الطبيعة والعلوم البيئية > علم البيئة

رحلةٌ على ظهر حبة مطر

لطالما اعتمد المصممون والرسامون عند رسمهم لقطراتِ المطر شكلِ الدّمعة، وبرغم الشاعرية التي تحيطُ بهذا الشكل إلا أن المراقبة الفعليّة تُناقضُ هذا التمثيل، أي أنَ شكل حبةِ المطر في الواقع هو أبعد ما يكون عن شكلِ الدمعة الذي ربما نشاهده على النوافذِ الزجاجية التي تسقطُ عليها القطرات.

ولادةُ قطرات المطر:

يبدأ بخارُ الماء بالتّكاثفِ على سطوح دقائقِ الغبار في الغيوم عالياً في السماء، مُشكّلاً أولى القطرات ذات الأبعاد الصغيرة جداً التي تبقى معلّقةً في الهواء، ومع حركة هذه القطيرات يبدأ التصادمُ فيما بينها لتَتّحد، وتتشكلُ قطراتٌ أكبر وأصغر من القطرات الأصل، ومع ازدياد حجم جزءٍ من هذه القطرات تصبحُ قوّة الجاذبية المؤثرة فيها أكبر من الزّخمِ الذي تملكه نتيجة حركتها العشوائية مع تياراتِ الهواء وبالتالي تبدأ سُقوطها باتجاهِ الأرض. يستمر التصادم بين قطرات الماء إلا أن الحجم الأكبر لهذه القطرات يبلغ أعلى حداً لا يمكن تجاوزه (اقرأ لاحقاً في هذا المقال عن تفكك قطرات المطر ذات الأبعاد الكبيرة) ومع استمرار سقوطها إلى الأرض يُطلقُ عليها التسميةُ المتعارفُ عليها قطرات المطر.

شكلُ قطرات المطر:

يتحدّد شكل قطرة المطر إثناء سقوطها نتيجةً للتوازن الميكانيكي بين مجموعةٍ من القوى المؤثّرة في سطح التماس بين الماء بحالته السائلة وبين الهواء، الذي يمثلُ الوسط الغازي المحيط. تأخذُ قطرات المطر ذات الأبعادِ الصغيرة في البداية شكلاً كروياً بنتيجة هيمنة قوى التوتر السطحي والتي تَتسبّب بها الروابط الهيدروجينية الضعيفة بين جزيئات الماء المتجاورة.

تتعرضُ قطرة المطر مع ازديادِ حجمها ونظراً لطبيعتها السائلة لتغيّراتٍ معقّدةٍ، حيث يبدأ تأثير مجموعةٍ من القوى بالظهور بشكلٍ واضح، تؤدي في النهاية للوصول إلى شكلٍ مستقرٍ مفلطح ذو قاعدةٍ أفقيةٍ مستويةٍ عريضةٍ مع سطحٍ علويٍ ذو انحناءٍ انسيابي "مقبب" تشبه إلى حدٍ كبيرٍ أرغفةَ الخبزِ المخصّصة لتحضير الهمبرغر. والشكل التالي "شكل 1" يبين قطرةَ ماءٍ مصوّرة في نفقٍ هوائي عمودي، تمثّلُ قطرة المطرِ أثناء السقوط.

شكل 1:

يَتغيّر هذا الشكل باختلاف حجمِ قطرةِ المطر حيثُ تميل القطرات الصغيرة إلى الشكلِ الكروي، بينما تميلُ القطرات الأكبر إلى الابتعاد عن الشكل الكروي لتُصبح أكثرَ تفلطحاً، حيثُ تنخفض نسبة ارتفاع القطرة إلى قطرها الأفقي. "الشكل 2"

شكل 2:

عند دراسةِ قطراتِ المطر الهاطلة، تمَّ تحديد خمسة عواملَ رئيسيّة تُؤثّرُ في النسبة بين القُطرِ الشّاقولي والقُطر الأفقي للقطرة الهاطلة وهي:

- التّوتر السطحي الذي يَدفع إلى شكلٍ كرويٍّ للقطرة.

- الضغط الهيدروستاتيكي الدّاخلي المُتدرج عبر قطرة المطر والذي يُؤثر باتجاه الخارج ويُعاكس قوى التوتر السطحي.

- قوى الضغط الهوائي الحَركي الخارجي التي تَدفع إلى شكلٍ أكثر تَسطّحاً للقطرة عن طريق زيادةِ ضغط الهواء أسفل القطرة وتَخفيضه في بقيّة النقاطِ على السطح

- دورانُ المياه داخل القطرة الذي يشكّل جريانأ حلقيّاً دوامياً ذا تأثيراتٍ معقّدةٍ على الشكل.

- قوى الكهرباء الساكنة التي يمكن أن تُعزز أو تُعاكس تَفلطح قطرة المطر تبعاً للشحنة التي تحملها القطرة وظروف الحقل الذي تمرُّ فيه.

ومن الجدير بالذكر أن قطرات المطر التي يزيدُ قطرها الوسطيّ عن 1 مم تُعاني تَذبذباً في الشكل حول سطحٍ وسطيّ مما يُعقّد عمليّة حساب أو قياس أبعاد قطرة المطر الفعليّة.

سرعة السقوط:

تُسمى السرعة العظمى التي تصل إليها قطرة المطر الساقطة سقوطاً حراً في الهواء الساكن "السرعة الحَدّية" وتكون عندها قوة الجاذبية الأرضية المؤثرة على القطرة مساويةً تماماً لقوى الضغط الحركي الهوائي وقوة الطفو. وتزداد السرعةُ الحدّية لقطرة الماء الساقطة بازديادِ قطرها ويمكن أن تصل هذه السرعة لحدود 9 م/ثا ... ومن أهم العوامل المُؤثّرة في السّرعة الحدية للسقوط إضافةً لأبعاد قطرة المطر وشكلها والتذبذب في الشكل.

وبناءً على عددٍ من الدراسات يمكنُ القول أن الكثير، بل معظم القطرات في الهطولات الشديدة لا تصل إلى السرعة الحدّية لفتراتٍ زمنيّةٍ طويلة، ويرجعُ ذلك للتذبذباتِ الحاصلة في الشكل والتصادم بين قطراتِ المطر والتغيراتِ في التياراتِ الهوائية ضمن الظروف الطبيعية.

تحطّم قطرات المطر:

ظنَّ العلماء لفترةٍ طويلة أن الاختلاف في أبعاد قطراتِ المطر الطبيعية يعودُ إلى العمليّات المعقدة، التي تؤدي لتَشكّل الغيوم ولقطيرات المطر الصغيرة والتصادمات فيما بينها، إلّا أن أحدث الأبحاث المتعلقة بالأمر وجدت أن التنوع في أقطار قطراتِ المطر يعودُ إلى تَحطّم قطرات المطر الكبيرة "التي يتجاوز قطرها الوسطي 4 مم" أثناء سقوطها.

وقد تم اكتشافُ ذلك بمتابعةِ تسجيلاتٍ بالحركة البطيئة لسقوطِ قطرة المطر التي تمرُّ بسلسلةٍ من المراحل، يتغيّرُ خلالها شكل القطرة لتتحطّم "أو تنفجر" في نهايتها إلى رذاذٍ من القطرات الأصغر والمتعدّدة الأحجام. حيث يزدادُ تسطّح قطرة المطر شيئاً فشيئاً، فتتّسعُ مساحتها بالاتجاه الأفقي وتَنقص سماكتها وتحيطُ بكتلةٍ من الهواء الواقعِ أسفلها ليصبح شكلها قريباً من الكيسِ المقلوب أو مظلّة القفز. وعندما يصلُ حجم المظلّة المتشكلة إلى حدٍ معيّن، تنفصلُ إلى عدد من القطراتِ متفاوتة الحجم، لتُتابع رحلتها إلى الأرض، وقد تتكرّرُ عمليّة نمو حجم قطرة المطر أو تفككها أكثرَ من مرّة خلال هذه الرحلة.

شكل 3:

شكل 4:

المصادر:

1

هنا

2

هنا

3

Jones B. K.، Saylor J. R. and Testik F. Y. (2013). Raindrop Morphodynamics. In: (ed). Rainfall: State of the Science. American Geophysical Union، pp. 7-28. هنا . هنا

4

هنا

5

Beard K. V. and Chuang C. (1987). A New Model for the Equilibrium Shape of Raindrops. Journal of the Atmospheric Sciences، 44(11): 1509-1524. هنا