الطبيعة والعلوم البيئية > عجائب الأحياء

الموجات الكهرومغناطيسية بين يدي النمل الفضي

أكتشف الأستاذ "نانفانغ يو" مع مجموعة من زملائه مفتاحين إستراتيجيين يُمكّنان نملة الصحراء الفضية من المحافظة على برودة جسمها في واحدة من أكثر البيئات الأرضية حرارة على هذا الكوكب، حيث أثبت فريق الأستاذ "يو" لأول مرة أن النمل يستخدم طبقة شعر فريدة للتحكم بالموجات الكهرومغناطيسية على نطاق واسع جداً من الطيف الشمسي (المرئي والقريب من تحت الحمراء) إلى طيف الإشعاع الحراري (منتصف الأشعة تحت الحمراء)، وهذه الآليات الفيزيائية المختلفة تُستخدم في نطاقات طيفية مختلفة لإدراك نفس الوظيفة البيولوجية من إنقاص درجة حرارة الجسم. ويقول البحث الذي نُشر في مجلة العلوم ".... إنَّ نمل الصحراء الفضي يُحافظ على برودته من خلال الجمع بين الانعكاس البصري المُعزز وتبديد الإشعاع الحراري.".

يقول يو "إن هذا المثال يُعبِّر عن كيفية تأثير التطور على تكيّف الصفات الفيزيائية لإتمام مهمة فيزيولوجية وضمان البقاء على قيد الحياة، وفي هذه الحالة فقد كان التطور لمنع نمل الصحراء الفضي من أن يُصبح أكثر حرارة، وعلى الرغم من وجود العديد من الدراسات للبصريات الطبيعية من المنظومات الحية عند الأشعة فوق البنفسجية وفي النطاق المرئي من الطيف، لكن فهمنا لدور ضوء الأشعة تحت الحمراء في حياتهم قليل، وقد أظهرت دراستنا أن الضوء غير المرئي للعين البشرية لا يعني بالضرورة أنه لا يلعب دوراً حاسماً بالنسبة للكائنات الحية..".

لقد أثار المشروع في البداية تساؤلات عما إذا كانت الطبقة الفضية البارزة الموجودة في النمل مهمة في الحفاظ على البرودة، ووجد فريق "يو" أن جواب السؤال كان أكثر اتساعاً بمجرد إدراك الدور المهم لضوء الأشعة تحت الحمراء. فقد اكتشفوا أن هناك حلاً بيولوجياً لمشكلة الحرارة قد يقود لتطوير مكونات بصرية جديدة قادرة على إظهار صفات تبريد مثالية. إن مثل هذه الأسطح المُبردة البيولوجية المُلهمة سوف يكون لها انعكاسية مرتفعة في الطيف الشمسي وكفاءة إشعاعية عالية في طيف الإشعاع الحراري، وهذا الأمر قد يولد تطبيقات مفيدة مثل تبريد أسطح السيارات والمباني، والآلات، وحتى الملابس.

يتغذى نمل الصحراء الفضي (Cataglyphis Bombycina) في الصحراء الكبرى في منتصف النهار عندما تصل درجة حرارة السطح إلى 70 درجة مئوية (158 فهرنهايت)، ويجب أن يحافظ النمل على درجة حرارة جسمه إلى ما دون الحد الأقصى من الحرارة الحرجة وهي 53.6 درجة مئوية (128.48 فهرنهايت) معظم الوقت.

ففي رحلات النمل الواسعة النطاق للبحث عن المؤن الغذائية، يبحث النمل عن الحشرات الميتة وغيرها من المفصليات التي استسلمت للظروف الحرارية الصحراوية القاسية. وكون النمل هو الأكثر نشاطاً خلال الأوقات الأكثر حرارة من النهار فإن هذا الأمر يساعدها في تجنب السحالي الصحراوية المفترسة، ولطالما فكر الباحثون كيف يمكن لهذه الحشرات الصغيرة التي لا يتجاوز طولها حوالي 10 ملم أن تبقى على قيد الحياة في ظل هذه الظروف القاسية والمُجهدة حرارياً.

واكتُشِفَ باستخدام المجهر الإلكتروني ذو الشعاع الأيوني الدوار أن النمل مُغطى من أعلى وجوانب جسده بغطاء من شعر ذو شكل فريد ثلاثي المقاطع الجانبية ، يُبقي هذا الغطاء النمل بارداً بطريقتين، حيث أنَّ هذا الشعر ذو عاكسية عالية تحت الضوء المرئي والضوء القريب من الأشعة تحت الحمراء، والجدير بالذكر أن هذا النوع من النمل يسير بسرعة تصل إلى 0.7 متر في الثانية في مناطق الأشعة الشمسية القصوى وتبدو للناظر كأنها قطرات من الزئبق على سطح الصحراء!! هذا الشعر أيضاً كثيف الانبعاثات عند جزء (منتصف الأشعة تحت الحمراء) من الطيف الكهرومغناطيسي، حيث تكون بمثابة طبقة غير عاكسة تُعزز من قدرة النمل على التخلص من الحرارة الزائدة من خلال الإشعاع الحراري المُنبعث من جسم النملة ذو الحرارة المرتفعة إلى السماء الباردة، فإن هذا التبريد السلبي فعال تحت الشمس الساطعة في أي وقت تكون فيه الحشرات معرضة لسماء صافية. ولفهم تأثير الإشعاع الحراري، لنسقط الأمر علينا كبشر، لنفكر ونستعيد تلك اللحظة عندما نشعر بالبرد لحظة خروجنا من السرير في الصباح الباكر، حيث أنَّ نصف الطاقة المفقود في هذه اللحظة يعود للإشعاع الحراري انطلاقاً من أن درجة حرارة أجسادنا هي أعلى بكثير من البيئة المحيطة في تلك اللحظة".

وجد الباحثون أن الانعكاسية المُعززة في الطيف الشمسي وكفاءة الإشعاع الحراري لديها مساهمات مماثلة في خفض درجة حرارة جسم النمل الفضي بمعدل 10 - 5 درجات مئوية مقارنة مع النمل الذي لا يحتوي على غطاء شعري، فإن حقيقة قدرة هذا النمل الفضي على التلاعب بالموجات الكهرومغناطيسية على نطاق واسع من الطيف، يُبين لنا مدى تعقيد وظيفة هذه الأعضاء البيولوجية الموجودة عند هذا النمل والتي قد يُخيل لنا أنها بسيطة.

في الحقيقة، لقد طورت الحيوانات إستراتيجيات مختلفة لفهم الموجات الكهرومغناطيسية والاستفادة منها، فمثلاً أسماك أعماق البحار لها عيون تُمكنها من المناورة والإفتراس في المياه المظلمة، وأيضاً نحل العسل قادر على الرؤية والاستجابة لإشارات الأشعة فوق البنفسجية وكذلك استخدمت اليراعات نظام اتصالات عن طريق الوميض.

إن تطور الأعضاء للفهم أو التحكم بالموجات الكهرومغناطيسية في كثير من الأحيان تتفوق على الأجهزة التي هي من صنع الإنسان من حيث التطور والكفاءة. إن عملية فهم واستغلال مفاهيم النُظم الطبيعية يعتمد على معرفتنا بمدى تعقيد النُظم البيولوجية وإيجاد افكار مُلهِمة لخلق تكنولوجيات جديدة.

لا شك أنَّ مثل هذا المشروع بحاجة للتعاون بين العديد من الأساتذة من مختلف المجالات والأماكن، ويجب الاستفادة من هذه الدراسة ووضع الخطط وتوسيع الأبحاث العلمية على الحيوانات والكائنات الحية التي تعيش في البيئات القاسية الأخرى في محاولة لمعرفة الإستراتيجيات التي تتبعها هذه المخلوقات للتعامل مع الظروف البيئية القاسية..

المصدر:

هنا