الموسيقا > موسيقيون وفنانون سوريون وعرب

سامي الشَّوّا – أمير الكمان

مقدمة:
من الصَّعب اليوم ورغم انتشار تعليمِ العزف على الآلات الموسيقية الغربية والشرقية وسهولة التسجيل والنشر بالتقنيات الحديثة، أن نجدَ عازفاً عربياً قادراً على تسجيل ألبوم موسيقي دون مشاركة غنائية وأن يحظى هذا الألبوم بقبول وشعبية، ولذلك يكون من المستغرب في بدايات القرن العشرين حين كانت الموسيقى العربية في سوادها الأعظم غنائية، أن يستطيع عازف كمان أن يسجِّل حوالي مئة عملٍ موسيقي آلي ويحظى بشهرةٍ تملأ الآفاق لتحوِّله لنجمٍ بكلِّ معنى الكلمة، وتخصِّص اليونسكو سنة 2015 للاحتفال بذكرى مرور خمسين سنة على وفاته، هو "أمير الكمان" سامي الشوا.
النشأة:
ينحدرُ سامي من أسرةِ الشوا الحلبية الموسيقية العريقة التي قدَّمت ثمانية عازفين ومطربين مميَّزين على الأقل، ولد سامي عام 1889 في حلب وهناك رأي آخر بأنَّ ولادته كانت عام 1885 في القاهرة، مع العلمِ أنَّ والده "أنطوان الشوا" الذي كان عازفَ كمانٍ أيضاً، كان كثير الانتقال بين القاهرة وحلب.
ظهر نبوغ الطفل سامي في الموسيقى والعزف على الكمان من سن الخامسة، وتقول حكايةٌ متواترةٌ أنَّهُ استيقظ على صوت آذان الفجر ينطلق من مئذنة جامع الهزازة القريب من المنزل في حلب، فانسحب من سريره وتوجّه رأساً إلى غرفة نوم والده ليمسكَ الكمان ويعزف عليه الآذان قبل أن ينتهي المؤذن، وتكون بذلك مقطوعة "آذان الفجر" أوَّل مؤلفاتِهِ الموسيقية وقامَ بتطويرها كثيراً فيما بعد. أثار حينها سامي غضب أمِّه ولكن رضا وسرور والده، فابتدأ الوالد للحال بتلقين ابنه سامي مبادئ الموسيقى مثل النوتة الموسيقية والعزف على الكمان.
انتسب سامي إلى المدرسة الابتدائية لكنه لم يتابع دراسته فيها بسبب اعتلال صحته، وتفرَّغ تماماً لدراسة الموسيقا.
بدأت عبقريته تظهر بسرعة، واشترك في حفلةٍ أُقيمت على أحدِ مسارحِ حلب أمام جمهورٍ كبيرٍ عام 1899.
كان أنطوان يصطحب ابنه سامي في رحلاته إلى القاهرة. في عام 1905 استقرَّ سامي بشكل دائم في القاهرة لكنَّه لم ينقطع عن زيارة مدينته حلب فلا يكاد ينقضي عامٌ إلَّا ويكون له أكثر من زيارة إليها.
الموسيقي والعازف:
في القاهرة نهل المزيد من المعرفة الموسيقية وتعلَّم العزف على العود على يد منصور عوض. أيضاً اكتسب خبرةً كبيرةً في العزف على الكمان من خلال احتكاكِهِ بعازفين أوروبيين خلال تنقُّلاته بين مصر ولبنان وسورية، فأتقن عزف الألحان الغربية والشرقية على الكمان.
أمير الشعراء أحمد شوقي أُعجب بعبقرية سامي الشوا الموسيقية واصطحبه في عام 1910 في زيارة إلى اسطنبول، حيث عزف الشوا أمام الأمير يوسف عز الدين ولي عهد السلطان العثماني، وبحضور كبار الموسيقيين الأتراك، ويقال إنَّه انتزع إعجاب الجميع بعزفه.
في منتصف العقد الثاني من القرن العشرين، أُقيمت أمسية موسيقية في حديقة الأزبكية بوسط القاهرة، شارك فيها كبار موسيقيي ومطربي ذاك الزمان ومنهم الموسيقار محمد عبد الوهاب وشارك الشوا كعازفٍ منفردٍ، فانتزع إعجاب الجميع وانهالت الطلبات عليه للعزف ضمن أكبر الفرق الموسيقية، منها الفرقة الموسيقية لأم كلثوم، فبدأ العزف معها منذ أن بدأت الغناء بمصاحبة آلات موسيقية في أولى حفلاتها العامة عام 1926 إلى جانب محمد القصبجي وكبار العازفين المعروفين. ظهور شخصيته في مسلسل "أم كلثوم" الذي أخرجته إنعام علي عام 1999 يعكس أهميته في حياة أم كلثوم والحركة الموسيقية في مصر بشكل عام.
أنشأ سامي الشوا وقاد فرقة موسيقية في معهد فؤاد الأول للموسيقا في منتصف الثلاثينات، وكان يقوم بالتدريس في المعهد أيضاً. ضمَّه محمد عبد الوهاب إلى فرقته الموسيقية وسرعان ما استلم قيادة الفرقة واستمر بقيادتها لعدَّة سنوات. عزف كذلك مع كبار المطربات والمطربين في مصر كما انضم إلى التخت الشرقي الذي كان يترأسه عازف القانون الشهير محمد العقاد الكبير.
كل شركات التسجيل الأسطوانات تقريباً من بيضافون إلى كولومبيا إلى غرامافون حتى أوديون، سجَّلت ونشرت أعمال الشوا التي شملت تقاسيمه ومؤلَّفاتِه الموسيقية وعزفه لمؤلفات موسيقية لغيره من الموسيقيين، كما شكَّل تختاً موسيقياً خاصاً به من أجل تسجيل الأسطوانات.
سامي الشوا أوَّل عازف يصاحب المنشدين في الغناء الديني فقد صاحب إمام المنشدين في مصر الشيخ علي محمود في إنشاده.
المعلم والباحث والأكاديمي:
تشارك الشوا مع منصور عوض في إنشاء المدرسة الأهلية لتعليم الموسيقى التي افتُتِحت عام 1907 والتي صارت تحمل اليوم اسم المعهد العالي للموسيقى العربية بالقاهرة. وقام الشوا بالتدريس فيها.
من أهمِّ نشاطاته أيضاً مشاركته في المؤتمر الأوَّل للموسيقى العربية الذي انعقد بالقاهرة من عام 1932 من أجل مناقشة تركيب السلم الموسيقي والإيقاعات العربية، إلى جانب كبار الباحثين والموسيقيين العرب والأجانب. كان الشوا من الفريق الذي أصرَّ على التمسك بشرقية الموسيقى العربية ورفض استعمال السلم الموسيقي الغربي، وللأسف لم ينتج عن المؤتمر بعد اجتماعات عديدة نتيجة متفق عليها بسبب الخلاف بين دعاة المحافظة على الهوية الشرقية ودعاة التغريب الكامل.
وصلنا من عناوين مؤلفات الشوا التي فقد معظمها للأسف كتاب "منهج العود الشرقي" الذي ألفه عام 1921 وكان مقرراً في المدرسة الأهلية لتعليم الموسيقى. أيضاً تشارك مع منصور عوض عام 1946 في تأليف كتاب "القواعد الفنية للموسيقى الشرقية والغربية". ووضع لوحده كتاباً بعنوان "ميتودا" لتعليم العزف على الكمان. أيضاً وضع كتاباً جمع فيه مقامات وإيقاعات الموشحات والأدوار التي كانت شائعة في زمانه.
العازف العالمي:
قام الشوا بالعديد من الجولات الموسيقية عالمياً وعربياً. فبالإضافة لزيارته وهو يافع لإسطنبول وعزفه أمام ولي عهد السلطان، زار عام 1928 إيطاليا وعزف أمام ملكها وملكتها على كمان بوترٍ واحد فأدهشَ الحاضرين وأهدته الملكة هدية من الماس، وسجَّل للإذاعة الإيطالية عدداً من المقطوعات.
عام 1930 زار القارة الأميركية وعزف للجاليات العربية في الأميركتين، وتكررت زياراته للقارة الأميركية وكثرت حفلاته في بلدانها ومن أشهرها حفلة نيويورك عام 1953.
في عام 1931 زار برلين وأحيا حفلة في المعهد الموسيقي الرسمي وانتزع الإعجاب وطبعت معزوفاته على أسطوانات لصالح المعهد، كما زار أيضاً باريس ولندن وأحيا حفلات موسيقية فيهما.
على الصعيد العربي زار معظم البلدان العربية وأحيا حفلات فيها، وكانت له عادة في كل زيارة لبلد عربي أن يضع عملاً موسيقياً تحية لذاك البلد ويكون مستوحىً من تراثه.
المؤلفات الموسيقية:
بالإضافة لكونِهِ عازفاً مشهوداً له البراعة كان مؤلفاً موسيقياً متميزاً، وضع ألحاناً ضمن القوالب الموسيقية التقليدية مثل السماعيات والبشارف والتقسيمات واللونغا والبولكا، وألحاناً جديدة خارج القوالب التقليدية، بالإضافة لارتجالات كان يقدمها في حفلاته ومقطوعات مستوحاة من تراث البلد الذي يزوره. من خلال تسجيلاته على الأسطوانات نجد حوالي مئة تأليف موسيقي له.
مما يُميِّز ألحانه ارتباط عنوان المقطوعة بالمحتوى، فمثلاً مقطوعة "طلوع الفجر" نسمع فيها مطلع الآذان ثُمَّ زقزقة العصافير، ومقطوعة "تهنين الولد" نسمع فيها أهازيج الهدهدة تتخلَّلها مناغاة الطفل...
الوداع:
بعد رحلةٍ طويلةٍ مع الموسيقى مليئة بالعطاء والإبداع، رحل الشوا مساء الجمعة 31 كانون الأول 1965 ( في رواية أخرى 23 كانون الأول 1965 ) في القاهرة ودُفن فيها عن عمرٍ يناهز ستة وسبعين عاماً، ويضيق المجال عن ذكر الكلمات والأشعار التي قيلت في فنه وإبداعه، والتي تعكس التأثير العظيم الذي قلما يحصل عليه عازف موسيقي عربي.

مقطوعات:
بولكا جهاركاه


المصدر:
سامي الشوا – أمير الكمان، أحمد بوبس، منشورات الهيئة العام السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق، 2015