الطب > علوم عصبية وطب نفسي

المخدرات الرقمية وخطرها.. نظرة واقعية

يبدو أنّ كلّ شيءٍ في عصر الثورة التقنية قد أصبح رقميّاً، حتى المخدرات. ولا نعني هنا عملية شراء المخدرات عبر الإنترنت، فقد أصبحت الأمور أعقد مما نتخيّل.

المخدرات الرقميّة هي عبارة عن أصوات أو بمعنى أدقّ، ضرباتٍ ثنائية (أي ضربات أو أصوات تُسمع من قبل الأذنين سويّة) تقوم بتغيير نموذج موجات الدماغ، وتؤدي بذلك لاضطراب وعي الإنسان كما المخدرات العادية المعروفة.

ولكن، كيف تعمل هذه المخدرات؟ وكيف تستطيع التأثير على أدمغة البشر؟

عادةً تحدث الضربات الثنائية عندما يتمّ تشغيل نغمتين تختلفان بالتردد بشكلٍ طفيف بالتزامن مع بعضهما. ففي حالة عدم استخدام سمّاعات الأذن، ستتمّ معاملة هذا الفرق الطفيف في التردد كنغمةٍ واحدةٍ في النهاية. ولكن، عندما يستخدم الإنسان السماعات، سيتمكن بسهولةٍ من التمييز بينهما، وسيقوم الدماغ بمعالجتهما كصوتين مختلفين. وبما أنّ الدماغ يقوم بشكلٍ طبيعي بتفسير ومعالجة الأصوات الإيقاعية كنبضاتٍ كهربائية أو موجاتٍ دماغية، كانت الفكرة وراء المخدرات الرقمية هي التحكم بهذه الموجات من خلال مزامنتها مع الضربات الثنائية التي سبق ذكرها. وهذا المفهوم مشابه لتأثير العديد من الأدوية والعلاجات كمبدأ التلقيم الحيوي الراجع (bio-feedback).

في الحقيقة، لقد تمّ إجراء دراسة حول إمكانية استخدام الضربات الثنائية لتحسين الصحة وتطوير الذات، حيث اقترح المنتجون أنّ هناك فوائد عديدة من الاستماع إليها بشكل منتظمٍ. وهذه الفوائد تتضمّن: خفض ضغط الدم، تخفيف التوتر، زيادة التحفيز والتركيز والثقة بالنفس. وجاءت نتيجة الدراسة مطابقةً لتوقعاتهم، حيث لاحظوا أنها أدّت بالفعل لتخفيف القلق وتحسين نوعية الحياة. إلّا أننا بحاجةٍ لإجراء العديد من الدراسات للبتّ في أمرها والمقارنة بين فوائدها ومخاطرها. فبينما يعتقد البعض أنّها قد تسهم في علاج مشاكل النوم والقلق والاكتئاب واضطرابات فرط الحركة، يرى الكثيرون أنّها تملك تأثيرات قوية وخطيرة تضاهي تأثير الكوكائين والهيروئين وغيرها من المخدرات المعروفة. وتبقى الآثار الجانبية لهذه العقاقير الممنوعة والمُعاد تركيبها مؤذيةً أياً كانت طريقة تعاطيها؛ حبوباً، حقناً وحتى أصواتاً كما هو الحال هنا.

وهل تسبب المخدرات الرقمية الإدمان؟

بما أنّها لا تزال جديدةً نسبياً، يلزمنا المزيد من الوقت لتحديد نتائج التعرض لها بشكلٍ دقيق. ولا يوجد حتى الآن أيّ دليل يثبت أنها قد تؤدي لأذية كيميائيةٍ أو اعتيادٍ كيميائي. إلا أنّها تسبب الإدمان من المنظور النفسي، وهذا النوع من الإدمان هو الأصعب. فهنا يصبح الفرد مستعداً لفعل أيّ شيء مهما بلغت خطورته من أجل متابعة تعاطي المخدرات، وقد يؤذي من حوله للحصول عليها. وأكثر من ذلك، فقد يستمتع بالسعادة والنشوة التي تسببها المخدرات الرقمية لدرجةٍ تدفعه للبدء بتعاطي المخدرات التقليدية. وهنا الإدمان النفسي والجسدي لا مهرب منه.

فما الذي حدث في لبنان؟ ولم أُثيرت ضجةٌ إعلامية كبيرة حول هذا الموضوع هناك؟

لقد انتشرت هذه المخدرات في لبنان منذ فترةٍ من خلال بيعها على الإنترنت بما يعادل 3 دولارات للمقطع الواحد، حيث توجد مقطوعات تحاكي (تقلّد) تأثير أدوية معينةٍ، ويوجد إصداراتٌ منها لكل دواء تقريباً. ووفقاً لمحطة MTV اللبنانية، فقد تمّ رصد حالتي إدمانٍ فقط في لبنان حتى الآن. وأظهرت مقاطع الفيديو التي عرضها الإعلام حدوث نوباتٍ صرعيّة عند الاستماع لهذه المقاطع. إلّا أنه لم يُعرف حتى الآن فيما إذا كانت هذه النوبات تظهر لمجرد الاستماع إليها أو أنها لا تصيب إلا من لديهم استعداد أو قابلية مسبقة للإصابة. هذا وقد صرحت الأستاذة المساعدة في علم الأعصاب الدكتورة هيلانة وهبي بعدم وجود زيادةٍ في نشاط موجات الدماغ عند الاستماع إلى تواترات معينة.

فهل نبالغ حقاً في تقدير خطر هذه التسجيلات والأصوات "المخدرات الرقمية"؟ لا يمكننا الإحاطة بجميع جوانب الموضوع حالياً، وما زال أمامنا الكثير من الدراسات المستقبلية التي ستوضح لنا الصورة كاملة.

المصادر:

هنا

هنا

هنا