العمارة والتشييد > العمارة والسينما

Batman والعمارة!!

من منا لا يعرف Batman !! هذه الشخصية الخارقة التي تُحارب الشر وتحمي المدينة من السقوط في يد الجريمة. لكن، هل تساءلنا يوماً عن سر هذا الارتباط الكبير بمدينته Gotham، وهل لهذه المدينة أي أثر في تكوين شخصيته، والأهم من ذلك ما دور العمارة في كل هذه الحبكة؟

ابتداءً من نيويورك إلى طوكيو وحتى موسكو وصولاً لمدينة غوثام Gotham، جميع هذه المدن حقيقيةً كانت أم خيالية؛ لديها بطل ساهمت في تكوين شخصيّته عبر تاريخها وجغرافيتها ونسيجها العمراني. شخصية Batman عل سبيل المثال -وإن كانت خيالية- فهي مرتبطة بكل جوانبها بمعالم المدينة التي تقطنها. فهي ليست مجرد وطناً له. المدينة هي التي صنعته، والشخصية ولدت من رحم معاناتها، لتُحارب الجريمة وتمنع سقوطها.

يقول الناقد المعماري Jimmy Stamp: "لا يوجد شخصية كرتونية مُتأثرة بالعمارة أكثر من شخصية Batman، فقد كانت مدينة Gotham بعمارتها عُنصراً أساسياً في القصة منذ البداية".

في الإصدارات السابقة من أفلام Batman صوِّرت مدينة Gotham كمدينة خارج الزمان والواقع، بكاتدرائياتها الضخمة وأبنيتها المصممة على طراز Art Deco و Art Nouveau، هذا ما ولّد انطباعاً عند المُشاهِد بأنها مدينة كئيبة وسوداوية، مدينة تعجّ بالأزقة المُعتمة والمصحّات العقلية، مليئة بالخفافيش والبوم. يُمكن اعتبار هذا التصور مثالياً لشخصية كـ باتمان التي تقضي حياتها في محاربة الجريمة، إلّا أنه قد بُولغ في تصويرها على هذا الحال حتى أصبحت أقرب للكابوس منه لمدينة واقعية نعايشها في حياتنا. بينما في الثُلاثية الأخيرة من السلسلة، والتي أخرجها المبدع Christopher Nolan فقد تم سلوك اتجاه آخر، خاصةً في الجزء الأخير The Dark Knight Rises، حيث تواجه المدينة خطر الإزالة.

شُيّدَت المدينة بتشكيلة من الأبنية القائمة في مختلف أنحاء العالم، بينما استُبدلت معظم الأبنية القوطية أو المبنية وفق طراز Art Deco بأبنية وناطحات سحاب زُجاجية حديثة، فجاءت أبنيتها مستمدة من أبنية حقيقية وموجودة، لكنها في الوقت نفسه مجهولة، لتُعطي انطباعاً بأنها قد تكون في أي مكان. الغرض من هذه العملية هو تقريب القصة للواقع بحيث تكون الشخصية حقيقية، وممكنة الحدوث في أي مدينة. كما أنها لم تبنى بشكل عشوائي بل اعتمدت على التخطيط الأصلي للمدينة الموجود في السلسة القصصية الأصلية.

سنتوقف هنا مع أهم العناصر المعمارية التي ظهرت في السلسة الأخيرة واعتمد عليها المخرج في إيصال وتعزيز فكرته.

بدايةً مع قصر الملياردير Bruce Wayne ، وهو في الحقيقة قصر Wollaton Hall في مدينة Nottinghamshire في انكلترا، أحد بيوت الملكة اليزابيث والمبني في عام 1580 . يعتبر القصر أثرياً لكنّه مناسب تماماً لما يرسمه خيالنا عندما نفكر بمنزل Bruce Wayne الهوية الحقيقية لBatman. حيث نستطيع ملاحظة ارتباط القصر و أثره على الشخصية والقصة من خلال مجموعة من المشاهد، فمثلا في بداية الجزء الثالث من السلسة يعقد حفل تذكاري في الحديقة أمام القصر، هنا يعمل المخرج على الاستفادة من الطراز القوطي لواجهة القصر مع الخلفية السوداء لتعطي احساساً بالهيبة والكآبة، كما أن اللعب على الإنارة بالاعتماد على الموازنة -إلى حد ما- بين الغرف المعتمة والمنارة، مع الإبقاء على القسم المعتم في الأعلى يزيد من كآبة المشهد مما يخدم فكرة المخرج الأساسية في إضفاء المزيد من السوداوية والبعد الفلسفي للسلسة. "تخيل لو كانت جميع الغرف منارة، ستجد أن تأثير المشهد سيصبح أكثر بهجة".

بالانتقال إلى داخل القصر، سنجد أن المخرج لم يعتمد على التصميم الداخلي لقصر Wollaton Hall بل عَمِد إلى الاستعانة بمنزل آخر في ضواحي لندن، منزل Osterley Park House، وهو أيضاً أحد منازل الملكة اليزابيث. جاء تصميمه مناسب للشخصية بفضل غرفه الكبيرة وأثاثه الضخم، وربما السبب الرئيسي لاختياره هو المكتبة التي تخفي معبرا سريا، مما يعتبر ممتازاً كباب دخول لكهف باتمان السري. بالإضافة إلى الفراغات الواسعة والتحف والتماثيل التي تعود إلى الكلاسيكية الحديثة، وأعمال الديكور الداخلي وورق الجدران والجبصين، جميعها تقدم بيئة أنيقة ورشيقة محيطة بالمشهد، وتزيد من الفخامة والعظمة والغنى الذي يلائم الشخصية بشكل ممتاز.

عنصر آخر يلعب دوراً مهماً في اختيار هكذا نوع من القصور لتكون منزلاً لـ Batman هو الضخامة التي تعزز الاحساس بالنبذ والوحدة المناسبة لما تتصف به شخصية Wayne، خاصة بعد رحيل رئيس الخدم Alfred حيث يظهر Bruce Wayne في أحد المشاهد، مغادراً السرير ليفتح الباب بنفسه، عندها يقوم بالمشي من غرفته نزولا عبر السلالم حتى يصل إلى الباب، هذه العملية والوقت اللازم ليجيب على الباب تزيد من احساس الوحدة في المشهد. فحجم القصر الكبير يُقلِّص من مقياس الانسان، هذا التناقض في المقياس يخدم و يعزز الفكرة.

فمثلا لو كان Bruce Wayne يعيش في شقة عادية، بحيث يستطيع بسهولة الانتقال من غرفة النوم وفتح الباب، لكان تأثير الوحدة والعزلة في المشهد أقل بكثير.

تتالى الأحداث حتى نصل إلى المقطع حين يخسر Batman معركته مع شخصية Byne ويقوم الأخير بسجنه. عندها تُظهر لنا تحفة معمارية أخرى استخدمها المخرج ليعبر عن الفكرة الفلسفية للسجن، سجن الموت، هذا السجن الذي يغذيك بأمل الهروب منه، ليستخدم لاحقاً هذا الأمل لقتلك.

"هناك سبب لماذا يطلق على هذا السجن لقب الجحيم على الأرض، إنّه الأمل.. كل من سجن هنا عبر التاريخ تأمَّل الضوء في الأعلى وحلم بالتسلق إلى الحرية. عملية سهلة وبسيطة... هنا تعلمت أنّه لا وجود لليأس الحقيقي دون الأمل". على لسان شخصية Byne.

استخدم المخرج للتَّعبير عن هذه الفكرة نوع من الآبار تسمى Stepwell، تتميز هذه الآبار بوجود أدراج على أطرافها تستطيع من خلالها الوصول إلى قاع البئر ومعاينة المياه، عادةً ما تكون أكبر من الآبار العادية. صُمِّم البئر بهيكل مفتوح لإدخال كمية كبيرة من الضوء، وبارتفاع عالٍ بحيث يولد الاحساس باللانهاية عند النظر إليه من الأسفل. كما جاءت اسطوانية البئر لتحسين لحظة الذروة في المشهد، وهي اللَّحظة التي ينجح فيها Bruce Wayne بالقفز فوق الحافة التي فشل في تجاوزها بالمرات السابقة.

أمَّا لداخل السجن فقد استخدم المُخرج تشكيل من الأدراج تسمى ب Chand Baori موجودة أصلاً في شرق ولاية Rajasthan في الهند. تتميز هذه الأدراج ب

تشكيلها الهندسي الذي يعطي احساساً باللانهاية. حيث تمَّ توظيفها في الفلم بعد إعطائها المظهر القديم والمتسخ وذلك لتمييزه عن باقي السجون التقليدية وليناسب الفكرة الموجودة في النص. كما أنَّ موقعها بجانب جدران البئر أتاح مجالاً للحركة، خاصةً في مشهد تحرير السجناء من قبل شخصية Ra s al Ghul.

لننتقل إلى النهاية، فكل من تابع الجزء الأخير من السلسلة، لا بُدّ أنه يتذكر مشهد المعركة الأخيرة أمام مبنى المدينة، هذا المبنى بكتلته الهائلة وأعمدته الضخمة، هو في الحقيقة مبنى Carnegie Mellon Institute أحد أشهر مباني مدينة Pittsburgh، فالمبنى بأعمدته الأيونية الضخمة وواجهته المطلة على ثلاث اتجاهات، مشابه لواجهة مبنى Parthenon في أثينا، ويمكن تشبيهه بسهولة لمباني الحكومة في الولايات المتحدة الأمريكية. بما أن الكلاسيكية الحديثة مشهورة كنمط بناء وطني في أمريكا.

هنا تأتي المعركة الأخيرة مع الارهابيين بدباباتهم المزودة بالصواريخ والرشاشات أمام مبنى المدينة المهول والضارب في التاريخ، لتظهر الأثر الحقيقي للإرهاب. كما يلعب المبنى دوراً في تضخيم الحدث، فلو حدثت المعركة بين شوارع المدينة السكنية لما كان لها نفس الأثر من حيث الضخامة والتهديد لأركان الدولة.

هذه الأمثلة وغيرها تبين لنا أهمية العمارة بمختلف عناصرها في أي مشهد مرئي، وامكانية اللعب والموازنة بين هذه العناصر للتحكم في المشاعر والاحاسيس وبالتالي توظيفها لخدمة الفكرة. فهي لم تُساعد فقط في جعل مدينة خيالية كمدينة غوثام أقرب للواقع، بل ساعدت في زيادة وتكثيف حدّة الأحداث والمؤامرات بما يخدم النص و القصة.


المصادر:

هنا

هنا