التاريخ وعلم الآثار > التاريخ

ميلفيل ديوي، الجندي المجهول الذي نظَّم المعرفة البشرية

"أقفُ عاجزاً في بعض الأحيان عن وصف قيمة ما تركه ملفل ديوي Melvil Dewey بعد مماته"، أقول هذه العبارة وأنا أتجول في بين الرفوف التي تبدأ أرقام تصنيفها بين 930 – 956، قد تسألني ما هذه الأرقام، ولماذا أشكر ملفل ديوي عليها، سأخبرك سراً من أسرار مهنتي كأمين مكتبة متخصص وخريج من قسم المكتبات والمعلومات في جامعة دمشق، وأنا في نفس الوقت متخصص في الوثائق والدارسات التاريخية، السر هو أننا كأمناء مكتبات لا يعني لنا الباركود ورقم الورود ولا حتى أي علامة أخرى لترتيب الكتب على الرفوف، فهناك رقم مميز، يتم تركيبُه بطريقة سحرية، كما تركّب العطور، رقمٌ معياري مستعملٌ لنفس الكتاب ولنفس الموضوع في كل مكتبات العالم.

فأنا أبحث غالباً عن الكتب التي تتحدث عن تاريخ الحضارة الإسلامية، لدي ثلاث مقومات رئيسية للموضوع: التاريخ، الحقبة الزمنية والتي هي الحضارة الإسلامية، وهناك المنطقة الجغرافية المتمثلة في العالم الإسلامي، وأنا لست الوحيد الذي يمتلك موضوعاً متشعباً وفيه أكثر من اختصاص مرتبط، فهناك من يدرس العلاقة بين القراءة والجرائم، وهناك من يدرس تأثير الموسيقى على العلاج، وقس على ذلك كثيراً.

إن أساس البحث العلمي هو بإيجاد دور العلاقة بين مجموعة من المتغيرات قد تكون مرتبطة أو غير مرتبطة، ولكن ما الذي يربط بين الضفة الأولى من النهر المتمثلة بموضوع اختصاصك، والضفة الأخرى وهي مجموعة المؤلفات في هذا الاختصاص، هنا يأتي دور أمين المكتبة وخطة التصنيف التي أبدعها أمين مكتبة أمريكي في نيويورك وقدمها للمكتبات لتكون أفضل خطة تصنيف في تاريخ البشرية، "خطة أو نظام تصنيف ملفل ديوي العشري".

ولكن مهلاً، أليست خطة تصنيف ديوي هي الأولى في التاريخ؟

لم يكن ديوي أول من صنّف المعرفة البشرية، وفي نظرة تاريخية إلى الحضارات القديمة، يمكن القول أن مكتبات حضارات بلاد الشام والرافدين، تبعهم في ذلك مكتبة الإسكندرية والتي كانت هي الأخرى مرتّبة حسب الموضوعات، وعرفت الإغريق تصنيفات أرسطو وأفلاطون للمعرفة البشرية، كما أسهمت الحضارة الإسلامية في نقل علم التصنيف نحو مرحلة متميزة جداً، فكان لابن النديم، المكتبيّ الأشهر في الحضارة الإسلامية، خطة تصنيف متكاملة في مؤلفه الشهير "الفهرست"، وهو أول من اتبع النظام الشجري في التصنيف وهو الأساس "النظري" لخطة تصنيف ديوي، ولربما هو من ألهم ملفل ديوي في ذلك.

ولكن بعيداً عن هذا السياق التاريخي لعلم التصنيف، وبالتحديد خارج العالم القديم، حيث الولايات المتحدة ومدينة نيويورك التي تعج بالحياة والدراسة والبحث العلمي، كان هناك فتى صغير في مدرسة ريفية، هذا الفتى الذي شهدت ولادته في العاشر من ديسمبر كانون الثاني من عام 1851 – والذي للمناسبة يصادف اليوم - ولادة أهم عالم مكتبات عرفته البشرية، الفتى الذي كان ظاهراً عليه حبُّه للمكتبة وإقامته الدائمة فيها، حتى غدا جزءاً من مجموعتها، معروفٌ لدى الموظفين والطلاب على حد سواء بأنه ذلك المطالع الذي لا يغادر المكتبة، ومن شدة حبه للمكتبة اقترب كثيراً من مهنتها منذ صغر سنه.

حمل معه هذا الشغف إلى جامعة أمهرست في نيويورك، حيث طلب هناك أن يعمل في المكتبة، وخلال عمله في المكتبة لاحظ أن المعرفة ليست مرتبة ضمن طريقة احترافية، لطالما لاحظ وجود الازدحام في بعض الرفوف والأقسام، في حين كانت الرفوف الأخرى فارغة، وذلك بسبب التقسيم غير الصحيح للمعرفة وغير المتوازن.

درس ملفل ديوي هذه المشكلة ورتّب في ذهنه شجرة جذرها الأساس هي المعرفة البشرية ويتفرع عنها 10 غصون، كل غصن يمثل معرفة خاصة بحد ذاتها، وكل غصن يتفرع عنه 10 عروق صغيرة، كل عرق يناقش تقسيماً خاصاً في الموضوع، هذا هو الأساس النظري لخطة تصنيف هي الأعظم والأفضل بكل المقاييس عبر التاريخ.

وضع ملفل ديوي هذه المنهجية عندما كان عمره 21 سنة، وبدأ بتطبيقها لصالح مكتبة جامعة أمهرست وكانت النتائج مبهرة جداً، حيث تم التنظيم ضمن المكتبة، وتوزيع المعرفة وترتيبها، وكان التعبير عن السرور واضحاً لدى كل المستفيدين وأمناء المكتبة الذين يعملون معه.

وعند التطبيق ظهرت العديد من المشكلات، ما دعا إلى تلافي الثغرات من خلال العمل المستمر على تطوير هذه الخطة، فقام بوضع خطة تطوير الخطة، وكانت هذه الأسس والمناهج التي يؤسسها ملفل ديوي هي المبادئ التي سيعتمد عليها طيلة حياته المهنية.

انتقل ديوي لمتابعة درجة الماجستير والدكتوراه في التعليم في جامعة كولومبيا، حيث نقل معه هذه الخطة في عام 1883. أدركت إدارة الجامعة مدى قوة هذا المكتبيّ القادم، فقامت بتعيينه كمدير عام للمكتبة وأعطته حرية التصرف في تطوير عمل المكتبة، ليبدأ في تطبيق الخطة ضمن بيئة تمتاز بخصوبة التنوع في الموضوعات، لتصبح مكتبة جامعة كولومبيا منظمة وفق خطة تصنيف ديوي.

ذاع صيت ملفل ديوي في جميع أنحاء الولاية، لتقدّم جامعة نيويورك عرض عمل مغرٍ لم يستطع رفضه في عام 1888 حيث منحته منصب المدير التنفيذي لجامعة الولاية.

خلال حياته لم يهنئ ديوي بمسيرة سهلة، إذا لطالما كان الأعداء يحيطون به من كل جانب، ما جعله غير قادر على الثقة في كل من حوله، شخصيته الصعبة تلك انعكست على ثباته في خطته، وتفضيله لرأيه الخاص، ما جعل الخطة ثابتة ومستقرة، حيث حصر كل ما له علاقة بالخطة بشخصه وحده، ما ضمن للخطة المزيد من المصداقية والاعتمادية.

تقتضي خطة ديوي إلى جعل المعرفة في عشرة أقسام، يحمل كل قسم من أقسام المعرفة 100 رقم، وهي على الشكل التالي:

000 – 099 المعارف العامة: وتشتمل على علوم الحاسب والببليوجرافيات وعلوم المكتبات والصحافة والمتاحف.

100 – 199 الفلسفات: تتدرج المواضيع هنا حسب الفلسفات المختلفة.

200 – 299 الديانات: تقسم المواضيع في هذا القسم حسب مواضيع علوم الدين.

300 – 399 العلوم الاجتماعية: وتناقش المواضيع في هذا القسم فئات المجتمع وعلم الإحصاء وعلم الاقتصاد والقانون وعلوم الإدارة والتربية.

400 – 499 اللغات: تصنف هنا المواد التي تتحدث عن علوم اللغات المختلفة والمتخصصة في المعاجم الخاصة في كل لغة من لغات العالم

500 – 599 العلوم الطبيعية: تغطي هذه الأرقام الموضوعات في الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم النباتات والحيوانات.

600 – 699 العلوم التطبيقية: تشتمل على العلوم الطبية والهندسات المختلفة.

700 – 799 الفنون: تصنف هنا المواد التي تتحدث عن الفنون الموسيقية والمسرحية لمختلف الثقافات والشعوب.

800 – 899 الآداب: تناقش هنا الآداب المختلفة لكل لغة على حدا.

900 – 999 التاريخ والجغرافية: تناقش هنا الخرائط وعلوم الجغرافية المختلفة وتاريخ السير والتراجم وتاريخ الأمم والشعوب المختلفة مع تاريخ الحقب المختلفة.

وقد تحمل بعض الموضوعات تقسيمات وموضوعات تحتاج مزيداً من التحديد، كالتقسيمات الشكلية للدوريات والمختصرات، كما قد نجد تقسيمات خاصة بالزمان والمكان، وكل هذه الجوانب تُؤخذ بعين الاعتبار فقط من أجل ضمان ترتيب المعرفة بطريقة هرمية منطقية ومتناسقة.

ويكون التصنيف من خلال ترتيب الأرقام تصاعدياً، حيث تبدأ الأرقام من الرقم 001 وهكذا، ثم يكون في المقام الثاني اسم المؤلف، ومن بعدها يُنظر إلى عنوان المادة، وعلى هذا الأساس تكون الكتب المتشابهة في نفس الموضوع موجودة في مكان واحد وضمن تسلسل منطقي مرتب.

وبقي ملفل ديوي يطوّر هذه الخطة طيلة حياته، حتى بعد أن توفي عهدت مكتبة الكونجرس تطويرها إلى لجنة متخصصة، تقوم على العمل بنفس المنهجية التي أسسها ملفل ديوي.

وقد تسأل ما لذي يجعلها بهذه المرونة بأن تبقى مستعملة حتى بعد وفاته، لقد كان نظام الخطة يحتوي على العديد من الأرقام الشاغرة غير المستخدمة، وهي بقيت كذلك فقط لضمان أن أي علم جديد أو أي معرفة جديدة لابدّ أن نجد مكاناً لها، وحتى الآن هناك العديد من الفراغات ضمن الخطة فقط تحسباً إلى أي تغيير في فروع المعرفة.

كان لديوي إسهامات كبيرة في العديد من المجالات، إذ كان ديوي من مؤسسي جمعية المكتبات الامريكية (ALA) في عام 1876، كما أسهم في تأسيس نادي Lake Placid الرياضي بالتعاون مع زوجته آني، والذي ساعد في استضافة دورة الألعاب الأولمبية وكان ذلك في عام 1895.

لينتقل بعد هذه الحياة المليئة بالإنجازات في علم المكتبات في عام 1926 إلى فلوريدا، حيث سيركّز في عمله على نادي Lake Placid وسيدخل حياةَ التقاعد. بقي هناك حتى توفي في الـ 26 من ديسمبر كانون الأول عام 1931 واضعاً بذلك حداً لمسيرة مهنية لا تنسى أبداً بين مؤرخي علم المكتبات.

لقد غيّر ديوي مهنة المكتبات، وأدخل عليها من المفاهيم الحديثة الكثيرَ والوافر، وشغل العديد من المناصب الأكاديمية كرئيس لتحرير مجلة المكتبة، كما شغل منصب أمين جمعية المكتبات الأمريكية، وليروّج لخطته بشكل جيد في حياته، أسس لشركة " Library Bureau company of today"، التي كانت تبيع مواد ومستلزمات أي مكتبة ومن ضمنها خطة التصنيف، كما أسس أول مدرسة لعلم المكتبات في الولايات المتحدة الأمريكية في جامعة كولومبيا.

وتصدرُ خطة تصنيف ديوي العشري الحديثة الخاصة بالمعارف المكتوبة باللغة الإنجليزية عن منظمة OCLC، وقد وصلت الخطة إلى طبعتها الـ 23، أما المعارف العربية والثقافية العربية، فقد تولّت المنظمة العربية للعلوم والثقافة والتربية ترجمة خطة تصنيف ديوي منذ ثمانينيات القرن الماضي، ومنحت الأرقام الخاصة بدين الإسلام واللغة العربية والأدب العربي وتاريخ البلاد العربية الأولوية والأكثرية في التغطية.

المراجع :

هنا

هنا

هنا