اللغة العربية وآدابها > ألـــبـــومات

الكآبة والشِّعر العربي

بقي الأدب عمومًا والشعر على وجه الخصوص مرآةً رافقت الإنسان وعكست المشاعر الإنسانية التي تعبر عن مواقف الحياة المختلفة بما فيها من أحداث وصراعات وانفعالات وخبرات. ولعل الحزن والكآبة من أعمق التجارب الأليمة التي يمكن أن تتحول في خيال الشاعر إلى تجربة شعورية توحي إليه بأشجى الأشعار، ولعل من فضل المصائب على الإنسان أنّها تعيده بالألم إلى إنسانيته فإذا به يتحول إلى قيثارة تعزف لحنًا يفيض بالشجن..

وتزدحم دواوين الشعر العربي بأشعار تعبر عن هذه التجربة في مناسبات مختلفة، وربما كان أهمها التأثر بفقد عزيز أو حبيب أو ضيق الحياة وصعوبتها، ومنهم من اشتكى تقدّم العمر والضعف الجسدي الذي أصابه وقد بدّلت عليه الحياة وجهها الناصع، ليتحوّل الحزن إلى فلسفة تعبر عن نظرة الشاعر إلى مسألة الحياة والموت..

تابعوا معنا هذه الباقة من الأشعار وشاركونا آراءكم..

تقول الخنساء في رثاء أخيها صخر:

كأنّ عيني لذكراهُ إذا خَطَرَتْ … فيضٌ يسيلُ علَى الخدَّينِ مدرارُ

تبكي لصخرٍ هي العبرَة وَقدْ ولهتْ … وَدونهُ منْ جديدِ التُّربِ أستارُ (1)

وينظر المعري بعمقٍ أكبر إلى الموت فيقول:

إنّ حزنًا في ساعةِ الموتِ أضعا ... فُ سرورٍ في ساعةِ الميلادِ (2)

وعلى زوجته أيضًا بكى محمود سامي البارودي في منفاه: 

هيهات بعدك أن تقر جوانحي … أسفًا لبعدك أو يلين مهادي 

ولهي عليك مصاحبًا لمسيرتي … والدمع فيك ملازم لوسادي (3)

يقول شاعر في وصف حالة الكآبة الشديدة التي يعانيها: 

وفوقي سحاب يمطر الهم والأسى … وتحتي بحار بالأسى تتدفق (4)

وعن مشاعر الحزن التي تستبد بالمكتئب فتسلبه نومَه يقول المتنبي: 

أرق على أرق ومثلي يأرق … وجوى يزيد وعبرة تترقرق 

جهد الصبابة أن تكون كما أرى … عين مسهدة وقلب يخفق (5)

وراح بعض الشعراء يصفون العلاج للاكتئاب، يقول إيليا أبو ماضي: 

أيها ذا الشاكي وما بك داء … كن جميلًا ترَ الوجود جميلا 

والذي نفسه بغير جمال … لا يرى في الوجود شيئًا جميلا 

أحكمُ الناس في الحياة أناس … عللوها فأحسنوا التعليلا 

هو عبء على الحياة ثقيل … من يظن الحياة عبئًا ثقيلا (6)

ويقدّم المتنبي إلينا نصيحة أخرى قائلًا: 

لا تلق دهرك إلّا غير مكترثٍ … ما دام يصحب فيه روحك البدنُ 

فما يدوم سرورٌ ما سُررت به … ولا يرد عليك الغائبَ الحزنُ (5)

المصادر:

1. القرشي عباس بن محمد بن مسعود. حماسة القرشي. دمشق: مطبوعات وزارة الثقافة؛ 1995. ص167.

2. الجُندي محمَّد سليم. الجامع في أخبار أبي العلاء المعرِّي وآثاره. دمشق، سوريا: المجمع العلمي العربي. الجُزء الأوَّل. ص340.

3. البارودي محمود سامي. ديوان البارودي. تحقيق: علي الجارم ومحمد شفيق معروف. بيروت: دار العودة؛ 1998. ص155.

4. ضيف شوقي. تاريخ الشعر العربي. مصر: دار المعارف؛ 1960. ج5 ص408.

5. المعري أبو العلاء. شرح ديوان المتنبي (معجِز أحمد). الطبعة الثانية. القاهرة: دار المعارف؛ 1992. ج1 ص101.

6. أبي ماضي إيليا. ديوان أبي ماضي. بيروت: دار العودة؛ 2012. ص404.