الفلسفة وعلم الاجتماع > أعلام ومفكرون

ابن خلدون، فكر مرصع بالإبداع

إن تم تعداد المفكرين والعلماء والأدباء وتبيان درجة تاثيرهم على مدى العصور، يذكر ابن خلدون. وإن تم الحديث عن الإبداع و التجديد يذكر ابن خلدون. وإن تم ذكر رصانة الفكر، وسلاسة التحليل، ودقة التوصيف والاستناج، يشار لابن خلدون. إن مؤلفات ابن خلدون قد صنفت بأنها من أهم ما أنتجته البشرية. وما كتبه هذا المفكر الكبير يعد لبنة أساسية لعدد من العلوم كالتاريخ والسياسة والاجتماع والفلسفة. وهو من القلائل الذين دارت حول أفكارهم العديد من النقاشات والمناظرات الفكرية والمؤلفات ووجهات النظر. وقد أجمع على ذلك في الشرق والغرب. فمن هو ابن خلدون؟

كانت نهاية القرن الرابع عشر الميلادي أي نهاية العصور الوسطى وبداية عصر النهضة The Renaissance، شاهدة على تغييرات هائلة على الجانبين السياسي والفكري في أوروبا. كانت بشائر عصر النهضة تلوح في الأفق، أما في الشرق الإسلامي فقد سقطت الخلافة العباسية نهائيًا على يد المغول بقيادة تيمورلنك. وفي الأندلس كان بنو الأحمر يحكمون غرناطة فقط، بعد سقوط جميع الممالك في أيدي الفرنجة. أما في شمال افريقيا فقد انهارت دولة الموحدين. وسط هذا الصخب كان يعيش ابن خلدون الذي كتب العالم الانجليزي روبرت فلنت عنه، في صدر كتابه "تاريخ فلسفة التاريخ: "كل من يقرأ المقدمة لابد أن يعترف بأن حق ابن خلدون في إدعاء هذا الشرف، شرف التسمية بإسم مؤسس علم التاريخ وفلسفة التاريخ، أقوى وأثبت من حق كل كاتب آخر قد سبقه".

إذا ألقينا نظرة على مؤلَّف عبد الرحمن بن خلدون الضخم: (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)، سنجد أنه مُقسَّم إلى ثلاثة أجزاء، الجزء الأول عبارة عن مقدمة قصيرة والتي عُرفت فيما بعد بإسم المقدمة. الجزء الثاني تحدث فيه ابن خلدون، كعادة المؤرخين المسلمين في ذلك العصر وما قبله، عن الكلام في أصل الخليقة وأنساب الأمم معتمدًا على روايات التناخ (العهد القديم). ثم تحدث بعد ذلك عن أخبار العرب منذ بدء الخلق إلى عصره (القرن الثامن الهجري)، مع تفاصيل أجيال العرب ومن عاصرهم مثل الأنباط والسريانيين، والفرس، وبني اسرائيل، والأقباط، والروم، والسلاجقة، والفرنجة. وروى عن تاريخ رسول الإسلام والدول الإسلامية في عصور الخلفاء الراشدين وبني أمية وبني العباس. أما الجزء الثالث فقد تناول فيه أخبار البربر، أي تناول فيه تاريخ شمال افريقيا بشيء من التفصيل. الصفة المميزة لتاريخ ابن خلدون أنه يختلف -ولو نسبيًا- عن كتب التواريخ الإسلامية التي كُتبت من قبله. اتخذ ابن خلدون منهج وطريقة المسعودي في كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر) إذ أنهما قد ربطا بين الأحداث بوضوح ودقة، إلا أن ابن خلدون قد اتبع قانونه الشهير(إعمال العقل في الخبر)، أي التأكد من صحة الأخبار المُسلَّم بها قبل أن يأخد بها، فإذا رآها لا تتفق مع قواعد المنطق و العقل أو القوانين الطبيعية، رفضها. ومن المعروف أن ابن خلدون عندما درس كتب التاريخ السابقة رآها مليئة بالأخطاء والخزعبلات، فأراد وضع أسس جديدة لعلم التاريخ.

وإذا جاز لنا أن نسأل، متى كتب عبد الرحمن بن خلدون تاريخه الضخم؟؟، يقول لنا الفيلسوف عبد الرحمن بدوي في كتابه (مؤلفات ابن خلدون): "إن ابن خلدون عندما تحدث عن هذه المسألة كان غامضاً، كل ما قاله أن المقدمة قد كتبها في خمسة أشهر تنتهي في منتصف عام 779 هجريًا أي 1377ميلاديًا. ولكن متى ألَّف بقية العبر؟". معظم الدراسات أكدت أنه انتهى من كتابة كتابه ذو السبع مجلدات في شهر شوال من سنة 784 هجريًا، أي في ديسمبر 1382 بعد الميلاد.

عاش ابن خلدون في فترة إنحدار الحضارة الإسلامية، لذا لم يجد فكر ابن خلدون أي دعم من قبل الخلفاء كما كان ذلك ساريا قبله، وبالتالي لم تحظ مقدمته بأي اهتمام حتى نهاية القرن السابع عشر. مقدمة ابن خلدون هي مقدمة كتابه التاريخي (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر ... )، ولكن نظرًا لأهميتها انفصلت عن الكتاب الكبير، وأصبحت تُقرأ وتُدرّس وتُترجم وتُطبع بمفردها، واشتهرت بمقدمة ابن خلدون. كتب فيها وأسس ابن خلدون علم الإجتماع، ووضع فلسفته في التاريخ، بل إنه لم يترك أية مسألة في دنيا الإنسان إلا وبحثها. إن من يقرأ المقدمة بعناية يعلم، أن علم العمران الذي ورد في صفحات الكتاب لم يكن إلا ما يسمى ويطلق عليه اليوم علم الاجتماع، و ينسب ظلماً أن أول من أسس علم الاجتماع العالم الشهير أوغست كونت. ولكن الحقيقة هي أنّ ابن خلدون قد سبقه على ذلك بكثير، حتى أنه استقى منه الكثير من محددات هذا العلم والاستنتاجات والقواعد.

كتب ابن خلدون في المقدمة:

"أنشأت في التاريخ كتابًا، أبديت فيه لأولية الدول والعمران عللاً وأسباباً، فهذّبت مناحيه تهذيباً، وقربته لإفهام العلماء الخاصة تقريباً، وسلكت في ترتيبه وتبويبه مسلكًا غريباً، واخترعته من بين المناحي مذهبًا عجيبًا، وطريقة مبتدعة واسلوبًا، وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن وما يعرض في الاجتماع الانساني من العوارض الذاتية ما يُمتعك بعلل الكوائن وأسبابها، ويعرّفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها، حتى تنزع من التقليد يدك، وتقف على أحوال ما قبلك من الأيام والأجيال وما بعدك. ثم قال: "اعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة غزير الفائدة أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص وليس من علم الخطابة، ولا هو أيضًا من علم السياسة المدنية، فقد خالف موضوعه هذين الفنين اللذين ربما يشبهانه وكأنه علم مستنبط النشأة، ولعمري لما أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة".

ومن هنا يأتي كلام ابن خلدون واضح وصريح، فهو يؤسس علمًا جديدًا، فقد فرق صاحب المقدمة بين فن التاريخ في ظاهره، وبين فن التاريخ في باطنه. فالتاريخ في ظاهره هو عبارة عن سرد أحداث الماضي، لكن في باطنه هو فرع من فروع الفلسفة لأنه يبحث في الأسباب. إن فلسفة التاريخ في أبسط تعريف لها، هي النظر إلى الوقائع التاريخية بنظرة فلسفية، ومحاولة معرفة العوامل الأساسية التي تتحكم في سير هذه الوقائع، والعمل على استنباط القوانين العامة التي تتطور بها أحداث التاريخ على مر القرون والأجيال. الغالبية العظمى تؤمن بأن التاريخ يسير وفق مخطط معين وليس بطريقة عشوائية، لكنهم يختلفون في تحديد العامل الأساسي الذي يتحكم في سير التاريخ. هناك من يؤمن بأن اللّه هو الذي يتحكم في سير التاريخ وحده، وهناك من يعتقد أن الأبطال هم الذين يصنعون التاريخ، وهناك من يرى أن العامل الإقتصادي هو المؤثر دون غيره في تحريك التاريخ. حتى جاءت فلسفة التاريخ لحل تلك الإشكالية، جاءت مِن أجل معرفة المسار الذي يتخذه التاريخ، و مَن يتحكم به.

من البديهي جدًا أن التفلسف في التاريخ بدأ منذ استقرار الإنسان، بل ونجد آثاره في يونان العصر الكلاسيكي، مثل كتاب (الجمهورية) لأفلاطون، وكتاب (السياسة) لارسطو، وكتاب (تاريخ الحرب البلوبونيزية) لثوسيديديس، والذين أعطوا العوامل الاقتصادية والاجتماعية أهمية خاصة في التأثير على مسار التاريخ. إلا أن كل هذه المحاولات لم ترتق إلى أن تكون فلسفة في حد ذاتها، ولم تتعد كونها ملاحظات أو إشارات، حتى جاء بها عبد الرحمن بن خلدون. و قال طه حسين في رسالته لدرجة الدكتوراة التي كانت تحت عنوان، (فلسفة ابن خلدون الاجتماعية)، أن ابن خلدون مازال مشهورًا، لأن أفكاره عن المجتمع فريدة وأصيلة وغالبًا صحيحة. ولقد أصبح مجد ابن خلدون أقوى وأفكاره تنال في عصرنا كل التقدير.

إن من يقرأ المقدمة بعناية يعلم، أن علم العمران الذي ورد في صفحات الكتاب لم يكن إلا ما يسمى ويطلق عليه اليوم علم الاجتماع، و ينسب ظلما أن أول من أسس علم الاجتماع العالم الشهير أوغست كونت. ولكن الحقيقة قد سبقه على ذلك ابن خلدون بكثير، حتى أنه استقى منه الكثير من محددات هذا العلم والاستنتاجات والقواعد. ويعتقد بهذا الكثير من العلماء، ومن هؤلاء المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي. أما د. طه حسين فيعتقد، ان ابن خلدون لم يأت بعلم الإجتماع، إنما أتى بفلسفة في الإجتماع فقط. و يعيد هذا لعدة أسباب، فهو يرى ان اوغست كونت هو الذي ابتدع كلمة "الإجتماع" في القرن التاسع عشر(عام 1839 على وجه التحديد)، في كتابه (محاضرات في الفلسفة الوضعية).

لقد كتب العلّامة ابن خلدون مقدمة شاملة، لعلم الإجتماع، والنفس، والتاريخ، والدين. فلم يترك مظهراً من مظاهر الحياة الا وتحدث عنه. قد بحث في المقدمة عن أهمية تداول السلطة، وأسباب قيام الدول وسقوطها، وطرق الحكم، والسحر، والفلسفة، والدين، ومفاسد الحضارة، والإحتباس الحراري، ونظرية التطور، وحركة الأجرام السماوية. فليس غريبا ان يوصي الباحثين والأساتذة بقرائتها إذا اردت أن تفهم وتستوعب مبادئ جميع العلوم، فعليك بالمقدمة.

هذه هي نبذة مختصرة عن فكر هذا المفكر الكبير نرجو أن نكون قد وُفقنا بذلك.

المصادر:

• مؤلفات ابن خلدون: د. عبد الرحمن بدوي – القاهرة 1962

• ابن خلدون حياته وتراثه الفكري: د. محمد عبد الله عنان – القاهرة 1953

• مقدمة ابن خلدون – دار صادر – بيروت 2007

• فلسفة ابن خلدون الإجتماعية: طه حسين – رسالة لنيل درجة الدكتوراه من السوربون 1925