الطب > متلازمات طبية

متلازمة توريت Tourette Syndrome

• هي اضطراب عصبي يظهر بشكل واضح في مرحلة الطفولة المبكرة أو المراهقة.

• الأعراض الأولى عادة ما تكون حركات لا طوعيّة خارجة عن إرادة المريض تدعى بالـ "عَرَّات" (مفردها عَرَّة) تحدث في الوجه، الذراعين، الأطراف أو الجذع، هذه العرّات تكون متردّدة، متكررة وسريعة.

• العَرَض الأول الأكثر شيوعاً هو عرّة الوجه (طرفة عين: فتح العينين و إغماضهما على نحو لا إرادي، ارتعاش/انتفاض الأنف، التكشير)، وتستبدل فيما بعد أو يضاف إليها عرّات أخرى تحدث في الرقبة والجذع والأطراف.

• حتّى يتم تشخيص متلازمة توريت يجب أن تتوافر المعايير السريرية التالية وفقاً للنسخة الخامسة للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders-V:

1-وجود اثنين أو أكثر من العرات الحركية (كَطرفة عين، أو هزّ الكتفين مع رفعهما: تشبه الحركة التي نقوم بها كتعبير عن اللامبالاة) مع عرّة صوتيّة واحدة على الأقلّ (كالهمهمة، أو إصدار صوت تنظيف الحلق، أو الصراخ بكلمة أو عبارة ما)، و ليس بالضرورة لهذه العرّات أن تحدث معاً في نفس الوقت.

2-تواجد العرّات لمدّة لا تقل عن السنة: العرّات قد تحدث عدّة مرّات في اليوم (عادةً تأتي بشكل نوبات) كل يوم تقريباً، أو بشكل متقطّع (يوماً بيوم).

3- بدء العرّات قبل عمر ١٨ سنة.

4-هذه العرّات لا تحدث بسبب دواء أو مادّة أخرى يأخذها المريض وليست في سياق مرض آخر (كَنوبة صرع، داء هنتنغتون، أو التهاب الدماغ التالي للإصابة الفيروسية على سبيل المثال).

• هذه العرّات اللاطوعية (الخارجة عن سيطرة المريض) يمكن أيضاً أن تكون معقّدة، تشمل كلّ الجسم، كَالركل أو ضرب الأرض بالقدم. العديد من الأشخاص المصابين يصفون ما يسمّى بـ " الدوافع المحذّرة (البوادر/النسمة aura)" الحاجة الملحّة للقيام بحركة ما، وتحصل هذه الدوافع لديهم قبل ظهور العرات بقليل.

• من الأعراض الأخرى أيضاً القيام بلمس شيء ما، الحركات أو الأفكار المتكررّة أو ما يشبه لحدّ ما الوسواس القهري.

• العرّات الصوتية قد تتزامن مع العرّات الحركية، و يمكن أن تشمل الشخير، تنظيف الحلق، الصراخ والنباح. ويمكن أيضاً أن تتظاهر بما يسمّى بالـ "بُذاء coprolalia" ( استخدام ألفاظ أو كلمات أو عبارات غير مقبولة اجتماعياً بشكل خارج عن إرادة المريض) أو بالقيام بإيحاءات فاحشة copropraxia. بالرغم من الشهرة الواسعة لترافق الظاهرتين الأخيرتين (البُذاء والإيحاءات الفاحشة) مع متلازمة توريت فإن رؤيتهما في سياق المتلازمة هو شيء نادر.

• بشكل أقل شيوعاً، قد نرى في متلازمة توريت ما يسمّى ب "ظاهرة الصدى"، و التي قد يردد فيها المريض كلمات الآخرين (اللفظ الصدوي echolalia)، أو يردد كلماته هو نفسه (اللجلجة palilalia)، أو حركات الآخرين. إنّ كلّ من العرّات الصوتية و العرّات الحركية يجب أن تتواجد من أجل التشخيص الأكيد لمتلازمة توريت، و لكن ليس بالضرورة وجود "البذاء" أو الإيحاءات الفاحشة أو ظاهرة الصدى بشكل خاص.

• تختلف أعراض متلازمة توريت بين شخص و آخر وتتدرّج من الأعراض الخفيفة إلى الشديدة، ولكن معظم الحالات تكون من النمط الخفيف.

• قد تترافق متلازمة توريت مع حالات مرافقة أخرى مثل اضطراب نقص الانتباه ADD (Attention Deficit Disorder) مع أو بدون فرط النشاط، الاندفاعية، و سلوك الوسواس القهري. عادةً ما يوجد في عائلة المريض حالة سابقة للإصابة بالعرّات، أو الإصابة بمتلازمة توريت، وَ/أو اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، وَ/أو اضطراب الوسواس القهري OCD.

• تحدث متلازمة توريت و اضطرابات العرّات الأخرى في كل الجماعات العرقية و تكون إصابة الذكور أكثر من الإناث بثلاث لأربع مرّات.

• يعيش معظم المصابين بمتلازمة توريت و غيرها من اضطرابات العرّات حياة جيّدة منتجة بدون وجود عوائق على الصعيدين الشخصي والمهني ويتواجدون في كل الأوساط المهنية.

• تهدف رابطة المصابين بهذه المتلازمة Tourette Association إلى توعية المصابين وغير المصابين حول العديد من جوانب هذه المتلازمة ولاسيما العرّات، ففهم الناس لأعراض هذه المتلازمة وتقبلهم لها له أهمية كبيرة عند المصابين لأنه حتّى العرّات التي تكون من أبسط الدرجات كفيلة بأن تسبب القلق والتوتّر للشخص المصاب والناس من حوله.

سابقاً اعتبرت متلازمة توريت حالة نفسية نادرة الحدوث ولكنها تعتبر الآن من الاضطرابات الوراثية الشائعة. تبقى هذه المتلازمة غير واضحة لعامّة الشعب، ومعظم الناس يظنّون أنّ العرّات الصوتيّة البذيئة (coprolalia) شائعة عند المرضى المصابين بهذه المتلازمة والذي هو شيء منافٍ للواقع حيث أنّ العرات الصوتية البذيئة تصيب فقط نسبة ضئيلة تصل إلى ما يقارب ٨٪ من المصابين.

أوّل حديث عن العرّات في الأدب الطبّي كان عام ١٨٢٥، عندما وصف الطبيب الفرنسي "جان إيتارد" عشرة أشخاص لديهم عرّات متكررة تتضمّن الحركات المعقّدة والكلمات غير المناسبة. لاحقاً، كلّف "شاركوت" الطبيب المقيم لديه "جورج جيليس دي لا توريت " بكتابة تقرير عن مجموعة من المرضى في "مستشفى سالبيتريير" و الذين يتلقّون العلاج لسلوكهم المتكرر.

نشر توريت ورقة بعنوان "دراسة مشكلة عصبية" عام ١٨٨٥، و فيها استنتج أنّ هؤلاء المرضى عانوا من حالة سريرية جديدة : " اضطراب العرّة التشنجي" .

توريت وشاركوت ظنّوا أن هذه الحالة غير قابلة للعلاج، مزمنة، متطورة مع الزمن ووراثية. بالرغم من أن شاركوت أبدى إصراراً في محاولاته لتمييز متلازمة توريت عن غيرها من الأمراض إلّا أنّ أقرانه الذين عاصروه لم يوافقوه الرأي إجمالاً.

في القرن التالي، لم يتمّ إنجاز الكثير من التقدّم من أجل فهم إمراضيّة متلازمة توريت. هناك نظريّة شائعة افترضت أنّ العرّات هي نتيجة آفة أو آفات دماغيّة مشابهة لتلك التي تشاهد في "داء الرقص في سياق الحمى الرثوية" أو في "التهاب الدماغ السباتي". كانت توجد أيضاً فكرة شائعة أخرى تفترض أنّ العرّات المتكررة سببها عوامل عاطفية أو نفسية ولذلك أفضل طريقة لمعالجتها هي أساليب التحليل النفسي لفرويد.

في الولايات المتحدة الأميركية، ساد الاعتقاد بأن متلازمة توريت هي خلل نادر، غريب، نفسي المنشأ لفترة طويلة خلال القرن العشرين. بحدود عام ١٩٧٠، قام الأطباء "شابيرو" و "بيرل" من "جمعية متلازمة توريت" بإثبات فعّالية دواء الـ"هالوبيريدول" و استخدام بيانات سريرية أخرى من أجل دعم فكرة أنّ متلازمة توريت هي متلازمة عصبية شائعة نسبياً، و ليست خلل فكري أو عاطفي.

الفيزيولوجيا المرضية:

تبقى الفيزيولوجيا المرضية الكامنة خلف متلازمة توريت غير معروفة. الدراسات الكيميائية الحيوية والدراسات الشعاعية والدراسات الفيزيولوجية العصبية والوراثية وغيرها، تدعم النظرية التي تقول إن متلازمة توريت هي خلل وراثي تطوّري في النقل العصبي.

تمّ ربط النوى القاعدية والقشرة الجبهية السفلية مع إمراضية متلازمة توريت. وأيضاً مع إمراضية اضطراب الوسواس القهري، واضطراب نقص الانتباه/فرط الحركية.

بالرغم من هذا فقد فشلت دراسات التشريح المرضي العصبية في تعيين أي نموذج ثابت لآفات بنيوية في هذه المناطق من الدماغ عند المصابين.

دراسات الرنين المغناطيسي لقياس الأحجام افترضت أنّه عند المصابين بمتلازمة توريت، تغيب الحالة الطبيعية من عدم التناظر التي توجد في النوى القاعدية عند الأشخاص غير المصابين. كما يُظهر التصوير سيطرة اللّحاء (putamen) الأيسر عند الذكور الذين لديهم نصف كرة مخية مسيطر أيسر، تغيب هذه الظاهرة أيضاً لدى المصابين بمتلازمة توريت ، مما يدعم نظريّة الخلل التطوّري في سياق حدوث هذه المتلازمة.

لا توجد معلومات كثيرة عن دور المهاد في إمراضية متلازمة توريت، ولكن أجريت دراسة حديثة باستخدام مقاييس متعارف عليها أوضحت وجود ضخامة في المهاد تصل الى أكثر من ٥٪ لدى الأشخاص المصابين من كل الأعمار. هذه الموجودات تثير الشك بإمكانية كون سبب هذه الضخامة هو النشاط الزائد لهذه المنطقة مما يقترح تدخّل سبل حركيّة - لم يتم اعتبارها سابقاً - في إمراضية متلازمة توريت (على اعتبار أن السبل الحركية تمر عبر المهاد في طريقها من القشرة المخية).

الإحصائيات العالمية:

تفترض دراسة وبائية حديثة أن نسبة الانتشار العالمي لمتلازمة توريت هي ١٪. بالرغم من ذلك فإن بيانات الانتشار الخاصة بمتلازمة توريت تراوحت ما بين (0،4 – 3،8 )% ، بالإضافة الى ذلك، فقد تم تسجيل بيانات مختلفة لمناطق مختلفة من العالم وعروق مختلفة، مع نسبة انتشار منخفضة لدى الأفارقة ذوي البشرة السوداء من جنوب صحراء سحارى.

تم اقتراح العديد من الأسباب لهذه الاختلافات في النسب المسجّلة. من هذه الأسباب قلّة الحالات التي يتم تشخيصها بشكل مؤكّد، التظاهرات المختلفة لهذه المتلازمة، الأساليب المتبعة في الدراسات الوبائية، الاختلافات الثقافية بين الشعوب حيث أنّ بعض الشعوب تطلب الاستشارة الصحية عند تظاهر العرّات أكثر من شعوب أخرى، بالإضافة إلى الاختلافات الوراثية بين العروق المتنوّعة.

الإنذار بشكل عام:

متلازمة توريت غالباً ما تستمرّ مدى الحياة ولكن لحسن الحظ فإن حوالي٥٠٪ من المرضى يكونوا قد تخلّصوا من العرّات عندما يقاربون الثامنة عشرة من العمر. يغلب أن تصل شدّة العرّات إلى ذروتها في بداية أو منتصف فترة المراهقة ثمّ تتضاءل بعد ذلك. العرّات قد تستمرّ خلال مرحلة البلوغ ولكن شدّتها غالباً ما تكون أقلّ من فترة المراهقة.

العديد من المصابين يعيشون حياة طبيعية، ولكن حتّى أبسط العرّات كفيلة بأن تسبب التوتر والقلق للمريض .

المصادر:

هنا

هنا