كتاب > روايات ومقالات

شيرلوك هولمز المتحري الأشهر حول العالم

لا تزال شخصية شيرلوك هولمز تسحر القراء جيلاً بعد جيل في حين طوى النسيان شخصيات متحرين آخرين ظهرت في العصر الفيكتوري، فما هو السر وراء ذلك؟ كيف بدأت المغامرة برواية وانتهت بسلسلة تلفزيونية وأخرى سينمائية حصدت الملايين من الدولارات حول العالم؟

في هذا المقال سوف نجد الإجابة على هذه الأسئلة وسوف نتعرف أكثر على هذه الشخصية الروائية الشهيرة.

ابتكر هذه الشخصية المؤلف الاسكتلندي آرثر كونان دويل، حيث ظهر هولمز لأول مرة في رواية "دراسة باللون القرمزي" عام 1887 كنموذج للمتحري العصري ذو العقل الموجّه. ويقدم هولمز الاستشارات كمتحرّ غير رسمي من منزله الكائن في بيكر ستريت 221B الشهير، وتعيش معه السيدة هادسن صاحبة الملاك التي تعتني بالمنزل، إضافة للطبيب جون واتسن (قبل زواجه). وقد انضمت هذه الشخصيات، التي تجاوزت شهرتها حدود البوابة الأدبية، إلى الشخصيات العالمية مثل هاملت، دون كيخوتي، سفينغالي وهاري بوتر. ويلاحق هولمز المجرمين في أرجاء لندن خلال العصرين الفيكتوري والإدواردي. وبالرغم من ظهور شخصية المتحري في أعمال إدغار آلان بو (أوغست دوبن) وغيره، فقد ترك هولمز أثراً متفرداَ على المخيلة الشعبية وأصبح الشخصية ذات الاستمرارية الأطول ضمن نمط القصة البوليسية.

استوحى كونان دويل طرق وأساليب هولمز من الدكتور جوزيف بل، الذي كان بروفيسوره في جامعة إدنبرة الطبية في اسكتلندا، وبالأخص قدرة هولمز المدهشة على جمع الأدلة بالاعتماد على مهاراته في الملاحظة والتفكير الإستنتاجي، إذ كانت تشبه لحد كبير أسلوب الدكتور بل في تشخيص الأمراض. وكان هولمز قد قدّم لمحة حول أسلوب عمله بقوله "عندما تستبعد كل ما هو مستحيل، فإن ما يبقى ، مهما كان مستبعداً ، لا بد أن يكون الحقيقة".

وتصبح قدرات هولمز الاستكشافية أكثر وضوحاً حينما يفسرها صديقه واتسن الذي يروي لنا القضايا الجنائية التي يلاحقانها معاً. وتصف حكايات واتسن هولمز كشخص معقد ومزاجي صاحب عادات صارمة لا تكاد تحدّ من قلة ترتيبه الواضحة. ويعاني هولمز من نوبات هوس واكتئاب يصحبها تدخينه للغليون، وعزفه للكمان، وتعاطيه للكوكايين. وخلال الروايات الأربع والقصص القصيرة الست والخمسون التي تتناول مغامرات هولمز، يتكرر ظهور عدد من الشخصيات أهمها محقق "سكوتلاند يارد" ليستراد ومجموعة "عرب الشوارع" الذين يستخدمهم هولمز كمخبرين له، إضافة لأخيه مايكروفت صاحب الحكمة الأكبر لكن الطموح الأقل، وعدوّه اللدود البروفيسور جيمس موريرارتي والذي يطلق عليه هولمز لقب "نابليون الجريمة".

ومن الملفت أنه حين أراد كونان دويل نشر روايته القصيرة "دراسة باللون القرمزي" لم يقبل أي ناشر مرموق أن يقوم بالمهمة وانتهى الأمر بنشرها كسلسلة في مجلة عرضتها بالمجان بمناسبة عيد الميلاد وأطلق عليها فيما بعد shilling shocker ويقصد بها رواية الجريمة التي اشتهرت في القرن التاسع عشر والتي كانت تكلف شيلينغ واحد فقط.

أول ظهور لهولمز عام 1887

ومما استمال الذوق الشعبي في هذه الرواية غموض الجريمة المزدوجة في كل من لندن ويوتا الأميركية، وأتبعها كونان دويل بمغامرة جديدة لهولمز وهي "علامة الأربعة" عام 1890، والتي نالت قبولاً جيداً. إلا أن الهوس بشخصية هولمز بدأ في أوائل العام 1891 عندما سلّم كونان دويل ست قصص قصيرة لمجلة ستراند، حيث أدرك محرر المجلة أنه "وجد هنا أعظم كاتب قصة قصيرة منذ إدغار آلان بو" فقد جاءت قصص شيرلوك هولمز مصححة للخلل الكبير الذي كان يعتري القصة البوليسية، ألا وهو الافتقار للمنطق.

وأدخل كونان دويل ثلاث أدوات على حكاية القصة البوليسية أصبحت فيما بعد من الأعراف الأساسية في هذا النمط الأدبي. الأولى كانت ما يسمى بـ "الصديق الساذج" الذي يجب أن يتم توضيح كل صغيرة وكبيرة له (وبذلك يكون هولمز قد أطلع القارئ الساذج أيضاً على أسرار عمله)، ومما لاشك فيه أن الدكتور واتسن الذي يلعب دور هذا الصديق هو مثال للمرافق المخلص لهولمز. أما الثانية من إبداعات دويل فتتمثل بشخصية المجرم الماكر أو "نابليون الجريمة" البروفيسور موريارتي والذي يتفوق بدهائه على عملاء القانون والنظام من أمثال ليستراد. وتتجلى ثالث إبداعات دويل باستخدامه العلوم الجنائية في حل القضايا، فنجد هولمز على سبيل المثال يتقصى في "دراسة باللون القرمزي" خصائص خضاب الدم (الهيموغلوبين) في مخبره القابع في بيكر ستريت إذ يصيح مندهشاً: "إنه الاكتشاف الطبي الشرعي الأكثر عمليّة منذ سنوات" ثم يسأل واتسن الذي يبدو مشككاً "ألا ترى أن هذه الاكتشاف يمنحنا اختباراً مؤكد النجاح لبقع الدم؟" وترد في الرواية الثانية أيضاً "علامة الأربعة" بصمات الأصابع كعنصر أساسي في حقيبة المتحري.

(هولمز و صديقة واتسون برسم لسيدني باجيت)

ولا تعد شخصية شيرلوك هولمز النتاج الأفضل للمؤلف آرثر كونان دويل فحسب، بل أفضل ما قدمه أي مؤلف على الإطلاق. وبالرغم من أنه لم تكن تستهوي دويل القصص البوليسية، إلا أنها كانت السبب في شهرته الهائلة في بريطانيا وأميركا. وحينما أقدم دويل على قتل الشخصية عام 1893 في شلالات ريكينغ باكيان في سويسرا، خسرت مجلة ستراند أكثر من عشرين ألف مشترك في ليلة واحدة وعمّت الاحتجاجات في الأوساط المرموقة في المجتمع.

(صراع هولمز وموريارتي على شلالات ريكينغ باكيان في رسم لسيدني باجيت)

وحافظت شخصية المحقق هولمز على شهرتها حتى القرن الواحد والعشرين حيث تم تبني الشخصية في مختلف وسائل الإعلام كالمسرح ، التلفزيون ، و السينما. وكان ويليام جيليت أول من لعب دور هولمز على المسرح حيث قدم العديد من التصورات المسرحية التي لاقت رواجاً كبيراً في نهاية القرن العشرين. ولعب دور هولمز على الشاشة كلاً من باسيل راثبون، بيتر كوشينغ، جيريمي بريت، روبرت داوني جونيور، وبينيديكت كامبرباتش.

المصادر:

هنا

هنا