الفلسفة وعلم الاجتماع > علم الاجتماع

المكدونالدية؛ من المطعم إلى علم الاجتماع

المكدونالدية: ما بين مطاعم الوجبات السريعة وعلم الاجتماع

تنطوي فرضية المكدونالدية (McDonaldization) على أن مطاعم الوجبات السريعة -ولا سيما سلسلة مطاعم مكدونالدز الرائدة- تعد النموذج المعاصر للتخطيط العقلاني؛ إذ تتضمن المكدونالدية ازديادًا في الكفاءة وقابلية التنبؤ والمحاسبة والتحكم عن طريق تفعيل العامل غير البشري والاستغناء عن العامل البشري، وتناقش فرضية المكدونالدية الجوانب غير العقلانية من الفوضى وانعدام النظام التي تنطوي عليها عقلانية العمل (1).

وتعد دراسة ماكس ويبر (Max Weber 1864-1920) للعقلانية أو العمل المنطقي، نقطة البداية لفرضية المكدونالدية، ويمكن عد المكدونالدية تحديثًا لعقلانية ويبر، ويعكس استخدام مصطلح "المكدونالدية" اقتناع العالم جورج ريتزر (George Ritzer 1940) بأن مطاعم الوجبات السريعة نموذج يتفوق على بيروقراطية ويبر في العالم المعاصر (2).

ونتيجة لذلك عُدَّت المكدونالدية نسخة عن "القفص الحديدي" في النظرية الاجتماعية الحديثة (3)، الذي يحبس الفرد في قفص العقلانية ويمنعه من الإبداع، ولوحظ تحيز إلى الطبقة الوسطى، أو العليا بالأحرى، في معظم النقاشات حول المكدونالدية، بالإضافة إلى أن التركيز العام على الاستهلاك ووسائله بوصفها بطاقات الائتمان يعزز هذا التحيز، ومع ذلك، هناك تأثيرات مباشرة وغير مباشرة في الذين ينتمون إلى الطبقات الأدنى بالإضافة إلى الأقليات الأخرى مثل أصحاب البشرة السوداء والنساء والمراهقين (1).

وتتأثر الأقليات بالمكدونالدية أكثر من غيرها، وتبين أن الأنظمة المكدونالدية هي التي تقدم أسعارًا أقل، وبجودة وخدمات أقل أحيانًا؛ فمن البدهي أن مجموعات الأقليات هي من ستستخدم تلك الأنظمة؛ لأنها لا تستطيع تحمُّل نفقات البدائل الأخرى، في حين ينجذب الأفراد في الطبقات الأعلى إلى الأنظمة المكدونالدية أيضًا، ولكن الفرق يكمن في قدرتهم على الانتقال إلى بدائلها حالما يرغبون بذلك، ومن الواضح أن الأفراد في الطبقات الأدنى هم من يعملون في الأنظمة المكدونالدية، وهذا يعطي نبذة عن أثر المكدونالدية العميق في الأفراد كلهم نظريًّا، كما أن انعدام البدائل هو التمثيل الأدق لقفص ويبر الحديدي؛ إذ إن الجميع، بغض النظر عن صفاتهم المميزة، مسجونون في هذا القفص معًا (1).

المكدونالدية والعمل:

تؤدي سيرورة المكدونالدية إلى ظهور عديد من الأعمال المكادونالدية "McJobs"؛ إذ يقدم قطاع الخدمات في مراتبه الدنيا على وجه الخصوص عديدًا من الأعمال التي تتبع للأنظمة المكدونالدية التي تتطلب حدًّا أدنى من المهارات، وعلى نحو صادم، هناك عديد من الأعمال ذات المستوى المتوسط تتلبس صفة المكدونالدية شيئًا فشيئًا، وتتحدد الأعمال المكدونالدية "McJobs" بخمسة أبعاد من المكدونالدية، تنطوي تلك الأعمال على سلسلة من المهمات البسيطة التي يجب تنفيذها بأكبر قدر ممكن من الكفاءة، إلى جانب أن الوقت المخصص لتلك المهام محسوب بدقة لدرجة أن الكمية تغلب النوعية تحت هذا البند؛ أي إن المهام مبسطة للغاية لدرجة أنها لا تعني للموظف شيئًا، بالإضافة إلى أن العمل مُتوقَّع؛ إذ يؤدي الموظفون ويقولون الأمور ذاتها يومًا بعد يوم، فضلًا عن اعتماد عديد من التقنيات غير البشرية للتحكم بالعمال وتحويل أفعالهم إلى أفعال آلية، وأخيرًا تؤدي عقلانية "McJobs" إلى عدد من الجوانب غير العقلانية وخصوصًا تجرد العمل من الصفات الإنسانية (1).

وعلى سبيل المثال، تفرض المكدونالدية أشكالًا جديدة من التحكُّم الإداري على الموظفين؛ إذ يتبنى الموظفون المحتملون معظم توقعات الوظيفة المكدونالدية قبل أن يعملوا لصالح مؤسسة مكدونالدية، ويصبحون على دراية بما هو مُتوقَّع منهم فعله كما أنهم يؤمنون به، ونتيجة لهذا، لا يوجد حاجة ملحة للمديرين كي يتحكموا بهم، والأهم من ذلك أن المكدونالدية تمارس التحكم عن طريق  عدة تقنيات غير بشرية، وبهذا تصبح تلك التقنيات هي المتحكمة الأولى بالموظفين وليس المديرين، وكمثال على تلك التقنيات، آلة المشاريب التي تنطفئ تلقائيًّا حالما يمتلئ الكوب أو آلة قلي البطاطا التي ترفع السلال تلقائيًّا من الزيت الساخن حالما تصل البطاطا إلى الدرجة المثلى من النضج (1).

مقارنة بين مكدونالدز وأمازون في سياق المكدونالدية:

يقدم موقع أمازون نأموذجًا للتجارة عالي الكفاءة؛ إذ يغنينا عن الرحلات الطويلة والبعيدة إلى البقالية والمراكز التجارية ويؤمن فرصة للجلوس في المنزل وانتظار توصيل الطلب في مدة قصيرة، وعلى الرغم من أن مكدونالدز يتمتع بصفة الكفاءة؛ إذ يؤمن خدمة تناول الطلب من النافذة، ولكنه لا يوفر عملية التنقل على الزبائن، وتتضمن عملية التسوق على أمازون سلسلة متوقعة من الخطوات على الإنترنت التي تؤدي إلى إكمال الطلب، وفي الوقت ذاته، أضفى مكدونالدز صفة التوقع على عملية تناول الطعام في المطعم، فهناك خطوات محددة لسيرورة طلب الطعام، ولكن هناك بعض الصفات غير المتوقعة التي تتخلل زيارة مكدونالدز وهي غائبة عن أمازون، وهناك مرونة في إجراء الحسابات في أثناء التسوق على أمازون، فالأسعار مشار إليها على نحو واضح، بالإضافة إلى الحسومات والتنزيلات، أما في مكدونالدز فهناك هرمية تسعير مشابهة لتلك في أمازون ولكن المبلغ الكلي لا يُعرف إلا عند إتمام الطلب، ويخضع التسوق على أمازون إلى تحكم طبيعة الموقع واعتماده على التقنيات غير البشرية، ولا يمكن للمستهلكين السؤال عن طلبات خارج لائحة الموقع (إذ لا يوجد أحد لسؤاله)، في حين هناك تحكم يطبق على الزبائن في مكدونالدز ولكن بوسعهم طلب بعض التغييرات في بعض الأطعمة التي يطلبونها، وهذا أحد أسباب طول طابور الانتظار في المطعم (2).

أصدقاءنا، هل تلاحظون سيطرة المكدونالدية على تفاصيل حياتنا اليومية؟

المصادر:

1- Ritzer G. The McDonaldization Thesis: Explorations and Extensions [Internet]. Sage Publications Ltd; 1998 [cited 2023 Jul 12]. Available from: هنا

2- Ritzer G, Miles S. The changing nature of consumption and the intensification of McDonaldization in the digital age. Journal of Consumer Culture [Internet]. 2018 [cited 2023 Sep 22];19(1):3–20. Available from: هنا

3- Ritzer G, Stillman T. Assessing McDonaldization, Americanization and Globalization. In: Sznaider N, Winter R, Beck U, editors. Global America? The Cultural Consequences of Globalization [Internet]. Liverpool : Liverpool University Press; 2004 [cited 2023 Sept 26]. p. 30–48. Available from: هنا