الجغرافيا البشرية والعلوم الإقليمية > الديموغرافيا والجغرافيا الاجتماعية والثقافية

الأبارتيد؛ الفصل العنصري في جنوب أفريقيا

منذ وصول الهولنديين في العام 1652م، وطوال التاريخ الاستعماري الطويل لجنوب أفريقيا، تعرَضت شعوب جنوب أفريقيا إلى أنظمة رسمية وغير رسمية من التقسيم الطبقي العنصري والإقصاء، والاستعباد من قبل الأقلية الحاكمة البيضاء، وفي الفترة الاستعمارية البريطانية (1806م - 1910م)، ظهرت أنظمة مقنَنة للفصل العنصري ضد السكان الأصليين السود والملونين من ذوي الأعراق المختلطة بعد إلغاء العبودية في العام 1833م، وقد حمت هذه الأنظمة ممتلكات النخب البيضاء الحاكمة وسلطتها السياسية.

واستمرت الامتيازات التي تمتَّع بها البيض في الحصول على الحماية التشريعية داخل اتحاد جنوب أفريقيا المستقل بعد العام 1910م (1).

وبموجب قانون الأراضي للعام 1913م، انحصر وجود إجمالي السكان الأفارقة في المحميات الريفية التي بلغت 13% من إجمالي مساحة الأرض، وعلى الرغم من أنَّ عددًا من العوامل كانت مسؤولة عن التوزيع غير العادل للسلطة السياسية والثروة في جنوب أفريقيا، يُعتقَد أنَّه كان لمصادرة الأراضي التأثير الأكبر والمباشر في مجتمعات السود (2).

في الفترة التي سبقت الانتخابات البرلمانية عام 1948م، صعد الحزب الوطني في جنوب أفريقيا (South African National Party) إلى الصدارة، مستغلًّّا المخاوف والتصور المتزايد بأنَّ تمدُّن السود يعرِّض ازدهار الأقلية البيضاء للخطر بازدياد، وبناءً على سياسة الفصل العنصري، دعا الحزب إلى نظامٍ رسميٍّ ومقنَّن يحدِّد امتيازات وحقوق المجموعات العرقية المختلفة في جنوب أفريقيا، وتنفيذ الفصل العنصري، ليتيح الفرصة لهيمنة البيض (1).

مهَّد صعود الحزب الوطني إلى السلطة في العام 1948م إلى التشريع العنصري اللاحق عن طريق سياسة الفصل العنصري التي اتبعها (1,2)؛ إذ واجه الأفارقة السود والذين يشكِّلون أكبر مجموعة ديموغرافية التمييز في كلِّ الجوانب، وبدأ ذلك بقانون حظر الزواج المختلط بين الأعراق للعام 1949م (1)، وبعدها قانون تسجيل السكان للعام 1950م الذي صنَّف سكان جنوب أفريقيا إلى أربع مجموعات: السود والبيض والملونين والهنود (1,2)، وجُرِّد غير البيض من حقوقهم في التصويت وأُجبِروا على استخدام مرافق عامة ووسائل نقل ومدارس منفصلة عن البيض، وقد انشأ قانون المناطق الجماعية للعام 1950م سياسة إعادة التوطين التي حظرت وفكَّكت المجتمعات المختلطة، وأزالت الأحياء الفقيرة في المناطق الحضرية وخصَّصت المستوطنات والبلدات والأحياء وفقًا للعرق (1).

وقد سعى قانون البانتو (Bantu) لعام 1951م إلى محو السكان السود بالكامل من التركيبة السكانية في جنوب أفريقيا، وأنشأ القانون "أوطانًا" مستقلة تتمتَّع بالحكم الذاتي للأفارقة السود تُسمَّى البانتوستانات (Bantustans)، وأدَّى جنبًا إلى جنب مع قانون مناطق المجموعات إلى الترحيل القسري لما يقرب من 3.5 مليون من الأفارقة السود خارج مدن جنوب أفريقيا إلى هذه البانتوستانات، ثمَّ جُرِّد الأفارقة السود من جنسيتهم الجنوب أفريقية في العام 1970م عن طريق إصدار قانون جنسية وطن البانتو (1).

خريطة لجنوب أفريقيا تُظهر البانتوستانات في العام 1984م

تأثَّر المشهد الجغرافي في جنوب أفريقيا (المادي والاجتماعي والاقتصادي) تأثُّرًا عميقًا بسياسة الفصل العنصري، التي تُعَدُّ مثالًا عن الهيكلة الاجتماعية الموجَّهة من قبل الدولة، وكان التركيز الرئيسي لسياسة الفصل العنصري هو إبادة مثل هذه المجتمعات وعزلهم في مناطق تختارها الدولة حيث يمكن تنظيمهم والسيطرة عليهم بفعالية أكبر (2).

تدخَّل نظام الفصل العنصري في كلِّ جانبٍ من جوانب ثقافة جنوب أفريقيا، وكان لكلِّ مجموعةٍ عرقيةٍ شواطئها وحافلاتها ومستشفياتها ومدارسها وجامعاتها، وكانت هناك قواعد شاملة ومفصَّلة لكلِّ جانبٍ من جوانب نشاطات الحياة اليومية، بما في ذلك أيُّ مرحاضٍ عام أو منهلٍ للشرب يمكن استخدامه من قبل المجموعة العرقية، وما هو لون هاتف الشخص، وعلى أيِّ مقعدٍ في الحديقة يمكن أن يجلس (3).

متحف الأبارتيد في مدينة جوهانسبورغ، جنوب أفريقيا

توافد العديد من الأفارقة السود في فترة سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين إلى المراكز الاقتصادية في جنوب أفريقيا مثل جوهانسبرج أو كيب تاون للبحث عن عمل؛ إذ بدأت المستوطنات غير الرسمية للمهاجرين الداخليين في الظهور حول ضواحي مدن جنوب أفريقيا، وغالبًا ما كانت متاخمةً لأحياء الطبقة المتوسِّطة البيضاء، وضمَّت هذه الأحياء الفقيرة أكواخًا من الخردة المعدنية (الصفيح)، وافتقرت إلى المياه والكهرباء والبنية التحتية العامة، ولم تختف ببساطة في السنوات التي تلت الفصل العنصري، بل على العكس نمت وما زالت تنمو باضطراد (1).

حظيت سياسة الفصل العنصري المثيرة للجدل في جنوب أفريقيا باهتمامٍ دولي، وأدانتها العديد من الدول، ونُفِّذت عقوبات اقتصادية وقيود تجارية على جنوب أفريقيا، ونمت المعارضة داخل البلاد واندلعت أعمال عنف واضطرابات اجتماعية، ونتيجةً لذلك بدأت حكومة جنوب أفريقيا التي يهيمن عليها البيض في تفكيك نظام الفصل العنصري في التسعينيات، ورُفِع الحظر المفروض على أحزاب المعارضة السياسية، وبعد قضاء سبعة وعشرين عامًا في السجن، أُطلق سراح نيلسون مانديلا الذي احتُجِز بسبب أنشطته المقاومة. بدأت حقبةٌ جديدة بإلغاء تشريع الفصل العنصري، وأصبح مانديلا أول أفريقي يُنتخَب رئيسًا لجنوب أفريقيا في الانتخابات الجديدة المتعدِّدة الأعراق للعام 1994م، ومهَّدت رئاسته الطريق لمجتمعٍ متعدِّد الأعراق، وما تزال البلاد تعمل على التغلب على تداعيات كلِّ تلك السنوات من الفصل العنصري، وكما هو متوقَّع لم تكن عملية التحول خاليةً من الصعوبات (3).

نصب لنيلسون مانديلا في المكان الذي اعتُقل فيه عام 1962م

ما تزال آثار سياسات الفصل العنصري وما سبَّبته من تفتُّتٍ اجتماعي ومكاني حاضرةً في واقع جنوب أفريقيا المعاصر، ولم تساعد السياسات الإصلاحية المعتمَدة منذ العام 1994م في محوها ولكن كرَّستها، فقد حلَّ الفصل الطبقي محلَّ الفصل العنصري في معظم مدن جنوب أفريقيا، وما زال غالبية السود في أسفل السلَّم الاجتماعي والاقتصادي (2).

استمرار عدم المساواة في جنوب أفريقيا اليوم

فما الطريق الأمثل برأيكم للتخلُّص من حملٍ ثقيل أورثته سنوات طويلة من الفصل العنصري وما زالت مؤثِّرةً إلى اليوم؟ وكيف يمكن لجنوب أفريقيا المضي إلى مستقبلٍ أكثر إشراقًا ومساواةً لجميع سكَّانها؟

المصادر:

1. Whitcomb J. Inequality in South Africa since 1960 [Internet]. Unviersitat Bayreuth; [cited 2024 Jan 18]. Available from: هنا

2. Maharaj B. The Apartheid City. In: Massey R, Gunter A, editors. Urban Geography in South Africa Perspectives and Theory - GeoJournal Library [Internet]. 1st ed. Cham: Springer; 2020 [cited 2024 Jan 18]. p. 39–54. Available from: هنا

3. 7.6 Southern Africa [Internet]. University of Minnesota Libraries Publishing edition; 2016 [cited 2024 Jan 18]. Available from: هنا