الطبيعة والعلوم البيئية > علم البيئة

الحيوانات الثديية في الرسوم المصرية القديمة

في مقال اليوم أول دراسة تتضمن تحليلاً عالي الدقة لآثار التغير البيئي على شبكات الفرائس والمفترسات على امتداد فترات زمنية ألفية. سلطت الدراسة الضوء على الأحداث التاريخية التي شكلت المجتمعات الحيوانية الحديثة.

ساعد وصف الحيوانات الوارد في الآثار المصرية القديمة العلماء على تجميع سجل مفصّل عن الثدييات التي عاشت في وادي النيل قبل 6000 سنة. يظهر تحليل جديد للمعطيات أن انقراض الأنواع ربما نتج عن التدهور التدريجي في النظام البيئي بسبب المناخ الجاف والنمو السكاني.

وجدت الدراسة أن انقراض أنواع الثدييات أدى إلى انخفاض مطـّرد في استقرار المجتمعات الحيوانية في وادي النيل. لم يكن فقدان نوع ما ذا تأثير ملحوظ على سير عمل النظام البيئي عندما كان هنالك العديد من الأنواع في المجتمع. في حين أنه كان أكثر حساسية لاحقاً. كان هنالك 37 نوعاً من الثدييات الكبيرة في مصر منذ حوالي 6000 سنة لكن 8 منها فقط بقيت حتى اليوم. من بين الأنواع المسجّلة في منحوتات أواخر عصر البريديناستيك Predynastic* (قبل 3100 عام قبل الميلاد) والتي لم تعد موجودة في مصر؛ الأسود، الكلاب البرية، الفيلة، المها oryx (ظبي صحراوي)، الزرافة والثيتل hartebeest (ظبي). تظهر في الصورة أدناه إحدى المنحوتات وهي تمثل واجهتي لوحة تذكارية من الطمي المتحجر من متحف أشموليان - جامعة أوكسفورد؛ يعلوها ويؤطرها اثنان من الكلاب البرية متشابكة الكفوف وتضم حيوانات كالوعل والمها والزرافة والنعام، بالإضافة إلى أخرى وهمية كالفهود ثعبانية العنق.

عند انخفاض عدد الأنواع فإن واحداً من أهم الأشياء المفقودة هو فقدان التكرار البيئي للنظام Ecological Redundancy**. كانت هنالك أنواع متعددة من الغزلان والحيوانات العاشبة الصغيرة الأخرى والتي تنبع أهميتها من كونها تشكّل مصدر غذاء للحيوانات المفترسة المختلفة. وعندما تقلص عدد الأنواع العاشبة أصبح فقدان أي نوع ذا تأثير أكبر بكثير على استقرار النظام وقادراً على التسبب بانقراضات إضافية.

تستند الدراسة الجديدة على السجلات التي جمعت في كتاب لـ دايل أوسبورن Dale Osborn عن الثدييات في مصر القديمة والذي يقدم صورة تفصيلية للمجتمعات الحيوانية التاريخية على أساس الأدلة الأثرية والحفريات وكذلك السجلات التاريخية. جمع هذا الكتاب قاعدة بيانات مذهلة عن الوقت الذي مــُــثّلت فيه الثدييات في الأعمال الفنية والرسومات وكيف تغيرت مع مرور الوقت وسمح هذا العمل باستخدام تقنيات النمذجة البيئية للنظر إلى تداعيات تلك التغييرات.

بدأت الدراسة في عام 2010 عندما لاحظ الباحثون الرسومات التي تصف الثدييات وأدركوا أنها تمثل سجلاً للملاحظات المشاهدة في الطبيعة آنذاك، وبإجراء تحليل لشبكات المفترسات والفرائس في المجتمعات الحيوانية المصرية القديمة، حدد الباحثون خمس حلقات على مدى السنوات الـ 6000 الماضية والتي حصلت فيها التغييرات الجذرية في مجتمع الثدييات المصرية.

تزامنت ثلاثة من هذه الحلقات مع التغييرات البيئية القاسية والتبدل المناخي باتجاه الجفاف. رافق هذا الجفاف أيضاً اضطراب في المجتمعات البشرية مثل انهيار المملكة القديمة قبل 4000 سنة وسقوط المملكة الحديثة قبل 3000 سنة. كان هنالك ثلاث أحداث جفاف كبيرة بدأت بنهاية الفترة الرطبة الأفريقية منذ 5500 عام عندما تحول اتجاه الرياح الموسمية إلى الجنوب. في الوقت ذاته تزايدت الكثافة السكانية ومعها المنافسة على المكان على طول وادي النيل مما أثر في قطعان الحيوانات.

حدث تحول رئيسي آخر في مجتمعات الثدييات قبل حوالي الـ 100 عام. أظهر تحليل شبكات الفرائس والمفترسات أن انقراض الأنواع في السنوات الـ 150 الماضية كان له تأثير كبير في استقرار النظام البيئي، وفي يومنا هذا توجد العديد من النظم البيئية التي يؤدي تغير نوع واحد فيها إلى تحول كبير في كيفية عمل نظامها؛ الأمر الذي قد يكون ظاهرة حديثة لا تنطبق على ما كان النظام يبدو عليه قبل عشرة آلاف عام عندما كان التكرار كبيراً.

إذاً؛ لم يكن انقراض الثدييات في مصر عشوائياً وتزامنت التغييرات في الثدييات والتي زعزعت استقرار تكوين المجتمع مع أحداث القحْل المفاجئة والانهيارات المصاحبة لبعض المجتمعات المعقدة. خلال ذلك، تتغير أدوار الأنواع في مجتمع ما مع مرور الوقت الأمر الذي يرتبط بحساسية هذه الأنواع. ويعد هذا التغير في الأدوار وسيلةً ديناميكية لتأمين الاستقرار المحلي.

المصدر:

هنا

هنا

Yeakel، Justin D.; Pires، Mathias M.; Rudolf، Lars; Dominy، Nathaniel J.; Koch، Paul L.; Guimarães، Paulo R. and Gross، Thilo. 2014. Collapse of an ecological network in Ancient Egypt. 111، (40). pages 14472-14477. DOI: 10.1073/pnas.1408471111.

للتوضيح:

(*) الـ بريديناستيك: امتدت عصور ما قبل التاريخ المصرية من أوائل استقرار المستوطنات البشرية إلى بدايات عصر الأسر المصرية الحاكمة المبكرة منذ 3100 عام قبل الميلاد ابتداءً بأول فرعون معروف (نارمر أو مينا). أما الـ بريديناستيك: فهي تكافئ العصر الحجري الحديث الذي بدء قبل 6000 عام قبل الميلاد وهناك جدل حول الوقت الذي انتهى فيه بالضبط.

(**) التكرار البيئي Ecological Redundancy: يشير مفهوم التكرار البيئي إلى التعويض الوظيفي، حيث يفترض وجود أكثر من نوع تؤدي دوراً ما في النظام البيئي. كلما زاد التكرار زاد عدد الأنواع التي تؤدي وظيفة معينة وزاد استقرار النظام وبالعكس كلما قلّ، زادت حساسية النظام.