الفلسفة وعلم الاجتماع > الفلسفة

البحث عن سقراط التاريخي -المنهج-

ناقشنا في مقال سابق، أعزاءنا المتابعين، المشكلة التاريخية في وصف سقراط، أي التفريق بين سقراط الحقيقي، وسقراط أفلاطون: هنا

أما اليوم فنقدم لكم في مقالنا المنهج العلمي لإعادة وصف سقراط في التاريخ.

تعتبر شخصية سقراط المدونة في حوارات أفلاطون موثوقة من الناحية التاريخية، حيث أن أفلاطون كان في شبابه تلميذاً تابعاً لسقراط. ولكن يجب الانتباه إلى ميل أفلاطون لإعطاء سقراط صبغة مثالية (Idealization of Socrates).

من جهة أخرى، ليس من المؤكد أن اكسينوفان أعطى وصفاً دقيقاً لحياة سقراط، ولا يمكن أيضاً الثقة بوصف أرسطوفان الهزلي.

أما وصف آراء سقراط فهي مسألة أخرى، فمثلاً عند أفلاطون لا نستطيع التفريق بين سقراط الحقيقي وسقراط الذي صوره أفلاطون، كذلك الأمر عند اكسينوفان.

إلى الآن أرسطو هو الأكثر جدارة بالثقة إذاً، ويمكننا القول إن آراء أرسطو تعتبر المعيار في تحديد أي الآراء تعكس الصورة الحقيقية عن سقراط.

يرى أرسطو أن هناك شيئان يعودان لسقراط: الاستدلال الاستقرائي والتعريف العام.

الاستدلال الاستقرائي أو الاستقراء، هو وسيلة للقياس المنطقي، يتم فيه وضع استنتاج عام مشترك بناءاً على عدة ملاحظات فردية. فمثلاً: إذا لاحظنا احتراق صحيفة، ثم احتراق كتاب، وأخيراً احتراق كيس ورقي، نرى ثلاثة أحداث مختلفة، إلا أننا وبالملاحظة نستطيع عزل الجوانب المشتركة بقولنا (الورق قابل للاحتراق)، هذا ما يدعى بالمنطق الاستقرائي. يمكننا صوغ ذلك بعبارات أخرى، حيث نستطيع القول أن الاستقراء هو تعميم أحداث خاصة.

استنتاج كهذا لا يزال مفتوحاً ليتم دحضه في المستقبل عن طريق خبرة مخالفة لهذه، لكن إلى الآن هي حقيقة عامة.

أما الإستنتاج فهو الإجراء المعاكس للمنطق الإستقرائي... أي أنه الانتقال من العام إلى الخاص. فمثلاً في المثال السابق (الصحيفة،والكتاب،وكيس الورق) هي فئات عامة نستطيع إدراجها تحت فئات أكثر عموماً(الورق) والفئة الاكثرعموماً هي جوهر للفئة الأقل عموماً. أي أن الاستنتاج هو إسناد الحالات الخاصة لحالة عامة.

عند تناولنا لمحاورات أفلاطون سنجد سقراط شخصاً دائم السؤال، متظاهراً بالجهل، هذا ما يسمى حقيقة بالتهكم السقراطي.

فهو عندما يحاور أحداً يسأله متظاهراً عدم الفهم أو الجهل في الموضوع (المعرفة،الشجاعة،العدالة....إلخ) وعند تلقي الجواب يعود ليطرح سؤالاً آخر يكون قد استخرجه من الجواب الذي تلقاه، وتستمر هذه العملية حتى يعترف الشخص الذي يحاوره إما بجهله للموضوع أو حتى يصل إلى مرحلة إزعاج قصوى وينهي المحاورة بسرعة.

أما الهدف من هذا التهكّم هو وضع الشخص الآخر أمام الحقيقة الصرفة لأفكاره عندما تكون غير صحيحة، مما سيؤدي به إلى تواضع فكري وهذه الخطوة الأولى للمعرفة الحقة.

وفي محاورات أفلاطون سنجد أيضاً أن سقراط يلقب نفسه بالقابلة! وهو إنما يقصد مجازياً بأنه وبأسلوبه المتهكم هذا إنما يولد الحكمة، فغالباً مالا يكون صاحب الحكمة على دراية بأنه حامل لها وبقول آخر هو يعطي البصيرة ليسهل إدراك الحقيقة.

فسقراط في ممارساته الجدلية يسعى لجوهر الأشياء من خلال إيجاد توضيح أو تعريف لها، وهو يصل إلى هذا بإيجاد ما هو مشترك بين الأشياء المختلفة وهذا ما قصده أرسطو حين قال إن سقراط يهتم بالتعريف العام.

المـراجع:

هنا