الفلسفة وعلم الاجتماع > الفلسفة

البناء الأخلاقي: تمهيد

أين هي نظرية البناء الأخلاقي في عالمنا اليوم؟ وهل لها مكان ضمن هذا التطور الهائل الحاصل في البشرية؟ هل أتت التكنلوجيا والتقنيات الحديثة كعنصر مساعد لنظرية البناء الأخلاقي؟ وهل من الصعب أن يتنازل الناس اليوم عن بعضٍ من مزايا التكنولوجيا من أجل التخفيف من حدة الضرر المناخي الذي تسببه لتوفير بيئة أفضل للأجيال القادمة؟ هذه الأسئلة هي التي يتمحور عليها مقالنا عن نظرية البناء الأخلاقي، والتي لن تكون الإجابات عنها قاطعة بقدر ما تخلق فسحة للتفكير ملياً.

منذ وجودنا على هذا الكوكب، أي منذ حوالي 150.000 سنة، كانت الغالبية العظمى تعيش في مجموعات صغيرة ومترابطة، تعمل بجدّ مستخدمةً أدوات بدائيّة لتأمين الغذاء والمأوى الضروريين للحياة. كنا نتنافس أحياناً مع مجموعات صغيرة أخرى حول الموارد المحدودة القليلة الموجودة على هذا الكوكب. إننا ممتنون للتطور، فبفضله نحن في أعلى درجات التكيف مع هذا العالم، ليس جسدياً فقط، وإنما نفسيّاً واجتماعيّاً من خلال التصرفات الاجتماعية.

لكن هذا العالم الذي نعيش فيه لم يعد كما هو، بسبب التطور السريع للعلوم والتكنولوجيا الذي قد غير حياتنا وظروف عيشنا تغييراً جذرياً لأكثر من بضعة قرون. لقد تزايد عدد السكان آلاف المرات منذ الثورة الزراعية، أي قبل ثمانية آلاف سنة.

تتكون المجتمعات البشرية من ملايين البشر، أينما وجدت أدوات أجدادنا تشكَّلت الأراضي الزراعية التي يعيشون عليها. عبرت التقانات التي نستخدمها اليوم جميع أنحاء العالم، كما عبرت الزمن أيضاً عبر الآثار التي تنتج من تغيير المناخ والكارثة النووية التي تمتد بعيداً إلى المستقبل. وتيرة التغيير العلمية هائلة جداً، ولكن هل أبقت على علم النفس الأخلاقي؟

السلطة الكبيرة تلازمها مسؤولية كبيرة، ومع ذلك، لم ينتج لدينا عن هذا التطور علم نفس يمكننا من التعامل مع المشكلات الأخلاقية التي تحدد أطر سلطتنا الذاتية الجديدة. نظامنا السياسي والاقتصادي فقط من يستطيع أن يؤثر فيها. الصناعة والميكانيك مكنتنا من استغلال الموارد الطبيعية بكفاءة، حيث لدينا بالتأكيد أكثر من ثلثي النظم البيئية الأكثر أهمية.

نستطيع جميعاً القول بأن الإنسان يستطيع ببساطة وسهولة إلحاق الأذى بالإنسان. ومن الأسهل علينا أن نقتل على أن ننقذ حياة، ومن الأسهل أن نجرح بدل أن نعالج. التطور العلمي عزز قدرتنا على النفع، لكنه عزز قدرتنا على إلحاق الضرر بشكل أكبر. ونتيجة لذلك، فإن قدرتنا على إلحاق الضرر طاغية أكثر. نحن قادرون على وضع حد لجميع أشكال الحياة على هذا الكوكب. نجاحنا في التعامل مع العالم من حولنا تركنا نواجه خطرين رئيسين: تغيير المناخ جنباً إلى جنب مع المشاكل الناجمة عن ندرة الموارد الطبيعية، والحرب باستخدام أسلحة قوية جداً. فما الذي يجب فعله لمواجهة هذه التهديدات؟

علم النفس الاخلاقي الذاتي

الأخلاق الذاتية وُضعت حول عدم التوازن بين قدراتنا على إلحاق الضرر وقدراتنا على نشر الفائدة على نطاق صغير في مجموعات بحجم قرية صغيرة أو قبيلة من البدو، أي لا أكثر من مئة وخمسين شخصاً. لنأخذ المثال الأكثر دقة: نحن بطبيعة الحال نشعر بالسوء عندما نسبب ضرراً للآخرين ضمن محيطنا الاجتماعي. ترتبط الأخلاق المنطقية بمسؤولية مباشرة مع العلاقة السببية: كلما شعرنا بأننا سببٌ لنتيجة ما، شعرنا بالمسؤولية حيال ذلك. مجموعة الحقوق التي قمنا بتطويرها ناتجة بطبيعة الحال من هذه القاعدة الأساسية. عادةً، نوسّع دائرة هذه الحقوق في مجموعتنا الصغيرة كالعائلة والمعارف والمقربيّن. فعندما كنا نعيش في مجموعات صغيرة كانت هذه الحقوق كافية لتمنع إيذاء الآخر ولكن في عصر المجتمع العالمي والأسلحة ذات الامتداد العالمي، لا تستطيع حمايتنا جيداً بما فيه الكفاية.

هناك ثلاثة جوانب أخرى من علم النفس الذاتي المتطور التي ظهرت على نحو مماثل كنتاج عن عدم التوازن بين سهولة إلحاق الأذى وصعوبة تحقيق المنفعة، والتي كانت وقائية أيضاً في الماضي، ولكنها تترك لنا الآن مخاطر مفتوحة لم يسبق لها مثيل:

1- ضعفنا أمام الضرر أفقدنا حالة النفور، نفضل الحماية من الخسائر على السعي للمنفعة على مستوى متماثل.

2- نحن نركز بشكل طبيعي على المستقبل القريب، وعلى دائرة أصدقائنا. نهمل المستقبل البعيد في إصدار الأحكام، ويمكن أن نتعاطف فقط مع عدد قليل من الأفراد على أساس درجة قربهم او تشابههم بالنسبة لنا، بدلاً من أن يكون على أساس أوضاعهم. لذلك قدرتنا على التعاون، وتطبيق مفاهيم الإنصاف والعدالة يقتصر على دائرتنا، دائرة صغيرة من العائلة والأصدقاء. أما الغرباء، أوالأشخاص خارج المجموعة فلا تعنينا مشاكلهم كثيراً.

3- نشعر أننا مسؤولون إذا كنا قد سببنا نتيجة سيئة ما بشكلٍ فردي، ولكننا أقل مسؤولية إذا كنا جزءاً من مجموعة كبيرة، تسبب نفس النتيجة ولا يمكن خص أفعالنا وحدنا بها.

دراسة حالة: تغيير المناخ والمأساة المشتركة

هناك مسألة تعاونية تدعى "مأساة المشاعات"، حيث يطلب من مجموعة من رعاة قرية تقسيم المراعي المشاعية فيما بينهم. في هذه المجموعة يثق الرعاة ببعضهم البعض لدرجة أنه من المفروض أن يقلل كل منهم من رعي الماشية الخاصة به عند الضرورة وأن يضعوا حداً لمنع الرعي الجائر.

راعٍ واحد لا يستطيع تحقيق الغاية المرجوة إذا استمر الآخرون في المبالغة في استخدام الموارد التي كان قد حاول الحفاظ عليها، فيكون ببساطة قد فقد فرصته في الرعي. ولكن من غير المعقول أن يضحي بنفسه لوحده. من الممكن لأحد الرعاة أن يلتزم بالاتفاق الذي ينص على التقليل من استخدام المراعي إذا كان يثق بعدد كاف من الرعاة الآخرين بأنهم سوف يفعلون مثله، ومن ثم إذا كان الرعاة لا يثقون في بعضهم بعضاً، فإنّ أكثرهم لن يستطيع الالتزام بالاتفاق، وبالنتيجة سوف يموتون جميعاً من الجوع.

مأساة المشاعات يمكن أن تكون بمنزلة نموذج صغير مبسط من مشاكلنا البيئية الحالية على نطاق صغير، والتي أصبحت نتيجة طبيعية لمليارات الملوثين، كل واحد منهم يساهم بمفرده بكمية غير معلومة أو ظاهرة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. لسوء الحظ، في هذا النموذج كلما كان عدد المشاركين كبيراً، زاد من حتمية حدوث المأساة. حيث أنه كلما زاد كبر المجموعة ضعف التواصل وضعفت معه الثقة بين الأفراد، أي من الصعب الكشف عن المشاركين المستقلين في مجموعات أكبر، والبشر يحبون الاستفادة من تضحيات الآخرين في حين يرفضون أن يضحوا هم. وعلاوة على ذلك يصبح الضرر الفردي المرجح حدوثه غير محسوس، يمنع الشعور بالخجل، ويقلل من الشعور بالذنب الذاتي.

للتغيير المناخي والدمار البيئي عوامل إضافية معقدة. على الرغم من أن هناك مجموعة كبيرة من التجارب العلمية التي تبين أن إطلاق البشر للغازات الدفينة يسهم في تغيير المناخ العالمي، فإنه ما يزال من الممكن تقبل الشكوك حول الحجم الدقيق من الآثار التي نسببها. على سبيل المثال : إذا كانت أفعالنا تؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة العالمية بنسبة درجتين على مقياس سيليسيوس، أوإذا كانت تسبب درجة حرارة أعلى وقد تصل حتى 4 درجة سيليسيوس، كم سيكون مقدار الضرر في التغيير المناخي؟

بالإضافة إلى ذلك فإنَّ تحيزنا نحو المستقبل القريب جعلنا أقل قدرة على تقدير أفعالنا تقديراً كافياً، وما لها من آثار خطرة سوف تحدث في المستقبل الأكثر بعداً. الخطر المسئولون عنه اليوم ربما لن يحدث أو يبدأ حتى نهاية القرن الحالي. لن نستفيد من العمل بجد الآن ولا حتى أطفالنا سيتستفيدون. على الرغم من أنّ البلدان الغنية هي المسئول الأكبر عن انبعاث الغازات، ففي العموم البلدان الفقيرة في الجنوب تعاني أكثر من غيرها من آثارها الضارة. إيثارنا ضئيل ومحدود وليس قويّاً بما يكفي لتوفير السبب المقنع للتخلي عن اسلوب حياتنا الاستهلاكي من أجل أحفادنا القادمين في المستقبل البعيد، أو حتى الأحفاد الحاليين في الأماكن البعيدة.

نظراً للعوائق النفسية التي تمنعنا من التعامل بشكل طوعي مع تغيير المناخ، لابد من فرض تشريعات وتغييرات فعالة، ومع ذلك من غير المرجح أن يقترح السياسيون الديمقراطيون مثل هذه التشريعات. اتخاذ التدابير اللازمة لابد من أن يكون مهمة صعبة. فهل يمكن إقناع الناخبين بأن يضحوا براحتهم الخاصة لحماية مصالح أناس لم يولدوا بعد؟ هل ستكون الديمقرطية قادرة على تحرير نفسها من سلطة المصالح الصناعية؟ من المرجح أن تفشل الديمقراطية. الدول المتقدمة تمتلك التكنولوجيا والثروة للتعامل مع تغيير المناخ، ولكنها تفتقر للإرادة السياسية.

المراجع:

هنا