اللغة العربية وآدابها > دراسات في اللغة والأدب

التشبيه الضمني

التشبيه الضمني: هو تشبيه خفي غير صريح، لا يأتي على أي صور من صور التشبيه المعروفة، فلا يوضح فيه المشبه والمشبه به، بل يُلمحان في تضاعيف الكلام، فيوحي الكاتب بالتشبيه دون أن يصرّح به، ويفعل ذلك نزوعًا للابتكار أو إقامةً للدليل أو رغبة في إخفاء التشبيه؛ لأنّ التشبيه كلّما دقّ وخفي كان أبلغ (1-3).

يقول أبو العتاهية:

ترجو النجاةَ ولمْ تسلِكْ مسالكَها                إن السّفينةَ لا تمشي على اليُبْسِ

قدّم الشاعر في صدر البيت صورة قضية مهمة، وهي رغبة من يريد الوصول إلى النجاة والسلامة دون أن يسلك الطرق المؤدية إلى ذلك، ثم طرح في عجز البيت قضية أخرى، وهي أنّ السفينة تعجز عن الإبحار على اليابسة. فهو لم يخبرنا صراحة أن حال من يطلب النجاة دون عمل تشبه حال السفينة التي تحاول السير على اليابسة، لكننا لمحنا ذلك ضمنًا من مجمل البيت.

وهذا النوع من التشبيه يحتاج تأملًا وتدقيقًا في النظر حتى يُتوصل إلى فهم الأواصر التي تربط طرفي التشبيه أو فهم التشبيه نفسه (2).

ومثله قول أبي تمّام:

وطُولُ مُقامِ المرءِ في الحيِّ مخلِق               لِديباجتَيْهِ فاغتربْ تتجَدَّدِ

فإنّي رأيتُ الشّمسَ زيدتْ محبّةً                  إلى الناسِ أنْ ليستْ عليهمْ بِسَرْمَدِ

أتمّ الشاعر المعنى في البيت الأول وهو أن طول بقاء المرء في مكان واحد يدعو إلى سأم الناس منه، لكنه شعر أن هذا القول يحتاج حجة تدعمه، فجاء بدليل على صحة ادعائه في البيت الثاني، وهو أن الشمس يزداد الناس شغفًا بها لأنها في حالة تجدد مستمرة (2)، فكأن المتكلم يقول للمخاطب: لا تُنكر عليَّ ما أزعم، فإنّ لما قلتُ مثيلًا تعرفه ولا تجادل فيه (4).

ومنه قول أبي فراس الحمْداني:

سيذكرُني قومي إذا جَدَّ جِدُّهم               وفي الليلةِ الظَّلماءِ يفتقدُ البدرُ

يقول: إن قومه سيتذكرونه عن اشتداد المِحن والخطوب، وليؤكد دعواه، قال إن لحاله مثيلًا وهو افتقاد الناس لنور البدر في الليالي المظلمة (2).

يقول المتنبي:

ومَنْ يَهُنْ يسهُلُ الهوانُ عليهِ               مالجرحٍ بِميِّتٍ إيلامُ

يقول: إن الذي اعتاد الهوانَ واستسهله ولم يعد يتألم له يسهل عليه تقبل هوانٍ أو ذلٍّ جديد، وليس عجيبًا؛ لأن له في الواقع ما يماثله، وهو حال من مات وفقد الإحساس فما عاد يؤلمه أي جرحٍ جديد (2).

وقال المتنبي في مدح سيف الدولة:

فإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنتَ منهمْ                   فإنّ المِسكَ بعضُ دم الغزالِ

شبَّهَ تفوق سيف الدولة على الناس جميعهم مع أنه فردٌ منهم، بتفوّق المسك على دم الغزال الذي هو جزء منه (2).

كذلك نلمح التشبيه الضمني في بيت أبي تمّام:

لا تُنكري عَطَلَ الكريمِ منَ الغنى               فالسيلُ حربٌ للمكانِ العالي

يقول: لا تستنكري خلوَّ الرجل الكريم من الغنى، فإن ذاك ليس عجيبًا لأنّ قمم الجبال وهي أعلى الأماكن وأشرفها لا يستقر فيها ماء السيل (1).

سماته:

١- غياب أداة التشبيه: وهي سمة بارزة فيه، لكنّ غيابها لا يعنى أنّ التشبيه بات ضمنيًّا، ومن ذلك قول الشاعر:

فإذا شَكا فالقلبُ برقٌ خافقٌ               وإذا بكى فدُموعُه الأمطارُ

فالتشبيهان ظاهران على غياب أداة التشبيه (3).

٢- ركنا التشبيه (المشبَّه والمشبَّه به) يُلمحان ويُستنتجان بلا ترابط مباشر بينهما. فمن ذلك قول ابن الرومي:

عدُوُّك من صديقكَ مُستفادُ               فلا تستكثِرنَّ من الصحابِ

فإنّ الداءَ أكثرَ ما تراهُ               يكونُ منَ الطعامِ أو الشرابِ

فالبيت الأول يشير إلى قضية، وهي تحول الصداقة إلى عداوة ودعا فيه إلى الحذر من الإكثار من الأصحاب، أما البيت الثاني فجاء بقضية ثانية وهي تحول الطعام والشراب إلى مرض إذا ما أُفرط فيه (3).

٣- المشبه به لا يتقدم على المشبه (3)، فالتشبيه الضمني لا بدَّ أن يأتي عقب المعنى؛ أي عقب تمام المعنى الذي يريده المتكلم ليكون بمنزلة دليل وبرهان (5).

٤- صورة المشبه حالة واقعة حسًّا وعقلًا لدى المتكلم، ثم يسعى لنقلها إلى المخاطب، فيأتي بدلائل وبراهين على صحة اقتناعه، وذلك لبيان إمكانية وجود المشبه (3).

يقول ابن المعتز:

اصبر على مِضَضِ الحسو                     دِ فإنّ صبركَ قاتلُه

فالنارُ تأكلُ بعضَها                         إنْ لم تجدْ ما تأكله (3)

٥- المشبه به دائمًا ينزل منزلة فن (إرسال المثل)، لما يتضمّنه من حكمةٍ أو مسلّمة أو بديهة جارية مجرى العُرف أو القانون في الحياة، من ذلك قول الشاعر:

غَضَضْتُ طرفيْ دونَها إذ بدتْ                 والعينُ لا تقوى على الشمسِ

وقول آخر:

سافرْ إذا ما شئتَ قَدْرا                      سارَ الهلالُ فصارَ بدرَا

و:

تزْدَحِمُ القُصَّادُ عند بابِه                  والمنهلُ العَذْبُ كثيرُ الزحامِ (3)

٦- لا تتأتّى صياغته للعموم، فهي تتطلب براعةً ومهارةً وحذقًا، والسبب هو وظيفة هذا الفن في تأدية متعة فنية وإبهارٍ جمالي وإثبات مسلمات وأحكام منطقية لا يشك بها، ومن الصور اللطيفة قول أبي فراس الحمْداني:

تَهونُ علينا في المَعَالي نُفُوسُنا                    ومَن يخطبِ الحسناءَ لم يَغْلُهٌ المهرُ (3)

ولا شك أن التشبيه عامة ومنه التشبيه الضمني تؤثر فيه عوامل كثيرةٌ كالبيئة والزمن والمستوى الثقافي ودرجة التخيل وغير ذلك من المؤثرات (2).

والحق أن هذا النوع من التشبيه يتميز بعمق الفكرة وثراء المعنى وحرارة الإمتاع وقوة الإقناع، وهو يحفز المتلقي على قدح الذهن، وشحذ الهمة لمعرفة العلاقة التي تربط بين الطرفين، وبذلك تتشوق النفسُ إليه وتلقاه بالاستحسان، وفي ذلك يقول عبد القاهر الجرجاني: "ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه … كان نيله أحلى … فكان موقعه من النفس أجل وألطف" (5).

المصادر:

1. الجارم علي، أمين مصطفى. البلاغة الواضحة. ط1. دمشق: دار العلم الحديث؛ 2005. ص58-60

2. فاعور منيرة. التشبيه آفاقه النظرية والجمالية. ط3. دمشق: دار البشائر؛ 2016. ص96-100

3. فاعور منيرة. التشبيه الضمني وقائع ودلائل. ط1. دمشق: منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب؛ 2018. ص13-26

4. العاكوب عيسى. المفصل في علوم البلاغة. ط1. دبي: دار القلم؛ 1996. ص423

5. الجرجاني عبد القاهر. أسرار البلاغة. تحقيق: محمد رشيد رضا. بيروت: دار الكتب العلمية؛ 1988. ص92،118