الموسيقا > القوالب الموسيقية

قالب الدور

استمع على ساوندكلاود 🎧

كما للموسيقى الغربية قوالبها التأليفية المشهورة مثل السيمفوني والكونشيرتو، كذلك في الموسيقى العربية هناك أيضاً قوالب موسيقية متطورة لها أهميتها وهيكليتها الخاصة وتاريخ عريق تطورت وتنوعت خلاله، بعضها آلي وبعضها غنائي. من أهم هذه القوالب وأكثرها تعقيداً التي يفخر الملحنون بتلحينها والمطربون بأدائها قالب "الدور".

الدور قالب موسيقي غنائي يؤديه مغنٍ رئيسي ويشاركه الكورس (يدعون المرددين أو الرديدة) في بعض أقسامه، وهو يترافق مع عزف آلي ولكن يبقى دور الآلات الموسيقية فيه ثانوي.

أول ما ظهر الدور حوالي منتصف القرن التاسع عشر في مصر، ويعد محمد عثمان (1855-1900) المؤسس الحقيقي للدور والذي أعطاه قالبه المميز، كما يعد سيد درويش (1892-1923) أهم ملحني الأدوار والذي وصل بالدور إلى كمال تركيبه وعظمته. ملحنون كثيرون وضعوا ألحاناً لأدوار، من أشهرهم، عبده الحامولي، محمد عثمان، محمد عبد الرحيم المسلوب، محمد صادق، أحمد عبد القادر، ابراهيم القباني، داوود حسني، محمد القصبجي، زكريا أحمد، رياض السنباطي، محمد عبد الوهاب، محمود صبح، سيد درويش، وغيرهم.

كلمات الدور هي عبارة عن قصيدة صغيرة، باللغة العامية، قد لا تراعى فيها أحياناً أصول العروض والوزن، ليس لكلماتها في العادة رسالة عامة، لكن تتألف من أبيات تحمل معاني عاطفية قوية تفتح الباب أمام الملحن للإبداع في تلحينها وتكرارها بألحان وأشكال متنوعة.

يتألف الدور من خمسة أقسام وهي:

1- المذهب

2- الغصن

3- الآهات

4- الهنك

5- القفلة

المذهب هو أول قسم من الدور، يتألف من بيتين أو ثلاثة أو أربعة، يؤديه المغني الرئيسي منفرداً، يظهر فيه المقام واللحن بشكل واضح ويندر فيه التكرار. بعد انتهاء المذهب تُعزف جملة موسيقية قصيرة قد تكرر أكثر من مرة وتكون بمثابة تمهيد لدخول الغناء في القسم الثاني (الغصن) وتكون سرعتها في العادة أبطأ بقليل من سرعة المذهب.

الغصن يأتي بعد ذلك ويتألف من بيت واحد أو أكثر، ينفرد في غنائه المغني الرئيسي، يبدأ بتكرار أول جملة لحنية من المذهب لكن على كلمات جديدة، ثم تعاد أبيات الغصن بألحان وتشكيلات مختلفة.

بعدها يأتي قسم الآهات، أي الغناء بلفظ "آه"، بأكثر من جملة لحنية، وقد تستبدل بغناء "يا ليل يا عين"، حيث يبدأ المغني الرئيسي بغناء الآهات الأولى، ويعيدها المرددون (الكورس) بنفس اللحن، ثم يؤدي المغني الرئيسي الآهات مرة أخرى لكن بلحن جديد، ويعيد المرددون اللحن الأوّل، وهكذا، وينتهي هذا القسم بآهة ختامية ملحوظة يؤديها المغني الرئيسي.

"الهنك" هو القسم الرابع، و"الهنك" كلمة تركية معناها الترديد المبهج، مع العلم أن قالب الدور غير معروف في الموسيقى التركية، ويتألف من بيت أو أكثر، ويكثر فيه التكرار والتناوب بين المغني الرئيسي والكورس، يبدأ المغني الرئيسي بغناء جملة غنائية، يعيدها المرددون بنفس اللحن، ثم يغني كلمات الجملة الأولى لكن بلحن جديد، ويعيد المرددون غناء الجملة الأولى، أو قد يغيرون اللحن تبعاً للسياق.

ولقسم "الهنك" أكبر أهمية في صيغة الدور، لأنه يشتمل على الحيوية والنشاط والبهجة والقدرة والجهد وكثرة الألوان واتساع مناطق الأصوات والقفلات الرائعة بالإضافة إلى الحوار اللحني، والأخذ والرد بين المغني الرئيسي والمرددين، كما أنّ لحنه يكون عادة في المناطق الصوتية الحادة، كما يحدث الانتقال من المناطق الحادة إلى المنخفضة الأمر الذي يولّد شدة التأثير من مختلف النواحي لدى المستمع. يختم المغني الرئيسي هذا القسم بختام ملحوظ، وغالباً ما يكون بغناء لفظة "آه" لزمن قصير.

القفلة النهائية وهي القسم الخامس وتتألف عادة من بيت واحد يؤديها المغني الرئيسي، وليس فيها تطويل أو تكرار أو توقف أو انقطاع أو ترجيع أو ترديد.

طبعاً كل الكلام السابق هو إطار عام وقد يتجاوزه الملحن قليلاً أو كثيراً.

ينتهي الدور فيشعر المستمع بالإشباع والرضا بسبب القالب المحكم، الذي يرتقي شيئاً فشيئاً ليصل إلى الذروة في الهنك، ويختم بعدها بشكل سريع، مع تنوع كبير في أقسام الدور، ووجود تكرار بجمل موسيقية كثيرة.

قد يكون الدور على إيقاعات مختلفة ويتنوع الإيقاع داخل الدور الواحد، كما أنه من الممكن أن يكون الدور على أي مقام موسيقي، ويتنوع المقام داخل الدور الواحد، ولكن يبقى هناك مقام مسيطر يبدأ منه الدور وينتهي به ويعطيه طابعه الخاص.

قل استخدام الدور في الموسيقى العربية المعاصرة ربما بسبب ميل المستمع المعاصر إلى سماع كلمات جديدة بدلاً من تكرار الكلمات نفسها بألحان وتطريبات مختلفة.

يعد سيد درويش أهم من لحن الأدوار، وعلاقة سيد درويش بالدور شبيهة بعلاقة بيتهوفن بالسيمفونية في الموسيقى الغربية، حيث وصل الدور في عهده إلى كمال تركيبه، وامتاز سيد درويش بجعل الألحان متناسبة ومعبرة عن معنى الكلمات فيما كان التلحين السائد قبل عهده مجرد تطريب، كما امتاز بوجود رسالة لبعض الأدوار، مثلاً دور "عواطفك دي أشهر من نار"، إذا جمعنا الأحرف الأولى من شطوره نجد عبارة "عباس حلمي خديوي مصر"، وذلك رداً على نفي الانكليز للخديوي عباس في بداية الحرب العالمية الأولى 1914 ومنعهم التغني باسمه. بالإضافة طبعاً لإبداع سيد درويش في الجمل الموسيقية الذي قل نظيره.

لحن سيد درويش في حياته القصيرة عشرة أدوار وتعد كلها من لآلئ الموسيقى العربية.

اخترنا لكم مثالاً عن قالب الدور، دور "أنا هويت وانتهيت"، وهو من أشهر أدوار سيد درويش، من مقام الكرد، كلمات الدور:

المذهب

أنا هويت و وانتهيت وليه بقى لوم العذول

يحب إني أقول يا ريت الحب ده عني يزول

ما دمت أنا بهجره ارتضيت خلي بقى اللي يقول يقول

الغصن

أنا وحبيبي في الغرام ما فيش كده ولا في المنام

الآهات

الهنك

أنا وحبيبي في الغرام ما فيش كده ولا في المنام

أحبه حتى في الخصام وبعده عني يا ناس حرام ... آه

القفلة

ما دمت أنا بهجره ارتضيت مني على الدنيا السلام

ونلاحظ في هذا الدور بشكل استثنائي إعادة لكلمات الغصن ضمن قسم الهنك. والأداء الرائع للفنانة سعاد محمد

ومن أجمل الأداءات الحديثة لهذا الدور الساحر هو من غناء غادة شبير

وكعادتنا في مقالات فريق الموسيقى نعرض لكم مجموعة من أروع الأدوار التي تم غناؤها في الموسيقى العربية ... ونترككم مع السلطنة والطرب:

دور أصل الغرام نظرة من تأليف محمد عثمان (اخترنا أداء ماري جبران مع العلم أنه يعتبر من أكثر الأدوار التي تنافس عمالقة الغناء العربي في أدائه)

دور ضيعت مستقبل حياتي لسيد درويش (اخترنا أداء ريما خشيش)

دور امتى الهوى من ألحان زكريا أحمد وغناء أم كلثوم

دور أحب أشوفك كل يوم من غناء محمد عبدالوهاب

دور الأوله في الغرام من ألحان زكريا أحمد ( اخترنا أداء صوفيا صادق)

المصدر: تراثنا الموسيقي – محمود عجان