العمارة والتشييد > التصميم المعماري

تسعة أبنية أثارت الجدل عبر العصور

لابد وأن كل طالب في كلية العمارة أو معماري قد واجه موضوع ميل عامة الناس لتشبيه تصميمه بشكل معين - سمكة، تفاحة- حتى وإن لم يكن ذلك مقصوداً لكن أحياناً قد يسرح الناس في خيالهم لأبعد من ذلك.

هذا ما واجهته المعمارية زها حديد في تصميمها لملعب الوكرة في قطر حيث وصف التصميم بأنّه جنيني وبدائي.

ولكن هل ملعب الوكرة هو المبنى الوحيد الذي تعرض لمثل هذه الانتقادات؟! تعالوا معنا في جولة على تسعة أبنية أخرى كانت محط جدل عالمي ومادة إعلامية جيدة لوسائل الإعلام.

نعلم جميعنا أن العمارة هي أولى الفنون السبعة وهذا ما يفسح هامشاً كبيراً يعطي حرية للمصمم في إضفاء طابعه الشخصي في عمله، على عكس باقي العلوم الهندسية حيث لا يمكن الاختلاف مثلاً على قدرة تحمل عمود للإجهادات المطبقة عليه، لذلك نرى أن المعماريين والنقاد يتراشقون التهم، ويوجهون أصابع اللوم، وتدور بينهم رحى الانتقادات اللاذعة تارةً، والمضحكة تارةً أخرى.

لم يمضى بعد إلا عام واحد على إزاحة الستار عن ملعب الوكرة ذو الشكل "البيولوجي" الذي أثار موجة عارمة من الانتقادات الموجهة للمعمارية زها حديد صاحبة التصميم في الدوحة ، قطر ولكن يبدو أن المبنى لايزال في عناوين الأخبار نظراً للجدل الذي أثاره حيث عاد المبنى لساحة الانتقادات بعد حوادث موت ما يقارب 850 عاملاً خلال أعمال الانشاء تحضيراً لاستضافة كأس العالم 2022.

الانتقادات الموجهة لملعب الوكرة جعلتنا نبحث في تاريخ العمارة بشكل موسع عن الأبنية العالمية المثيرة للجدل وأثارت لدينا السؤال التالي : هل ملعب الوكرة هو المبنى الوحيد الذي أثار موجة الانتقادات هذه ؟ تعالوا وتعرّفوا معنا على أبنية مشابهة كانت محط سهام النقاد حول العالم .

9- مبنى بورتلاند في مدينة بورتلاند ،الولايات المتحدة، للمعماري Michael Graves

"فكرة هدم المبنى هي فكرة وحشية .. كأنك تقتل طفل في مهده ،لا أعلم كيف أرد على هكذا تصرف"

هذا ما قاله المعماري Michael Graves في نقاش سابق حول مستقبل مبنى بورتلاند الذي يعتبر المبنى الأول من نوعه في طراز عمارة ما بعد الحداثة حيث كان المبنى محور نقاشات حادة استمرت لعدة عقود حول صلاحية وفائدة عمارة ما بعد الحداثة في سياق العمارة الوظيفية التي كانت السائدة في تلك الفترة.

حيث اعتبر كمبنى مدني من قبل مدينة بورتلاند إلا أنه تلقى انتقادات حادة حول طراز تصميمه القائم على مقولة " more is more، less is bore" والمبدأ شبه الكلاسيكي في التصميم والذي يعتمد على المسقط المغلق نحو الداخل. يهدف المبنى المصمم من قبل Michael Graves عضو مجموعة New York Five إلى إبهاج سكان مدينة بورتلاند إلا أنه أغضبهم من خلال ميزانيته الصغيرة والمبالغة في متطلبات البرنامج الوظيفي ،حيث قام Graves بإكساء المبنى بأعمدة حمراء ضخمة متناوبة مع نوافذ مرتفعة غائرة تقود إلى أشرطة زخرفية تذكر بجمال التراث.

طبقاً للتقارير فإن Graves قد ربح مناقصة المشروع بفضل عرضه ذو الميزانية المنخفضة والتزامه بالنوافذ المتكررة على طول الواجهة والتي تتماشى مع الشكل العام لأبنية المدينة.

اليوم وبعد مضي اثنين وثلاثين عاماً، المبنى بحاجة ماسة للتجديد بكلفة تقدر بـ 95 مليون دولار على مدى عامين. ولازالت الجهات الرسمية في المدينة تتناقش حول مستقبل المبنى.

8- sagrada familia برشلونة ، اسبانيا Antoni Gaudi

"زبوني ليس على عجلة من أمره" هذه مقولة المعماري Antoni Gaudi الشهيرة عن مبنى كنيسة الروم الكاثوليك الذي غدا أيقونة مدينة برشلونة la Sagrada Familia وأصبح من بعدها المشروع صاحب أطول مدة تنفيذ في العالم حيث أنه الأن في عامه 132 ممولاً من قبل تبرعات خاصة فقط تقدر بقيمة 31 مليون دولار سنوياً .

بدأ الإنشاء في عام 1882 ولكن توقف ببطء في عام 1926 بعد الموت المفاجئ لـ Gaudi بحادث سيارة في مدينة برشلونة، وبعد ما يقارب المئة عام من موت Gaudi بدأ عدد من المعماريين بإعداد مخططات مطابقة للمخططات الأصلية للمبنى على الرغم من التلف الكامل لهذه الأخيرة في بداية الحرب الأهلية الاسبانية .

في بدايات 1960 قام العديد من المعماريين من أصحاب الخيال الخصب ومن ضمنهم Le Corbusier و Alvar Aalto بإطلاق محاولات فاشلة لإعادة تحديث تصميم Gaudi معتبرين أن عمله أصبح منتهي الصلاحية وغير منساب للطرز الحديثة .

معماريو المشروع الحاليين وضعوا عام 2026 كموعد لأنهاء أعمال الانشاء بالمشروع وليخلدوا ذكرى Gaudi بعد 144 عام على بداية الإنشاء .

للمزيد عن الـ "ساغرادا فاميليا" تابع المقال التالي: هنا

7- البرج السكني لعائلة Antilla مومباي، الهند Perkins + WillHirsch Bedner Associates

يحمل هذا المبنى - المكون من 27 طابقاً والمخصص لعائلة واحدة فقط - لقب أغلى مسكن خاص في العالم .

بُني ملاصقاً لحي Golibar في مركز مدينة مومباي مسجلاً حضوره في الأبنية الأكثر ترفاً في العالم بكلفة مليار دولار أميركي .

يمتلك هذا المبنى خامس أغنى رجل بالعالم Mukesh Ambani المنزل صمم بالشراكة بين المكتب الأميركي Perkins + Will و Hirsch Bedner Associates معماريو سلسلة فنادق Mandarin Oriental العالمية

كل طابق من طوابق المنزل مفروش بمواد نادرة، وباهظة الثمن، ومجموعة من شتى بلدان العالم من قبل السيدة Ambani . تلقى المبنى الكثير من الانتقادات من سكان مدينة مومباي لكونه جامداً، ومبالغاً فيه وهذا يعتبر تصريح متعاطف بالنسبة لمبنى يحوي 6 طوابق مخصصة كمواقف للسيارات، وتسعة مصاعد، ومساحة تزيد عن 37 ألف متر مربع مخصصة لسكن عائلة واحدة فقط !!.

للمزيد عن "البرج السكني لعائلة Antilla" تابع المقال التالي: هنا

6- المبنى الانثوي، المعرض الكولومبي الدولي شيكاغو، الولايات المتحدة Sophia Hayden Bennett

"خجول" ، "لطيف" ، "أنثوي"، "رقيق"

طبقاً لتصريحات النقاد حول مبنى المعرض الدولي في شيكاغو المصمم والمُدار من قبل فريق عمل نسائي.

افتتح المبنى في عام 1893 وكُرّس لنجاحات المعماريات النساء في الفنون والحرف ولكن اتهمه عضو اللجنة المنظمة - والتي تسيطر عليها أغلبية ذكورية - باللاموضوعية

ورغم كل الشكاوي والانتقادات اللاذعة استمر المشروع كما مخطط له من قبل المعمارية Sophia Hayden Bennett الخريجة الأنثى الأولى من معهد ماساتشوسِتس للتكنولوجيا Massachusetts Institute of Technology.

المبنى انتقد لجماله الأنثوي بالمقارنة مع المباني المجاورة المصممة من قبل معماريين ذكور

أثارت لجنة المدراء - المكونة من مجموعة من الفنانين والممولين النساء فقط - حوار متعنّت حول ضرورة إفساح المجال للعمل الفردي للمرأة وحدها في العمارة ودورها الكبير المؤثر على الطرز المعمارية.

5- مبنى "المذياع" أو كما معروف بـ "Walkie Talkie" في شارع Fenchurch لندن، المملكة المتحدة، مكتب Rafael Viñoly Architects

الكثير من سكان لندن يعتبرون مبنى Walkie Talkie نقطة علّام لشوارع مركز مدينة لندن الملتوية حيث لا يمكن الاستدلال على مكان ما في مركز المدينة إلا من خلال ذكر اسم المبنى.

أُثير فجأة نقاش حاد حول النفور الشائع من هذا المبنى بسبب شكله الخارج عن المألوف.

حيث تنتفخ جملته الإنشائية ذات الخطوط المنحنية من أسفل المبنى وحتى أعلاه وكأنها بالون على وشك الانفجار.

وشكّل ساحة جدل واستغراب لكونه متوضعاً شمال نهر التايمز وخارج تجمع الأبراج الرئيسية في مركز مدينة لندن. وقد ظهر المبنى للإعلام بعد سلسلة الحوادث التي جرت العام الماضي والتي تدور حول قابليته لإذابة الأشياء المتوضعة على منسوب الأرض بواسطة أشعة الشمس المنعكسة عليها من واجهته

سمي المبنى بالمذياع الحارق بسبب عدد من الحوادث التي تسببت بها أشعة الشمس المنعكسة عن المبنى منها ذوبان هيكل لسيارة مركونة في بقعة الانعكاس ، وشوي شمسي لواجهة متجر مجاور، وسجادة محروقة، وذوبان العديد من مقاعد الدراجات الهوائية والعديد من تجارب البيض المقلي بسبب الحرارة المرتفعة للشارع المجاور للمبنى والتي تقارب 100 درجة مئوية.

Paul Finch مناصر عنيف للمبنى في مرحلة التصميم يعترف بخطئه وندمه على دعم المبنى ويصرح : " المصممون جعلوا المبنى بحالة فوضى عارمة والمعماريون هم المسؤولون عن هذه الكارثة".

في نهاية الأمر قام المعماريون بحل مشكلة الانعكاس بتركيب كاسرات شمسية على واجهة المبنى.

للمزيد عن "مبنى المذياع" تابع المقال التالي: هنا

4- برج إيفل، باريس، فرنسا للمهندس المدني غوستاف إيفيل

"إنه المكان الوحيد في باريس الذي يمكنني تناول الطعام فيه دون رؤية ذلك البرج القبيح " هذا ما قاله الأديب الفرنسي Guy de Maupassant في أواخر ثمانينات القرن التاسع عشر واصفاً مقهى موجود عند قاعدة البرج المبني حديثاً .

البرج -الذي لم يكن بعد مشهوراً آنذاك- كان تربة خصبة لانتقادات سكان المدينة الذين عارضوا بناءه لكونه سيفسد بارتفاعه الشاهق خط السماء المتشكل من الأسطح منخفضة الارتفاع لأبنية المدينة المنشأة وفق المخطط التنظيمي لـ Haussmann في القرن 19 .

وصف معارضي المبنى المنتشرين في أنحاء باريس البرج بكونه يشبه مدخنة ضخمة سوداء، أو عمود إنارة مؤسف، حتى أن بعض الرسومات الساخرة وضعت رئيس المهندسين المدنيين في باريس غوستاف إيفيل على قمة البرج كتجسيد لاعتقادات العديد من المؤمنين بأن هذا البرج هو خطأ فادح حدث لمدينة باريس.

يُذكر أن عدد زوار البرج من افتتاحه في عام 1889 بلغ عدد زواره ما يقارب 250 مليون زائر .

3- دار الأوبرا، سيدني ،أستراليا ، المعماري Jørn Utzon

إنها قصة استياء، قدح وذم، شجار، تراشق اتهامات، فضيحة، هدر كبير، وكل ما يخطر في البال في هذا السياق.

في عام 1957 اُختير المعماري الدانماركي Jørn Utzon من بين 232 معماري أخر لتصميم دار الأوبرا في سيدني .

في البداية رُفض تصميمه من قبل اللجنة تقييم المشاريع في المسابقة ولكن عضو اللجنة المعماري الفنلندي Eero Saarinen قام بتزكية المشروع وحددت ميزانيته بـ 18 مليون جينيه استرليني، و 18 شهر كمدة زمنية للتنفيذ، ولكن بعد الشروع بأعمال التنفيذ كان الطريق وعر والانجاز بطيء، حتى أنّ الرافعات التي سترفع قطع السقف المعقدة يجب أن تُصنع بشكل دقيق في فرنسا ومن ثم تُنقل لأستراليا، وفي عام 1966 وبعد مضي 10 سنوات على البدء بتنفيذ المشروع قامت الحكومة الجديدة لـِ New South Wales باعتبار أن كلفة المشروع كبيرة جداً والتقدُّم في إنجازه بطئ للغاية وذلك - على حد زعهمم- بسبب سعي المعماري Jørn Utzon نحو الكمال في التنفيذ.

لذلك ما كان من الحكومة الجديدة إلا أن نحّت المعماري Utzon عن مهامه وعيّنت معماري استرالي يدعى Peter Hall موقفةً بذلك أعمال التنفيذ ومجمدةً ميزانيته .

قام المعماري Hall بتغيير التصميم الداخلي للمبنى، وأبقى على التصميم الخارجي، وزادت ميزانية المشروع بمقدار 1300% وتأخر تنفيذه ما يقارب الـ 10 سنوات لتصبح المدة الكلية للتنفيذ 16 عام .

لم يستطع المعماري الأصلي صاحب التصميم Jørn Utzon من زيارة المبنى حتى وفاته ولكنه تلقّى رسالة اعتذار رسمية من دار الأوبرا عام 1999 .

2- ملعب الوكرة الدوحة، قطر ، للمعمارية زها حديد

تعرضت المعمارية زها حديد للكثير من السخرية بسبب تصميمها لملعب الوكرة في قطر أحد المنشآت الجاري تنفيذها لاستضافة كأس العالم 2022، الكثير من الانتقادات وجهت لهذا التصميم ومظهره "البيولوجي" ولم تكد تنضوي شعلة الانتقادات حتى عاد المبنى للظهور في وسائل الاعلام بسبب حوادث موت أكثر من 1000 عامل مهاجر خلال تنفيذ منشآت كأس العالم.

وعندما سُئلت حديد فيما اذا كانت ستقوم بعمل ما حيال ظروف العمل الصعبة عند بدأ أعمال التنفيذ في مشروعها قالت :

" ليس من واجبي كمعمارية أن اتحرى الموضوع ، إنها مسؤولية الحكومة القطرية"

وعدت الفيفا أن تقوم بمراقبة ظروف العمل في قطر، إلا أنه بعد ذلك أصبح موضوع استضافة قطر لكأس العالم برمته على المحك، حيث اقترح البعض سحب الاستضافة من قطر ومنحها لدولة أخرى لتجنُّب مشاكل الحرارة المرتفعة.

ولايزال العمل جار على تنفيذ ملعب الوكرة بصرف النظر عن الانتقادات من قبل مسؤولين رسميين، ونقاد، ومعماريين مشهورين .

للمزيد عن "ملعب الوكرة" تابع المقال التالي: هنا

1- مشروع السكن Pruitt-Igoe ، سانت لويس، الولايات المتحدة للمعماري Minoru Yamasaki

وُصف pruitt-lgeo بأنه "الجحيم على الأرض" من قبل القاطنين ويعتبر أكبر الأخطاء الفادحة في تاريخ مشاريع السكن الاجتماعي، حيث كان من أكبر المشاريع السكنية في الولايات المتحدة بين عامي 1954 – 1972 .

لكنه لم يكن مستخدماً بشكل كامل أبداً بسبب عنصريته الواضحة الناتجة عن هجرة السكان البيض بعد عملية الدمج العرقي التي حصلت في مدينة ميسوري عام 1956.

يتهم النقاد المعاصرون المبنى بكونه يشبه السجن، وهذا ما تسبب بانتشار الكثير من المشاكل النفسية للسكان القلائل الوافدين إليه.

في أقل من عقدين على إنشائه، اُعتبر المجمع غير ملائم للسكن وأُخلي وهُدم في أسرع وقت ممكن من قبل مجلس مدينة سانت لويس، على أية حال، منذ تهديمه انتُقدت بعض الدراسات المعاصرة بسبب بحث غير لائق يتضمن في بيناته الإحصائية تمييزاً عنصرياً كامناً.

اعتُبر تدمير المجمع السكني بالمتفجرات كـ " موت للعمارة الحديثة " والآن تُستخدم هذه الحادثة كدليل للمعماريين حول ما يمكن تجنبه من مشكلات في علم التصميم الحضري .

غالباً ما يُعزى انهيار السكن الاجتماعي في مدينة سانت لويس إلى هذا المبنى .

نهايةُ، إلى جانب كون العمارة فن وهذا ما يضعها في خانة تنوع الأذواق، فإنها أيضاً تتعرض لانتقاد أكثر من غيرها من الفنون، وذلك بسبب كون المقياس الذي يعمل عليه المعماري كبير على عكس الفنان التشكيلي مثلاً حيث أنك تحتاج للذهاب إلى معرض لرؤية عمله، بينما المعماري معرضه هو المدينة، وهذا ما يتيح لعدد أكبر من الناس أن يشاهدوا العمل الفني ويتذوّقوه وينتقدوه.

ولكن ماذا بوسع المعماري أن يفعل حيال هذه الانتقادات ؟!

هل على المعماري أن يكون دكتاتورياً ويغفل الانتقادات الموجهة إليه لأنه من الصعب إرضاء كل الأذواق؟!

هل تعتقدون بأنه على المعماري الالتزام بالتيارات والطرز السائدة في عصره ؟

ما هو تعليقكم على انتقاد مبنى ملعب الوكرة لزها حديد ؟!

دعونا نتشارك الآراء.


المصادر:

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا