الطبيعة والعلوم البيئية > عجائب الأحياء

الحياة تحت جليد القطب

أظهرت واحدة من الحملات الأمريكية الضخمة إلى حدود الأرض النهائية أن هناك حياة ونظاماً بيئياً نشطاً على بعد نصف ميل تحت سطح الألواح الجليدية غرب القطب الجنوبي، وذلك في بحيرة لم ترَ ضوء الشمس ولم تصل إليها أيَّة رياح ملايين السنيين.

إن الحياة المكتشفة هي شكل من أشكال الأحياء الدقيقة التي تعيش تحت الغطاء الجليدي للقطب الجنوبي العظيم وتحول الأمونيوم والميثان إلى الطاقة التي تلزمها للنمو.

ونتيجة عن مشروع "WISSARD" المهتم بسبر البيئات تحت الجليد؛ وجدت العديد من الميكروبات الوحيدة الخلية التي تُعرف باسم الأركايا Archaea (العتائق – البكتريا القديمة)؛ مما أثبت للعالم أن القارة القطبية الجنوبية ليست ميتة؛ إذ يُعدُّ البحث الأخير أولَ دليل مباشر على وجود الحياة تحت الغطاء الجليدي للقطب الجنوبي. في الواقع هي ليست حياة فقط بل نظاماً بيئياً نشطاً أيضاً.

بعد الحفر نصف ميل تحت الجليد؛ لم يُفاجأ الفريق بإيجاد حياة في بحيرة Whillans عام 2013؛ إذ يقول رئيس الفريق الذي أمضى 30 فصلاً عمل في القطب الجنوبي إنه توقع ذلك منذ فترة طويلة.

قبل أكثر من عقد من الزمن، نُشر مخطوطان يصفان أول مرة إمكانية ازدهار الحياة الميكروبية في القطب الجنوبي، وقبل 5 أعوام تنبأ صاحب الدراسة الجديدة بأن البيئة تحت الجليدية في القطب الجنوبي ستكون أكبر الأراضي الرطبة على الكوكب، لكن لا تهيمن على هذه البيئة الطيور وأعشاب البرك المشهورة في المناطق الرطبة الأنموذجية لأمريكا الشمالية، ولكنها تزخر بالأحياء الدقيقة التي تُنقِّب عن المعادن في درجات دون الصفر المئوي باحثةً عن مصدر للطاقة لدعم نموها.

بعد أكثر من 10 سنوات من السفر واطلاع الناس على شكل الحياة الممكن إيجاده في القطب؛ كان لرئيس الفريق الدور الأبرز في إقناع وكالات التمويل الأمريكية الوطنية بأن هذا البحث من شأنه أن يغير الطريقة التي ننظر فيها إلى خامس أكبر قارة في الكوكب.

وعلى الرغم من أن الاكتشاف لم يكن مفاجأة للفريق إلا أن بعض التفاصيل كانت مدهشة حقاً وخاصةً فيما يخصُّ كيفية عمل الميكروبات دون أشعة الشمس في درجات دون الصفر، وكذلك حقيقة أن تسلسل الحمض النووي DNA كشف عن نوع الكائنات الأكثر سيطرة ألا وهي الـ "Archaea - العتائق" التي تُشكِّل ثلث أشكال الحياة على الأرض إلى جانب البكتيريا والكائنات ذات الخلايا الحقيقية النوى "Eukaryote" التي ننتمي إليها.

كيف تعيش هذه الكائنات؟

تستخدم العديد من الـ "عتائق" تحت الجليدية الطاقةَ الموجودةَ في الروابط الكيميائية للأمونيوم لإصلاح ثاني أكسيد الكربون وأداء عمليات الاستقلاب الأخرى. في حين تستخدم مجموعة أخرى من الأحياء الدقيقة الطاقةَ والكربون الموجودين في الميثان للعيش. أما مصدر الأمونيوم والميثان فهو تحلل المواد العضوية التي أودعت في المكان قبل مئات آلاف السنين؛ وذلك عندما كان القطب أكثر دفئاً ومغموراً بالبحر من جهته الجنوبية. يُشار هنا إلى أنه -ومع استمرار ارتفاع حرارة القطب الجنوبي وذوبان الثلوج- من الممكن أن تنطلق كميات إضافية من الميثان في الجو وهو من أهم الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

نشأت الكائنات الدقيقة المكتشفة وترعرعت في بحيرة Whillans ولم تُـــدخل (تُوضع) بواسطة معدات ملوثة؛ فقد عزا بعض المشككين لدراسات سابقة مماثلة سببَ وجود الأحياء ليس إلى اكتشافها بل إلى استجلابها خطأً. إن البحث الجديد الذي ذهب القائمون عليه بعيداً في العمق يؤكد أن مصدر الكائنات هناك ليس تلوثاً بل هو بيئة بكر مكتشفة على كوكبنا، لا سيما أن الحفر أُجري باستخدام طريقة مضمونة ومختبرة سابقاً؛ فقد أُزيل الجليد بالمياه الحارة في أثناء الحفر مما يوفر ممراً آمناً غير ملوث نحو البيئات الموجودة تحت الجليد. 

لإثبات وجود الأحياء كان من المهم الحصول على ثلاثة أنواع من الأدلة:

1- رؤية الكائنات تحت المجهر.

2- إثبات أن الكائنات الدقيقة لا تزال حية وتنمو.

3- التعرف إليها بواسطة حمضها النووي.

وما كان الاكتشاف ليُعد ناجحاً لولا تحقق هذه الشروط.

تعد البحيرة (حيث تم الاكتشاف) واحدةً من بين 200 أخرى معروفة تحت القطب الذي تبلغ مساحته مرة ونصف المرة من مساحة الولايات المتحدة، ويحوي 70% من مياه الأرض العذبة لذلك كان استكشاف المكان فرصةً لا مثيل لها للفريق الأمريكي.

يفخر أعضاء الفريق المكتشف بما توصلوا إليه؛ إذ يعتقد رئيسهم أنهم يكتشفون هذا المجال من العلوم الذي يبحث في الحياة ضمن الجليد وتحته. المجال الذي لم يكن يوجد من قبل، مما يجعلهم رواداً فيه. لا تكمن الأهمية باكتشاف مواطن حياة جديدة بقدر ما هي في فهم هذه المواطن وأحيائِها.

وهنا نقف مجدداً أمام التساؤل وراء هذه الاكتشافات؛ إذا كانت الحياة قادرةً على البقاء والازدهار في أصعب الظروف؛ فهل من أملٍ في إيجادها خارج كوكبنا؟

مصدر المقال:

هنا

مصدر الصورة:

هنا