الفيزياء والفلك > فيزياء

تجربة السلسلة: كيف تتمكن حبات السلسلة من تحدي الجاذبية

لابد أننا جميعا – تقريبا – قد لاحظنا الطريقة الغريبة التي تسقط بها السلسلة من الوعاء في أماكن عدة، والتي تبدو للوهلة الأولى أنها تقاوم تأثير الجاذبية الأرضية عبر صعودها إلى الأعلى لمسافة معينة قبل أن تلتف وتسقط إلى الأرض فيما يشبه نافورة الماء، رغم أنه ( ظاهريا) لا شيء يقوم بسحبها إلى الأعلى، فما السر الكامن وراء هذه الظاهرة ؟

هنالك عدة وجهات نظر لتفسير هذه الظاهرة سنقوم بعرض أشهر اثنتين منها:

يعتقد مقدم البرامج العلمية، البريطاني ستيف مولد أن السبب يعود لكمية الحركة ( أو ما يعرف أحيانا بالإندفاع ) والذي يعطى بالعلاقة الرياضية البسيطة التالية :

كمية الحركة = الكتلة × السرعة .

فعندما تسحب طرف السلسلة وتتركها تتدلى من طرف الوعاء تبدأ حركتها بسرعة صغيرة، ساحبة معها بقية الأجزاء ببطء. وكلما ازداد طول الجزء المتدلي من الوعاء ازدادت كمية الحركة؛ لأن كتلة الجزء المتدلي تصبح أكبر ، و يبدأ القسم الموجود داخل الوعاء بالارتفاع في الهواء مشكلا ما يشبه النافورة. يفسر مولد ما يحدث بالشكل التالي : إن القسم المتدلي من الوعاء أكبر بكثير من الجزء المتحرك ضمن الوعاء، ولكن كمية الحركة للجزأين متساوية؛ فأذا كانت كتلة الجزء الأول أكبر بكثير من الثاني (بخمس مرات مثلا) فلابد أن تكون سرعة الثاني أكبر (بخمس مرات أيضا) لتعوض هذا الفرق. في الوقت ذاته فإن تأثير الجاذبية عليها لابد أن يجعلها تسقط في النهاية، إلا أنها لا تستطيع عكس اتجاه حركتها بشكل فجائي عند حافة الوعاء فذلك يتطلب قوة كبيرة جدا (لا نهائية)، ولتستطيع أن تعكس اتجاه حركتها لابد لها من زمن كاف ومكان متسع، لذلك تقوم بالالتفاف بعدما صعدت هذه المسافة لتعود وتسقط على الأرض تابعة بقية الاجزاء.

" إن تفسير مولد ذكي، ولكنه خاطئ " يقول الفيزيائي جون بيغنز، من جامعة كامبريدج. يفسر بيغنز وزميله مارك وورنر ما يحدث بطريقة مختلفة تماما، فهم يعتبرون أن السلسلة تتلقى " دفعة " من الوعاء الذي يحتويها ما يسبب ارتفاعها في الهواء بهذه الطريقة. يفترض الفيزيائيان بأن كل بضع كرات من السلسلة تعتبر قضيبا اسطوانيا صلبا صغيرا، وبالتالي يشبهان السلسلة بقضبان صلبة متصلة ببعضها بأوتار صغيرة ( إن هذا الافتراض هو فقط لتسهيل العمليات الحسابية التي تجرى على الظاهرة لفهمها، وهي طريقة تتبع كثيرا في العديد من الظواهر الفيزيائية ). عندما تبدأ السلسلة بالحركة يقوم آخر قضيب متحرك فوق بقية القضبان المكومة والتي لا تزال ساكنة، بشد طرف آخر قضيب ساكن في الوعاء، مما يؤدي إلى نشوء حركتين لهذا القضيب: الأولى حركة الشد إلى الأعلى لرفعه، والثانية حركة دائرية ( لفهم ذلك أفضل ضع مسطرة بلاستيكية عاموديا على قلم رصاص على الطاولة تماما كلعبة التوازن التي يلعب بها الاطفال في الحديقة، عندما تربط طرف المسطر بخيط وتسحبها ببطأ سوف ترتفع بهدوء أما لو سحبت الخيط بسرعة نحو الأعلى سيضرب الطرف الاخر سطح الطاولة بقوة وترتفع المسطرة بعنف عن السطح )، إن الحركة الثانية – الدائرية – هي ما يولد " الدفعة " المفترضة للقضيب. فطرف القضيب الذي لا يزال ثابتا يقوم بالضغط بقوة على بقية الأجزاء الساكنة الواقعة تحته بسبب التسارع الكبير الذي يتعرض له الطرف الآخر والذي يتجه إلى الأعلى، مما يولد رد فعل من بقية الأجزاء (أو الوعاء لكون الوعاء مع بقية الأجزاء التي لا تزال ساكنة تعتبر كتلة واحدة ). رد الفعل هذا هو ما يسبب اندفاع القضيب نحو الأعلى قبل أن يلتف ليسقط على الأرض. تحدث هذه العملية بسرعة كبيرة وبشكل متتابع على كل جزء من السلسلة مما يسبب ارتفاعها لمسافة معينة قبل أن تسقط على الأرض.

أما التفاف السلسلة بشكل شبه دائري، وعدم سقوطها مباشرة بعد أن وصلت لهذا الارتفاع ( كما يحدث مثلا عند رمي كرة نحو الأعلى. فالكرة تعود للسقوط مباشرة بعد أن تبلغ أقصى ارتفاع لها دون أن تلتف ) فيعود تفسيره للقوة النابذة نتيجة التسارع الكبير للسلسلة عند الصعود، ثم التفافها فجأة، مما لا يسمح لها بأن تعكس حركتها بشكل مباشر كما يحصل للكرة. يمكننا تشبيه ذلك بقيادة سيارة بسرعة كبيرة نسبيا، وعند تدوير المقود لعكس اتجاه حركة السيارة، نشعر بقوة تدفعنا بالاتجاه المعاكس لجهة الدوران، وهذه هي القوة النابذة. الفارق طبعا هنا أن السيارة تتحرك أفقيا بينما السلسلة تتحرك شاقوليا إلا أن المبدأ ذاته ينطبق على الحالتين.

بالنتيجة فإن ارتفاع السلسلة ثم التفافها يولد ما يسمى ظاهرة النافورة، و تبقى مجرد تفسيرات لظاهرة لم تحصل على تفسير مقنع إلى الآن رغم المحاولات المتعددة. فأي التفسيرين مقنع أكثر برأيكم ؟

المصدر:

هنا

هنا