الطبيعة والعلوم البيئية > علم البيئة

القاء الأسلحة الكيميائة في البحار والمحيطات

دفعت الرغبة بالتخلص السريع والسهل من الأسلحة الكيميائية بالدول إلى إلقائها في البحار دون مراعاة الآثار البيئية لهذا الفعل. وقد بدأت المخاطر تظهر بدايةً على الأسماك مما زاد الاهتمام بالموضوع في الآونة الأخيرة.

تحتوي محيطات العالم باستثناء القطب الجنوبي على 300 ألف طن تقريباً أو أكثر من الأسلحة الكيميائية تراكمت عبر الزمن.

حالات سابقة:

ألقت العديد من الدول أسلحتها الكيميائية في قيعان البحار إبان الحرب العالمية الثانية بين العامين 1946 و1972 كالذي حدث بموجب اتفاقية لندن 1972 لكن دون أن يكون هنالك معلومات دقيقة عن مكان التخلص منها أو عن محتوياتها.

شملت المواد التي ألقيت بعد الحرب العالمية الثانية الخردل* والسارين** بالإضافة إلى اللوزيت lewisite والتابون tabun. يمكن للزرنيخ شديد السمية أن ينطلق بتحلل اللوزيت في مياه البحر مثلاً.

الأمثلة السابقة على إلقاء الأسلحة عموماً والكيماوية خصوصاً في التاريخ كثيرة منها:

1- وجود 16 منطقة معلّمة بأنها ملوثة بالرصاص على السواحل الألمانية، ويقدر أن أكثر من 100 ألف طن من الذخيرة موجودة فيها.

2- ألقى السوفييت أكثر من 300 ألف طن من الذخيرة الكيميائية في بحر البلطيق بعد العام 1947 بناءً على تقارير غير مؤكدة.

3- إصابة الصيادين على السواحل الضحلة اليابانية الشرقية بكوارث مأساوية.

4- نقل أكثر من 200 صياد إيطالي إلى المشافي جراء اصطيادهم للمخلفات الكيميائية في البحر الأدرياتيكي لاحتواء مواقع الصيد على نواتج تحلل الخردل بالإضافة إلى وجود مستويات مرتفعة من الزرنيخ في الأسماك.

5- حالياً؛ يوجد على سواحل الولايات المتحدة وحدها 32 موقعاً للتخلص من هذا النوع من النفايات ولا معلومات دقيقة عن محتويات المواد التي ألقيت فيها.

حالة سورية:

تشير التقارير الصحفية لامتلاك سورية ما يزيد عن 1300 طن من العوامل الكيميائية تتضمن غاز الخردل، غاز الأعصاب السارين، العامل VX*** والمواد المستخدمة في تصنيعها. وقد أعلن المراقبون الدوليون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية يوم 31 من أكتوبر / تشرين الأول 2013 أن سورية دمرت تماماً كامل معداتها المخصصة لتصنيع وتعبئة الأسلحة الكيميائية. لكن ما الذي حدث للمواد الكيميائية بحد ذاتها؟

للأسف فإن 800 طن من الأسلحة الكيماوية السورية أتلفت بعد معاملتها في البحر المتوسط بواسطة القوات الأمريكية الأمر الذي أثار حفيظة الخبراء البيئيين. يشعر الخبراء بالقلق حيال التأثير طويل الأمد للأسلحة لكونها شديدة السمية رغم أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) ادّعت أن العملية آمنة بيئياً.

الأمر كان لا مفرّ منه بسبب رفض أي دولة تدميرها على أراضيها أو في مياهها الإقليمية، فبعد أن كانت الدول العظمى بعد الحرب العالمية قادرةً على إلقاء ما لديها من حاويات ببساطة في البحر أصبح الأمر اليوم أكثر تعقيداً.

إذا ما قارنّا وضع سورية بالعراق نجد الأمر مختلفاً فقد كان على الحلفاء بعد حرب الخليج التخلص من أسلحة العراق الكيميائية بالحرق في مبان خاصة وحالت بعض الذخائر الهشة جداً والمزودة بهذه المواد دون إمكانية التعامل معها فكانت الطريقة الوحيدة لتدميرها هي تعريضها لانفجار محدث بالوقود والهواء مما أدى لتسرب الملوثات في كل مكان.

مع الأسلحة السورية لم يكن ذلك خياراً لأن إنشاء محرقة أو جلب معدات مماثلة على الأرض السورية كان سيستغرق وقتاً. وبما أن دفن تلك المواد أو إغراقها في المحيط أمرٌ محظور بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية، فقد كان تحليل هذه المواد باستخدام المياه الساخنة ومواد تبييض أخرى هو الحل قبل أن تلقى بالبحر. إن نواتج هذا التحلل لا تزال خطرة وبحاجة للمعالجة ولكنها تبقى أقل خطورة.

طريقة المعاملة:

من المفضل تدمير غاز الأعصاب السارين بالحرق لكن تم تدميره في حالة سورية بواسطة الحلمهة hydrolysis**** حيث تم استخدام المنظفات لمعادلة (إبطال مفعول Neutralizing) أثر غاز الخردل، عامل الأعصاب VX والسارين بمساعدة مفاعلات التيتانيوم المحمولة على السفن. تتضمن ما دعوناها بالمنظفات؛ هيبوكلوريت الصوديوم المستخدم في التبييض وهيدروكسيد الصوديوم. يتم حل غاز الخردل مثلاً من خلال عمليتي الحلمهة والأكسدة.

مع أن هذه التقنية استخدمت لعقود عديدة في الولايات المتحدة وخارجها إلا أنها كانت المرة الأولى التي تتم في البحر. يدعي مؤيدي الطريقة التي تم التدمير بها أن المخاطر قيمت على الناس والبيئة بحيث يكون لها نفس التأثير فيما لو أتلفت على الأرض. لكن آخرين ممن شاركوا في المهمة نفوا أنه كان هنالك نوع من هذا التقدير للمخاطر. .... ما هي إذا هذه المخاطر؟

المخاطر البيئية:

عموماً، تصاب الحاويات الملقاة في البحر بالتآكل التدريجي مما يؤدي إلى تسرب المحتويات. من بين الأسلحة التي تلقى في البحر عادةً، توجد 93 مادة تعتبر قابلة للانفجار و53 مادة تعتبر عوامل كيميائية منها 12 أساسية.

العناصر الأخطر من هذه الـ 12 هي:

- الأدامسيت Adamsite

- الكلارك 1 و2 Clark I&II

- غاز الخردل Mustard Gas

- حمض الهيدروسيانيك Hydrocyanic Acid

- السارين Sarin

- التابون Tabun

تستطيع الثلاثة الأخيرة خلق منطقة تلوث مستمرة على مدى طويل خصوصاً إذا كانت بتركيزات عالية وذلك لانحلالها الشديد في الماء وتحللها بسرعة منخفضة. المشكلة أن نواتج التحلل لبعض المنتجات المستخدمة في الأسلحة الكيميائية أكثر ثباتاً وسميّة من المركبات الأصلية مثل غاز الخردل واللويزيت.

صحيح أن تأثيرها على المد الطويل غير معروف لكن بـُرهن على أن معظمها مسرطن أو يسبب التشوهات والآثار الضارة الوراثية.

لعل السارين كان المادة الأكثر سيطاً في الحالة السورية. لا يمكن في الواقع تحديد المخاطر الناتجة عن السارين بدقة إلا إذا كان لدينا معلومات عديدة مثل نقاوته! فالسارين العراقي لم يكن نقياً ولم يعرف الخبراء إذا كان قابلاً للتحلل المائي. إن الآثار المترتبة على غاز الأعصاب السارين قد يكون لها آثار طويلة الأمد على البيئة البحرية. يتكون السارين من الفوسفور والأوكسجين ويترك تحللها في النهاية حامض الفوسفوريك.

من الأخطار الأخرى للأسلحة الكيماوية الملقاة في البحر على الأنسان ما يلي:

- إمكانية اصطياد حاويات هذه المواد خطأً خلال الصيد التجاري وما بترتب عليه من تلوث الطاقم ومعداته (443 حادث سجل في الدنمارك، و91 صياداً ألمانياً أصيبوا نتيجة تعرضهم لغاز الخردل شرق بورنهولم Bornholm)

- المخاطر الناتجة عن الاتصال المباشر مع هذه الملوثات من قبل العاملين في إزالة الألغام البحرية أو التنقيب عن النفط واستخراجه

- تسرب الفوسفور الأبيض في البحر يصبح شبيهاً بالعنبر (أو الكهرمان: هو راتنج متحجر ليس حجراً كريماً وإنما مواد عضوية نباتية متحجرة) مما يدعو السياح لالتقاطه وجمعه مسبباً تأثيرات خطيرة عند جفافه حيث يبدأ بالاحتراق تلقائياً مولداً حرارة تصل إلى 1300 درجة مئوية.

- بعض الانفجارات الذاتية التي تحصل. سجلت ستة منها في بحر البلطيق.

مع تركيزنا على المخاطر التي تسببها الأسلحة الكيميائية للبشر في حال عاودت الوصول إليهم، يمكننا أن نتخيل الأثر الذي تحدثه في الحياة البحرية التي تكون على تماس مباشر مع هذه المواد لفترات طويلة. الموت، التشوهات والطفرات، الحروق ... جميعها مخاطر تعاني منها الحيوانات تماماً كما يحصل مع الإنسان.

في النهاية، الموضوع برمته مرتبط بمدى شعورنا بالمسؤولية تجاه الأجيال القادمة ورغبتنا في اتخاذ الاحتياطات اللازمة في حال حصول المخاطر وتقييمها بشكل سليم منذ البداية بالإضافة إلى أن المعالجة الكاملة أو الجزئية للمواد قبل إلقاءها أمر لا مفر منه.

للتوضيح:

(*) غاز الخردل: هو كبريت الخردل، سائل لزج في حرارة الغرفة عديم اللون يسبب تبثر الجلد والرئتين. يسبب تآكل النيكليوتيدات في جدائل الحمض النووي مانعاً الخلايا من الانقسام وبالتالي موت الخلية المبرمج وإن لم تمت الخلية مباشرةً فإنه يسبب تطور السرطانات.

(**) السارين: سائل عديم اللون والرائحة يعتبر من أسلحة الدمار الشامل لتأثيره في الأعصاب، حيث يتدخل في عملية إعادة امتصاص النواقل العصبية وتحدث الوفاة نتيجة الاختناق الناجم عن عدم القدرة على التحكم بالعضلات المسؤولة عن التنفس.

(***) العامل العصبي VX: سائل عديم الطعم والرائحة شديد السمية ويعتبر من أسلحة الدمار الشامل. يؤدي تعرض الجلد له إلى الشعور بوخز عضلي وللتعرق فالغثيان والقيء.

(****) الحلمهة: تفاعل يتم بين مركب كيميائي مع الماء يؤدي لانكسار الرابطة الكيميائية في جزيء الماء إلى أيون الهيدروجين وأيون الهيدروكسيل.

المصادر:

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

هنا

مصدر الصورة:

هنا