الطبيعة والعلوم البيئية > الطاقات المتجددة

هل يمكن استغلال طاقة التقاء المياه العذبة بالمالحة؟

نعم... هذا ما يؤكّده فريقٌ من الباحثين من جامعة جريفيث الأسترالية ضمن بحثهم الذي نُشِر في مجلّة Renewable and Sustainable Energy، كما يؤكِّدون أنّ الطاقة الناتجة عن تدرُّجات الملوحة قد توفّر مصدراً هامّاً ومتجدّداً للطاقة النظيفة، وأنّ الاعتمادَ عليها في محطّات تحلية المياه يُحسِّن من كفاءة عمل هذه المحطّات.

تنشأ الطاقة الناتجة عن تدرُّجات الملوحة salinity gradients من امتزاجِ مياهٍ ذاتِ تراكيزَ ملوحةٍ مختلفةٍ، كالتقاء الأنهار بالمحيطات، ولهذه الطاقة إمكانياتٌ كبيرةٌ لو أُحسن استغلالُها، فالطاقة الناجمة عن امتزاج عُشْرِ الأنهار العالميّة مع مياه البحر يمكنها أن تُولّد سنوياً نصف كميّة الطاقة التي يحتاجها الاتحاد الأوروبي، وتساوي الإنتاج العالميّ المُحتمَل من الطاقة الكهرومائية.

تُسخِّرُ عدّةُ تطبيقاتٍ هذا النوعَ من الطاقةِ، ومن أبرزِها طريقةُ تناضح الضغط المُثبَّطPressure Retarded Osmosis (PRO) التي تعتمد في مبدئها على مفهوم التناضحِ Osmosis الحاصلِ بشكلٍ طبيعيّ لدى امتزاج مياهٍ ذاتِ تراكيزَ مختلفةٍ للملوحة تمرُّ عبر أغشيةٍ شبه نفوذة semi-permeable membrane حيث تنتقل عبر الغشاء من المحلول الأقلّ تركيزاً للملح (محلول التغذيةfeed solution ) إلى المحلول الأكثر تركيزاً للملح (محلول السحب draw solution)، ويسبّب هذا الانتقال ضغطاً هيدروليكيّاً يُعبَّر عنه بالطاقة التناضحيّة أو الإسموزية osmotic power، وتفصلُ الأغشيةُ المياهَ العذبةَ عن المياهِ الأكثر ملوحة، ويُضغَط المحلول المُتشكّل عن الأغشية في محرِّكاتٍ خاصّةٍ لتوليد الطاقة الكهربائية.

ورغم أنّ طريقة PRO ظهرت منذ عام 1973، ورغم خلوِّها من انبعاثات الكربون، إلّا أنّ كلفتَها المرتفعة وجودتَها غير المستقرّة أعاقا انتشارها، لتعودَ حديثاً إلى الواجهة بعد التطوّر الكبير في تقنيّات الأغشية، وانخفاض كلفتها، مع تزايد أسعار الطاقة، وارتفاع الأصوات المنادية بضرورة مواجهة التغيُّر المناخي.

يُفضّل استخدام طريقة PRO في المناطق التي تكثرُ فيها المصادر المائية المالحة، كالبحيرات المالحة والمياه الجوفيّة المالحة، وفي المدن القريبة من المحيطات والمصبّات النهريّة، حيث تتوفّر الظروف المثاليّة لإنتاج الطاقة التناضحيّة، مثل أستراليا.

ورغم أنّ تقنية التناضح العكسي Reverse Osmosis (RO) هي التقنيّة الأكثر انتشاراً في محطّات تحلية المياه، إلّا أنّها تتطلّب حجماً كبيراً من الطاقة لخلق الضغوط العالية اللازمة لتحلية مياه البحر، ومن هنا يقترح الفريق استخدام طريقة PRO التي تولّد ضغطاً وطاقةً يمكن استخدامها في محطّات التحلية.

وإذا ما تمّ استخدام المحلول الملحي المرفوض من عمليّات تحلية المياه كمحلول سحب draw solution في طريقة PRO، ومياه البحر كمحلول تغذية feed solution، فإنّ عمليات التحلية ستصبح بلا شكٍّ أكثرَ كفاءةً، حيث ستقلّل من الطاقة اللازمة للتحلية، ومن الاعتماد على الوقود الأحفوريّ، كما ستقلّل من التأثيرات الناتجة عن تصريف المحلول الملحي في البحر.

ويؤكّد الباحثون على أهميّة تطوير هذه التقنية البيئية لضمان جدواها وموثوقيّتها، وحالما يتمّ الوصول إلى الأغشية المثالية لهذه التقنية، سيكون لها دورٌ كبيرٌ في الطاقات المتجدّدة لا يقلّ عن دور الطاقة الشمسيّة وطاقة الرياح، كما ستوفّر بذلك طريقةً بديلةً واعدةً للصناعات.

المصدر:

هنا

Helfer F. and Lemckert C. (2015). The power of salinity gradients: An Australian example. Renewable and Sustainable Energy Reviews, 50: 1-16. هنا