الفلسفة وعلم الاجتماع > الفلسفة

الفكاهة والتسلية في نظر الفلاسفة

يحب الجميع الضحك بين الحين والآخر، ولكن من الصعب تخيل الفلاسفة يضحكون وقد لا يفاجئك أن تعلم أن الفلاسفة حاولوا تحليل الكوميديا ​​والضحك والفكاهة على مرِّ التاريخ؛ إذ ركَّزت الدراسة الفلسفية للفكاهة على تطوير تعريف فلسفي لها، والذي كان -حتى وقت قريب- يُعامل على أنه مشترك تقريبًا مع الضحك، وعملت هذه الدراسات على تطوير نظرية مناسبة لماهية الفكاهة (1).

ولكن ما هو الضحك وما الفكاهة في نظر الفلاسفة؟

يرى الفلاسفة أن الضحك إشارةٌ واضحة تدل على العودة إلى العجز البدائي للإنسان، فأثر الفكاهة أو المزحة بالنسبة إلى البالغين كأثر اللعب على الأطفال؛ أي يُتيح لهم التحرر من استبداد الواقع والسماح للمتعة بإضفاء قليل من التسلية الحرة إلى حياتهم (2).

وبإلقائنا نظرة عامة على آراء الفلاسفة قد نتمكن من فهم النقاش الذي لا ينتهي حول ما يجب وما لا يجب أن يكون موضوعًا للفكاهة، فالفيلسوف فريدريك نيتشه يرى مثلًا أن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يضحك لأنه يعاني بشدة (2).

أما توماس هوبز فيُصر على أن عدم الأخذ بآراء الآخرين على محمل الجد والهزل بذلك هو علامة على الجبن؛ لذا يجب تجنُّبها، فالعقول العظيمة تسعى جاهدة إلى عدم السخرية من الآخرين، فهم يقارنون أنفسهم مع الأكثر تفوقًا فحسب، أما أولئك الذين يستهزئون بالآخرين على أنهم أقل شأنًا، فهم يظهرون بهذه الطريقة هزالهم الأخلاقي (2).

أما الفيلسوف إيمانويل كانط فقد قدم تحليلًا جديدًا للضحك؛ إذ يرى أنه لكي يُثير أمرٌ ما ضحكةً مفعمة بالحياة يجب أن يكون هنالك أمرٌ عبثي، فالضحك هو العاطفة التي تنشأ عن التحول المفاجئ من التوقعات المُرهِقة إلى اللاشيء، وفي حين لا يبدو فهم هذا التحول أمرًا ممتعًا، لكنه يمنحنا متعةً لحظية على نحو غير مباشر، ووفقًا لكانط، فإن هذا الاستمتاع غير المباشر بالفكاهة يُعد متعة محسوسة تنشأ من اللعب بالأحاسيس بطريقة حرة ومتغيرة تُصاحب حالة مداعبة التفكير (3).

وقبل كانط بقرون عديدة، طرح أرسطو في الأخلاق النيقوماخية تعليقات على الفكاهة يرى فيها أن الحياة تشمل الراحة والنشاط، وفي أوقات الراحة هناك أوقات الفراغ والتسلية التي تشمل العلاقات الاجتماعية مع تحرِّي اللباقة فيما نقوله وكيف نقوله؛ ما يجعل الذين يُفرطون في الفكاهة مهرجين مبتذلين هدفهم إثارة الضحك أكثر من التحدث بلباقة؛ إذ لا يفكرون بالألم المُترتب على نكاتهم، وفي الوقت عينه هناك الذين لا يستطيعون قول أي شيء مضحك وهم -كما يرى أرسطو- بائسون وحياتهم قاسية، وهنالك صنف ثالث وهم الذين يمزحون بطريقة لبقة ويُطلق عليهم اسم (eutrapelos) أي المزوحين، الأمر الذي يعكس براعة سريعة في فطنتهم.

ولم تُلاحظ فكرة أرسطو عن الفكاهة بوصفها راحة ومرحًا حتى استخدمها توما الأكويني في كتابه الخلاصة اللاهوتية (Summa Theologiae)، فقد طرح كَوْن هذه الأفعال تندرج تحت ثلاثة تصنيفات وهي:

1. ما إذا كان هناك فضيلة في السلوكيات التي جرت في أثناء التسلية.

2. وما الخطيئة في التسلية الكثيرة.

3. وما الخطيئة في التسلية القليلة.

ويرى الأكويني كما أرسطو أن الفكاهة  ضرورية للراحة، وكما يُخفَّف التعب الجسدي عن طريق راحة الجسم، يقل التعب النفسي عند راحة الروح، وهكذا، فإن علاج الإجهاد الروحي يكمن في تراخي توتر العقل والاستمتاع ببعض المرح.

وعندئذ نُسمي هذه الأقوال والأفعال -التي لا يُنتظر منها ما هو أبعد من متعة الروح- مرحًا أو فكاهة ومن الضروري أحيانًا الاستفادة من هذه السلوكيات أو الأقوال المرحة لتحقيق راحة النفس (3).

وأضاء أيضًا هربرت سبنسر على النقطة ذاتها، فقد رأى أن الفرح حالة من الشعور اللطيف الذي يتبعه توقف للإجهاد العقلي المزعج (2).

وأنتم هل توافقون سبنسر على ضرورة المزاح والفكاهة لصحة عقلية أفضل؟ وهل ترون أن الفلسفة قد تحمل هذا القدر من الظرافة؟ شاركونا بعضًا من الطرائف الفلسفية في التعليقات.

المصادر:

1. Smuts H. Humor [Internet]. Internet Encyclopedia of Philosophy. [cited 2023 Jun 22] Available from: هنا

2. Eagleton T. Humour. New Haven: Yale University Press; 2022. Available from: هنا

3. Morreall J. The Good, the Bad, and the Funny: An Ethics of Humor. The Southern Journal of Philosophy. 2020;58(4):632–47. Available from: هنا