الفلسفة وعلم الاجتماع > الفلسفة الغربية

هل نعيش يوماً في عالم بلا إيديولوجيا؟

ينطلق الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك (Slavoj Zizek 1949) من الإيديولوجيا بأبسط تعاريفها كما عرَّفها كارل ماركس (1818-1883 Karl Marx) بعبارة "إنهم يفعلون ما لا يعرفون"، التي تنص على الجهل بالواقع الذي نعيش فيه، فيوجد الواقع من ناحية، ومن ناحية أخرى يوجد فهمنا المشوَّه لهذا الواقع، والإيديولوجيا هي هذا الفهم المشوَّه برأي ماركس، ولكن جيجيك يطور العبارة لتصبح "إنهم يدركون أنها إيديولوجيا ولكنهم يتصرفون وفقها على أي حال"، أي أننا ندرك أن نظرتنا للواقع مشوهة لكننا نتقبل ذلك ونتصرف وفقه في حياتنا (1). 

وإذا عدنا إلى مقولة ماركس "إنهم يفعلون ما لا يعرفون"، وطرحنا سؤالًا بسيطًا هو: أين يكمن الوهم الإيديولوجي؟ هل يكمن في "المعرفة" أم في "الفعل"؟ للوهلة الأولى تبدو الإجابة بأنَّ الوهم يكمن في "المعرفة"؛ أي إنَّ الفرق يكمن بين أفعال الناس وما يعتقدون أنَّهم يفعلون، بمعنى أنَّ الناس "لا تدرك أفعالها" (2)، ولهذا اعتقد ماركس بأنَّ كل ما علينا فعله هو التوضيح للبشر أنَّ فهمهم للواقع مشوَّه (1)، ولكن الأمر أكثر تعقيدًا مع جيجك، وقبل الحديث عن جيجك، علينا العودة إلى ما يُسمِّيه ماركس بـ"صنمية السلعة" (Commodity fetishism)، فالمال -وفقًا لماركس- تجسيدٌ لعلاقات اجتماعية بين الأشياء، وهو مكافئ عالمي للسلع كافة، ولكنَّ المال يظهر لنا بصفتنا أفرادًا على أنَّه يجسِّد الثروة في حدِّ ذاته، ويشير ماركس إلى أنَّ العلاقات الاجتماعية تتخفَّى في العلاقات بين الأشياء أو السلع وعلينا أن نكتشف هذه العلاقات (2).

بالنسبة إلى جيجك، هذه المعادلة الماركسية تخفي الوهم الموجود في الواقع الاجتماعي نفسه على مستوى ما يفعله الأفراد، وليس ما يفكرون فيه أو ما يعرفون أنهم يفعلونه فحسب، فالبشر جميعهم مدركون تمامًا لعدم وجود شيء سحري في المال، وأنَّ المال أو السلع في الحقيقة تعبِّر عن العلاقات الاجتماعية، والمشكلة تكمن -بالنسبة لجيجك- في أنَّ البشر في نشاطهم الاجتماعي نفسه؛ أي فيما يفعلونه، يتصرفون كما لو أنَّ المال في واقعه المادي هو التجسيد المباشر للثروة في حدِّ ذاتها على الرغم من معرفتهم بحقيقة الأمور، ولهذا يقول جيجك بأنَّنا صنميون في الممارسة وليس في النظرية، بمعنى أنَّنا نعرف حال الواقع تمامًا، ولكنَّنا نتصرف وكأنَّنا لا نعرف، وهذا ما يُسمِّيه جيجك بالخيال الأيديولوجي (Ideological fantasy) (2).

يخبرنا جيجك بأنَّ استمرار فهمنا الكلاسيكي للإيديولوجيا (أي إنَّ الوهم أو الخلل يكمُن في المعرفة) يؤدي إلى ظهور مجتمعنا المعاصر على أنَّه مجتمع ما بعد إيديولوجي (Post-ideological)؛ إذ إنَّ الإيديولوجية السائدة هي السخرية (Cynicism) وعدم إيمان البشر بالحقائق الإيديولوجية، وعدم أخذ الإيديولوجيا على محمل الجد، ومع ذلك، فإنَّ المستوى الأساسي الذي تعمل من خلاله الإيديولوجيا ليس مستوى الوهم الذي يخفي الحالة الحقيقية للأشياء، بل هو مستوى الخيال (اللاواعي) الذي يبني واقعنا الاجتماعي (2)، فمجرد إنكارنا لكوننا تحت تأثير الإيديولوجيا هو دليل على خضوعنا للإيديولوجيا؛ لأن نجاحها يعتمد على تستُّرها (3). 

وبالنتيجة فجيجك يرى بأنَّنا بعيدون عن كوننا مجتمع ما بعد إيديولوجي، فهو يرى بأنَّ السخرية أسلوبٌ واحد من أساليب عدة نستخدمها لتجاهل قوة الخيال الإيديولوجي، فحتى لو كنَّا لا نأخذ الأمور على محمل الجد (عن طريق السخرية الدائمة)، فإنَّنا ما زلنا نتصرف بالطريقة نفسها (2)، فنحن نعلم على سبيل المثال بأنَّ أصواتنا في الانتخابات لن تؤدي إلى أي تغيير أحيانًا، ولكن مع ذلك نصوت، فوفقًا لجيجك نحن ذوات ساخرة (1).

المصادر:

1. Myers T. Slavoj Zizek [Internet]. 1st ed. Routledge; 2003 [cited 2023 Jul 30]. Available from: هنا

2. Žižek S. The Sublime Object of Ideology [Internet]. 1st ed. London: Verso; 1989 [cited 2023 Jul 30]. Available from: هنا

3. Wright E, Wright E, editors. The Zizek Reader [Internet]. Wiley-Blackwell; 1999 [cited 2023 Jul 30]. Available from: هنا

مصدر الاقتباس:
Sharpe M. Žižek, Slavoj | Internet Encyclopedia of Philosophy [Internet].[cited 2023 Aug 23]. Available from: هنا