علم النفس > المنوعات وعلم النفس الحديث

بين العاطفة والمنطق .. هل كنتَ لِتقتل هتلر؟!

تخيّل معي، لديك آلةً زمنيّةً تعود بك إلى عام 1920 حيث تجلس في غرفةٍ مجاورةٍ لغرفة فنانٍ نمساويٍّ شاب اسمه ادولف هتلر! الأبواب ليست موصدةً، وبإمكانك التسلُّل بسهولةٍ لغرفة هتلر وقتله.. و بفضلك لن تقع الحرب العالميّة الثانيّة! لكن مهلاً.. هتلر لم يقترف أيَّ إثمٍ بعد، فهل ستختار الخلاص منه؟

إنّ هذه ليست إلا إحدى المعضلات الأخلاقيّة التي يستخدمها الباحثون عادةً لتحليل القرارات الصعبة التي يتّخذها الناس و كيفيّة اتخاذهم لها.

و قد أُجريت مؤخراً دراسةٌ تحليليّةٌ شاملةٌ على أكثر من 6000 مشاركٍ للمقارنة بين استجابة الرجال والنساء لبعضٍ من هذه المواقف، وجدت أنّ كلا الجنسين يأخذ في الحسبان عادةً، تبعات قراره (كخسارة الأرواح مثلاً)، إلّا أنّ النساء كُنَّ أكثر حيرةً حيال اتخاذ القرار، فارتكاب جريمةٍ بحق شخصٍ أصعب وأكثر جدليّةً بالنسبة لهن.

تقول 'Rebecca Friesdorf' رئيسة الباحثين في هذه الدراسة:

"تميل النساء لردود الفعل العاطفيّة السلبيّة تجاه إلحاق الأذى بالآخرين في سياق مثل هذه المعضلات، بينما تكون ردة الفعل أكثر إيجابيّةً تجاه إلحاق الأذى عند الرجال".

وقد احتوى كل سؤالٍ ضمن هذه المسألة سيناريوهين مختلفين بفروقٍ بسيطةٍ في العواقب، لاستخلاص الأساليب المتباينة في التفكير بين الجنسين، حيث أبدى البعض اهتماماً أكبر بالعواقب، وذلك بمقارنة الفوائد وسيئات القرار، بينما رفض البعض الآخر فكرة قتل هتلر كونها تتعارض مع القيم الأخلاقيّة.

وفي مسألةٍ افتراضيةٍ أُخرى، استُبدِل هتلر برجلٍ يختطف طفلةً لمدة أسبوعٍ مقابل فدية، وكانت ردود فعل المشاركين باختلاف تفكيرهم بالإجماع على عدم قتل المُختطِف، فقتله يتعارض مع القيم التي يبني عليها الأخلاقيُّون قراراتهم، كما لا يجد المنفعيُّون في قتله فائدةً بإنقاذ الأرواح، بل ستفوق التكاليفُ الفوائدَ.

تختلف هذه المسائل بحسب السيناريوهات المتاحة فيها، فمثلاً تعتمد معضلة هتلر بِقوّةٍ على السفر عبر الزمن، ممّا يجعل من تقبل أو عدم تقبل هذه الخاصيّة عاملاً مشوشاً لاستجابة الناس بطريقةٍ مناسبةٍ بحسب قول 'Friesdorf'، فإذا ما وضعوا في أذهانهم بأنّ السفر عبر الزمن ضربٌ من المستحيل، فلن يكون حينها اختيار قتل هتلر بلا قيمة. وفي نفس السياق، تتأثر استجابة الأشخاص بحسب المصلحة الشخصيّة عندما يوجَّه لهم السؤال أثناء موقفٍ خطرٍ حقيقي، فقد يميل الشخص ليكون أكثر جرأةً على تعذيب سجينٍ ما ضمن موقفٍ طارئ.

قامت 'Friesdor' بتحليل عيِّنةٍ صغيرةٍ من البيانات المتوفِّرة لهذه الدراسة بحسب قدرة كلٍ من الجنسين على اتخاذ القرارات بسهولة، فوجدت أنّ الإناث يواجهن صعوبةً أكبر في الاختيار، وعلَّلت ذلك فرضاً بأنهنَّ يجدن تناقضاً بين موازنة الفوائد والأضرار من جهة، مع القيم الأخلاقية والاجتماعية من جهة أخرى، وتقول في ذلك: "يتعادل المنطق مع العاطفة لدى النساء فلا يغلِبُ أحدهما على الآخر، لذلك يجدن صعوبةً في اتخاذ القرار".

بحسب 'Friesdorf' فإنّه رغم بعد هذه المسائل عن الواقع ظاهرياً، إلّا أنّنا قد نصادف الكثير منها في حياتنا ولو بدرجاتٍ أقلّ دراماتيكيّة، فعلى سبيل المثال، قد يحتاج مديرٌ ما لاتخاذ قرار توظيفٍ يتعارض فيه مستقبل رجلٍ واحدٍ مع مصير مجموعةٍ كاملة. تقول أيضاً بأنّ وجود الفروق بين الجنسين في هذا السياق، قد يكون له تأثيرٌ على الطريقة التي يتخذ فيها الرجال والنساء قراراتهم.

بعيداً عن هذا وذاك، نعود لغرفتك الملاصقة لأدولف هتلر، هل كنت لِتقتله؟

المصادر:

هنا

هنا