البيولوجيا والتطوّر > بيولوجي

طعامٌ سام لتكاثرٍ أفضل!

خلال عملية التطور،تكيَفت الحيوانات مع مصادر غذائية متنوعة، وصلت إلى درجة تغذيها على النباتات أوالثمار السامة أحياناً، لكنَ آلية هذا التكيُف والأسباب التي دفعت إليه غير معروفة تماماً حتى الآن. إحدى هذه الحالات ثمرةMorinda citrifolia، والتي تسمى أيضاً بثمرة النونيfruit Noni، والتي بالرغم من احتوائها على حموض سامة، إلا أنها المضيف الوحيد لذباب الفاكهةDrosophila sechellia التي لا يتغذى عليها فقط، بل يضع بيوضه على هذه الثمار أيضاً!

Drosophila sechelliaهو نوعٌ من ذباب الفاكهة القريب جداُ للنوع melanogaster Drosophila، يستوطن في المحيط الهندي ومضيفه الوحيد والحصري هو شجرةMorinda citrifolia . ينجذب هذا الذباب بقوة إلى ثمار هذه الشجرة، فهو يتغذى عليها، وتفضل الإناث أن تضع بيوضها عليها، رغم أن التماس مع ثمار الموريندا الناضجة يقتل عادة أنواع ذباب الفاكهة الأخرى!

تُنتج إناث D. sechellia بيوضاً أقل من الأنواع الأخرى من ذباب الفاكهة، وبالتالي من الصعب تربية هذه الأنواع في المختبر، مع ذلك إذا ما تم توفير ثمار الموريندا أو المواد الكيميائية التي تحتويها هذه الثمار، فإن الخصوبة تزداد عند الإناث إلى حد كبير، وقد توصَل الباحثون لتبرير اعتماد ذباب الفاكهة D. sechellia كثيراً على الثمار السامة كمضيفٍ لها، فقد كشفت فحوصات التغذية أن إناث D. sechellia تنتج بيوضاً أكتر بـ6 مرات عندما يحتوي غذاؤها على ثمار الموريندا بدلاً من النظام الغذائي العادي في المختبر.

مؤخراً، توصَلَ الباحثون في معهد Max Planck في ألمانيا إلى سبب تكَيف ذباب الفاكهة مع الثمار السامة لشجرة الموريندا Morinda، حيث وجدوا أن إناث ذباب الفاكهةD. sechellia التي تضع بيوضها على هذه الثمار، تحمل طفرةً في الجين لديها يؤدي إلى إنتاج مستويات منخفضة جداُ من الليفودوبا أو لي-دوبا L-DOPA أي نظير الدوبامين الذي يتحكم بالخصوبة وإنتاج البيوض لديها، بالمقابل فإنَ ثمار الموريندا تحتوي كميات كبيرة من L-DOPA، إذ لوحظ أن الذباب الذي يتغذى بالليفودوبا L-DOPA يعوَض النقص الوراثي ويزداد نجاحه في التكاثر إلى حد كبير. كما أنَ طفرة الجين هذه تساهم في مقاومة

D. sechellia للحموض السامة التي تنتجها هذه الثمار والتي تقتل كل أنواع ذباب الفاكهة الأخرى.

يتحكم هرمون الدوبامين بإنتاج البيوض عند ذباب الفاكهة، ولذلك فإن نقص هذا الهرمون يقلل من حجم المبيض وكمية البيض المُنتج. حيث وجد الباحثون أن D. sechellia لديها مستويات أقل بكثير من الطلائع اللازمة لاصطناع الدوبامين مقارنةً عن ما هو موجود عند الأنواع الأخرى من ذباب الفاكهة.

طلائع الدوبامين أو L-DOPA، هي مواد كيميائية تستخدم كعلاج ذات تأثير نفسي للمصابين بمرض باركنسون. وإذا أضيف L-DOPA إلى النظام الغذائي الخاص بإناث D. sechellia فإنها تنتج بيوضاً أكثر مما تنتجه في غياب هذا الدواء، وهذا التأثير لا يتحقق إذا أضيف الدوبامين نفسه إلى الطعام، كما أن نتائج التحاليل التي أظهرت بأن ثمار الموريندا تحتوي L-DOPA لم تفاجئ الباحثين.

أظهرت مقارنةٌ وراثيةٌ مع أنواع ذباب الفاكهة Drosophila الأخرى بأن D. sechellia تحملُ طفرةً في جين يسمى Catsup. هذه الطفرة تمنع إنتاج البيوض عند الإناث، وعندما قام الباحثون بتحوير جين Catsup في النوع النموذجي Drosophila sechellia،فإن الذباب المحوَر أظهر نفس الخصائص الخاصة بـ D. sechellia فأنتج بيوضاُ أقل وتراكم عنده الأنزيم الذي يصنع L-DOPA داخل البيوض النامية. ومن جهة أخرى، تُكسِب طفرة Catsup مقاومةً إضافيةً لذباب D. sechellia نحو الحموض السامة في ثمار الموريندا. حيث تنشأ المقاومة المبكرة جزئياً في D. sechellia لأن طفرة Catsup تجعل الذباب بيوض ولود Ovoviviparous؛ أي أن الإناث تضع أجنةً ناميةً متطورةً محاطةً ببشرة واقية تحميها من البئية السامة للنبات المضيف، كما أن طفرة Catsup مسؤولةٌ أيضاً عن الحجم الكبير لأجنة D. sechellia، والذي يبلغ ثلاثة أضعاف حجم أجنة الأنواع الأخرى. ويرجح الباحثون أن هذا يزيد غالياً من نسبة الفقس على ثمار الموريندا كنتيجة لقدرة الحفظ الزائد للأجنة.

غالباً ما ينجذب ذباب الفاكهة لمستويات منخفضة من روائح الفاكهة، وتعدُ الروائح ذات التركيز العالي منفرةً له، ولكن هذا ليس صحيحاً بالنسبة لـ D. sechellia،حيث تبين الدراسات السابقة، أن هذا الذباب يظهر انجذاباً مستمراً للتراكيز العالية جداً من روائح الموريندا، وأظهر العلماء أن تغذية أنواع الذباب الضعيفة بالدوبامين، تساعدهم على التعامل مع الآثار السامة للموريندا. وتهدف الدراسات الحالية إلى معرفة فيماإذا كان الدوبامين يؤثر على الانجذاب القوي الذي تظهره D. sechellia اتجاه مضيفها الوحيد.

يمكن أن تقدم D. sechellia كنموذج جيني مفيد لدراسة استقلاب الدوبامين، فقربها من النوع D. melanogaster هو ميزة كبيرة، لأنه يوفر 50عاماً من المعرفة المتراكمة. المسببات والآثار المترتبة على نقص الدوبامين ذات أهمية كبيرة في البحوث الطبية، فهو ناقل عصبي مهم، كما أنه يتحكم بالعمليات الفيزيولوجية في البشر أيضاُ.

حيث تؤدي المستويات المنخفضة من هرمون "السعادة" الدوبامين إلى التعب والإكتئاب، فالمصابون بمرض باركنسون يعانون أيضاً من مستويات منخفضة جداً من هرمون الدوبامين، لهذا قد يُسهم فهم الأساسية للعمليات الوراثية والكيميائية الحيوية المرتبطة بنقص L-DOPA عند ذباب الفاكهة D. sechellia في فهم عملية استقلاب الدوبامين عند البشر.

المصادر

هنا

هنا