البيولوجيا والتطوّر > منوعات بيولوجية

للخلايا أيضاً لغتها الخاصة!

كان من المعروف لفترة طويلة أنَّه يمكن للبكتريا أن تتواصل مع بعضها البعض لتقوم بوظيفة ما عن طريق ظاهرة تعرف بـ "Quorum Sensing" ويرمز لها اختصاراً QS. حيث تستخدم الأحياء الدقيقة هذه الظاهرة لتنسيق سلوكها من خلال مراكمة جزيئات أو إشارات كيميائية وعندما تصل هذه الجزيئات إلى تركيزٍ كافٍ ، تتضاعف أعدادها (أي الأحياء الدقيقة) إلى أن تصبح كافيةً لتشن هجومها (إحداث التهاب مثلاً).

وبعد عدة عقود من الأبحاث والدراسات حول هذا التنسيق البكتيري الرائع بواسطة "الاستشعار الكمي" أو الـQS ، استطاع العلماء اكتشاف أدلَّة جديدة تشير إلى أنَّ الخلايا الحيوانية يمكن أن تتواصل مع بعضها بلغة مميزة لتؤدي عملاً متسقاً بسلوك جماعي يشابه عمل البكتيريا.

قامت مجموعة من الباحثين في جامعة جنوب كاليفورنيا University of Southern California بتنفيذ التجربة التالية على الفئران ونُشِرَت النتائج في مجلة Cell في 9/4/2015

قام فريق البحث بتخدير فئران التجربة، ثم بدؤوا بنزع /200/ شعرة من أجسامها بطريقة النتف، بحيث يتم النزع من منطقة معينة وبنمط محدد مع التأكد من سحب بعض الشعرات من المنطقة المجاورة لمنطقة النتف، فلاحظوا بعد فترة أنَّ أكثر من /1000/ شعرة نمت مرة أخرى في هذه المنطقة بما في ذلك الشعرات التي سُحبت من المنطقة المجاورة لمكان النزع .

وهنا سنتساءل: لمَ لمْ ينمُ العدد نفسه من الشعرات لتحل محل الشعرات المنزوعة؟

يبدو أنَّ المئات من بصيلات الشعر المتضررة قد أطلقت وبكثافة إشارات كيميائية معينة، وعندما أصبح تركيز هذه الإشارات كافياً، قامت الخلايا المجاورة بإرسال نفس الإشارات الكيميائية (الرسائل التنبيهية) بشكل اندفاعات كثيفة. تتعرف المستقبلات الموجودة على الجلد على هذه الرسائل التنبيهية وتحدث الاستجابة الجماعية، حيث تقوم هذه الرسائل بتحفيز وحث إعادة نمو الشعر بكمية تقدر بخمسة أضعاف لتحل محل الشعر المزال.

فإذا كانت ظاهرة الـ QS هي السبب وراء ردة الفعل هذه كما يقترح العلماء، فإن هذا يُمثِّل أدلَّة أولية تشير إلى وجود الاستشعار الكمي بين الخلايا الحيوانية، إذن فهي لا تقتصر على البكتيريا وحسب! إلَّا أنه ولأول مرة يتم اكتشاف أنَّ مثل هذه الإشارات تحدث عبر الجلد وتسبب نمو كثيف للشعر.

تقول الباحثة المساعدة Julia Van Kessel في جامعةIndiana University Bloomington معلقةً على تجربة تجدُّد نمو الشعر المنزوع التي تركز على دراسة ظاهرة الاستشعار الكمي QS:" إنه مجال جديد وجميل، فإذا كانت الخلايا ترسل إشاراتها إلى البكتيريا في الأمعاء، كما أثبت العلماء في دراسات سابقة، فلمَ لا يكون بإمكانها أن ترسل إشارات فيما بينها أيضا؟ إنه أمر منطقي."

بالطبع فإن الاستجابة الناتجة عن نتف الشعر في هذه الدراسة لا تعني أنه إذا قام أحدهم بنتف بعض الشعرات من رأسه فإن ذلك سيؤدي إلى حدوث نموٍ كثيفٍ للشعر أو أنَّ تهيُّج فروة الرأس الناتج عن هذه العملية سيكون مفتاح أسرار الجمال!

فوفقاً للباحث والأستاذ في علم التشريح المرضي Cheng- Ming Chuongفإن مكافحة مشكلة ما كالصلع عند الذكور ــ الذي يرتبط بأمور وراثية وهرمونية، كما يتضمن تغييرات في بصيلات الشعر نفسها ـ يستوجب إجراء دراسات أعمق بكثير قبل أن يتمكن العلماء من فهم آلية أو إمكانية ترجمة هذه النتائج إلى أنماط علاجية معتمدة.

ملاحظات الفريق الباحث التي تم تسجيلها من خلال تجربته:

• لم تلاحظ ردة فعل مماثلة (نمو الشعر الكثيف) عندما تم انتزاع نفس العدد من الشعرات من مناطق موزعة على مساحة أكبر من جسم الفأر

• إذا تجاوزت عينة الشعر المنزوع 6 ميليمترات على مساحة قطر دائرة لن يتجدد الشعر أبداً حتى بعد مرور 30 يوماً على نزعه.

• نزع الشعر بكثافة عالية من مناطق دائرية محددة تتراوح أقطارها بين 3-5 مم، يؤدي إلى تجدد النمو لحوالي 450-1300 شعرة بما فيها شعرات المناطق المحيطة المجاورة لمنطقة النزع.

• لاحظ الفريق مستويات مرتفعة من مواد كيميائية محدد تؤيد فكرة أن الخلايا تتواصل أو "تتحدث" فيما بينها.

• إنَّ هذه الإشارات الكيميائية كانت متواجدة حول مناطق تجديد الشعر وليس حول المناطق التي فشلت في إظهار مؤشرات إعادة النمو والتجديد المرتبطة بالاستشعار الكمي QS.

إذاً وبكل وضوح فإن استجابة خلايا الجلد الهائلة وردة فعلها المنسقة لنزع عدد محدد من الشعرات بصورة دائرية، مع الأخذ بعين الاعتبار عدد هذه الشعرات وطريقة نزعها كان بمثابة نقطة التحول الأساسية لإشعال شرار تحريض ردة الفعل أو الاستجابة.

المصادر:

هنا