التاريخ وعلم الآثار > التاريخ

أهرامات السودان المنسيّة

كلنا نعرف ما هي الأهرامات المصرية، القاصي قبل الداني، والصغير قبل الكبير، والإنسان العادي قبل عالم الآثار.. ولكن ما الذي نعرفه عن أسرار وتفاصيل الأهرامات السودانية؟ هل كنت تعلم بأنّهُ توجد أهرامات في شمال السودان بغاية الروعة والإتقان المعماري؟ سواء كنت تعلم أم لا، ننصحك بقراءة هذا المقال:

هُناك في عمق الصحراء الكبرى، ترتفع أهرامات حجرية ضخمة، نصباً تذكاريةً لملوك قدماء. تلك الأهرامات ليست موجودة في مصر، وإنما بعيداً نحوَ جهة الشمال في السودان. ولكن هذه الأهرامات غير معروفة من قِبل باحثي الآثار أو من عامّة الناس، بعكس نسخة الأهرامات المصرية المثيلة لها. ترتفع تلك الأهرامات على شكل مجموعات مُتماسكة في مواقع كبيرة مُختلفة مثل (الكرو)، (جبل البركل)، و(مروي). السؤال هو: من الذي بنى هذه الأهرامات؟ ولماذا؟

بُنيت الأهرامات في السودان على مدى مئات السنين على يد حضارة كانت تُعرف باسم النوبيين. حيثُ تمَّ غزو النوبيين في البداية من قِبَل المصريين وعلى مدى قرون عاشوا تحت سيطرة الحكم المصري. بعد سقوط السلالة المصرية الحاكِمة في حالة من الفوضى والاضطراب، تحررت حضارة النوبة وأصبحت امبراطورية مستقلة بذات نفسها، حتّى أنّها قامت باحتلال المصريين لفترة من الزمن.

حافظ المجتمعان في تلك الحضارتين طوال تاريخهم المُشترك على العلاقات التجارية والثقافية بطريقة واسعة، مِمّا أدّى إلى تشييد أهرامات السودان.

شُيدَ أوّل هرم نوبي حوالي عام 700 قبل الميلاد، أيّ بعد وقت طويل من بناء أهرامات الجيزة. وبعد سنوات عديدة من التبادل المستمر، بدأ النوبيون في عبادة الآلهة المصرية، كما أبقوا على الكثير من التقاليد المصرية أيضاً، بالرغم من تلاشي مصر ذاتها كقوة. الأهرامات النوبية هي أصغر حجماً، يبلغ علوها أقل من 100 قدم، بينما هرم خوفو يمتد طوله إلى 440 قدماً. الأهرامات النوبية ذات منحدرات شديدة، وذلك نتيجةً لعملية البناء النوبية القائِمة على آلة الشادوف.

آلة الشادوف عِبارة عن رافعة أوزان بسيطة، يتم تعيينها في الوسط، والهرم يكون محيط بها، الرافعة لا تصل سوى لمواضع معينة لِذا يجب على قاعدة الهرم أنّ تكون صغيرة، والجوانب الهرمية منحدرة البنية.

لا تنتهي الاختلافات بين الأهرامات السودانية والمصرية عند هذا الحد. إذ قامت في عام 1897 بعثة استكشافية بريطانية بالتوجه إلى (جبل البركل) للتنقيب داخل الهرم، وسرعان ما اكتشفت البعثة بأنّهُ لم يكن هُناك حجرة دفن، على عكس ما هو متوقع في مصر. في الحقيقة كانت حجرة الدفن تقع تحت الهرم، وبالتالي فإنّ الأهرامات النوبية بدلاً عن كونها مقابر، كانت شواهد قبور هائلة حقاً. تلك الشواهد متراصة جداً من بعضها، مصطفة بعناية بمُحاذاة بعض النجوم. تملك الأهرامات جوانب صلبة مع مركز تعبئة، فهي نموذج فعلي للهرم المُستخدم في أميركا الوسطى. على النقيض من كل ذلك، اكتشف العلماء مؤخراً كيف أنّ الأهرامات المصرية بُنيت باستخدام الرمل الرطب.

للأسف، فإنّ البراغماتية التي يتصف بها المعماريون النوبيون لرُبما هي السبب في تراجع المعالم الأثرية. استخدم النوبيون أحجاراً صغيرة الحجم مِمّا اعتبر مصدراً مُناسباً من مواد البناء، وتمَّ البحث عن العديد من تلك الأحجار بين النفايات. علاوةً على ذلك، أشارت البعثة في عام 1897 أنّ هُنالك الكثير من الأهرامات قد تمَّ اقتطاعها. حدث ذلك التشويه في عام 1834 وهو من اقتراف صائد الكنوز الإيطالي "جوزيبي فريليني"، الذي وجد الذهب تحت هرم في (مروي). وعلى أمل العودة بالمزيد من الذهب، قرر إرباك خصومه من خلال تدمير قمم الأهرامات.

هذا النوع من النهب نفسه سوف يحدث لهذه الأهرامات في المستقبل، بمُختلف أماكن تواجدها ومن دون أيّ فائدة. لسوء الحظ، فإنّ الاقتطاع الحاصل يجعل الهيكل الداخلي للأهرامات عرضةً للعوامل الجوية المؤذية، وبعض تلك الأهرامات الجبارة قد تعفنت حرفياً من الداخل إلى الخارج. نأمل فقط أنّ يتم التغلب على إرث الجشع لدى الأجيال القادمة.

المصدر:

هنا