون وانتقلنا إلى الحساسات الرقمية. تذكر فقط عندما تمسك كاميرتك الرقمية لالتقاط صورة، أن تشكر ماكسويل على نظرية الألوان الثلاثة وما تبعها من تطور على التصوير الملون حتى يومنا هذا.

المصدر:

هنا