الغذاء والتغذية > الفوائد الصحية للأغذية

تأثير الوراثة والجينات في اختياراتنا الغذائية

كانت التغيرات التطورية البيولوجية الرئيسة في التشريح ووظائف الأعضاء البشرية مصحوبة بتغيرات في النظام الغذائي، مما أدى إلى تكيّفنا على النظام الغذائي الحديث، فعلى الرغم من استقرار الجينوم البشري، إلا أن التكيفات البيئية وطرائق التغذية الجديدة سمحت للأنواع بالازدهار والتكيف مع الظروف المختلفة (1).

يعدّ (التباين الجيني - Genetic Variation) مسؤولًا عن عديد من الاختلافات بين الناس كلون العين والشعر والبشرة والوزن وغيرها الكثير، وعلى الرغم من أن التغذية تؤدي دورًا كبيرًا في الحفاظ على الصحة العامة، لكن دور الجينات في التأثير الغذائي لم يفهم بالكامل بعد.

قد يكون التباين الجيني مسؤولًا جزئيًّا على الأقل عن الاختلافات التغذوية الآتية بين الأفراد في: امتصاص الطعام والتمثيل الغذائي وإنزيمات الهضم والتخليق الحيوي وتفاعلات الهدم عبر أغشية الخلايا ونقلها والامتصاص عن طريق مستقبلات الخلية والتخزين والإفراز وفي الجهاز العصبي المركزي. من المحتمل أن يؤثر التباين الجيني في إدراك التذوق ودرجة الشبع وعوامل أخرى من المحتمل أن تؤثر في تناول الطعام. لكن لا توجد بيانات مهمة عن البشر في هذا المجال (2).

وقد تكون الاختلافات الجينية مرتبطة بتفضيل أو كره الشخص لأطعمة معينة. على سبيل المثال يمكن (للفينيل ثيوكارباميد - Phenylthiocarbamide (PTC))، في الأطعمة كالملفوف والبروكلي، إما أن يكون مذاقه مرًّا جدًّا أو يكون بلا طعم تقريبًّا، وهذا اعتمادٌ على التركيب الجيني للفرد؛ إذ عُثر على الجين TAS2R38، المسؤول عن قدرة الفرد على تذوق PTC. كذلك تؤثر الاختلافات الجينية في الجهاز العصبي المركزي على درجة الشبع وإدراك التذوق.

أيضًا قد يتأثر امتصاص بعض المعادن والفيتامينات بالعوامل الوراثية، وتشمل الأمثلة زيادة امتصاص الحديد في (داء ترسب الأصبغة الدموية - hemochromatosis) والغياب المحدد وراثيًا (للعامل الداخلي المَعِدي - gastric intrinsic factor)، مما يؤدي إلى خلل في امتصاص فيتامين ب 12 و(فقر الدم الخبيث - pernicious anemia) (2).

أجريت دراسة لتحليل الجينات وفحص استهلاك الغذاء لدى 282,271 مشاركًا من أصل أوروبي؛ إذ لوحظت بنتيجتها 26 منطقة وراثية مرتبطة بزيادة تفضيل الأطعمة التي تحتوي على مزيد من الدهون أو البروتين أو الكربوهيدرات. وتؤثر هذه الجينات في مناطق متخصصة من خلايا الدماغ، موزعة عبر الجهاز العصبي المركزي، التي تستجيب للبروتينات أو الدهون أو الكربوهيدرات. عندما تُنشط تلك المناطق من الدماغ؛ فإن هذا يسبب تفضيل الناس للأطعمة أو الوجبات التي تحتوي على كمية أكبر من الدهون أو البروتينات أو الكربوهيدرات. ويمكن استخدام اكتشاف هذه المتغيرات الجينية في البحث المستقبلي لتحديد ما إذا كان النظام الغذائي مرتبطًا سببيًا بمرض السكري من النوع 2 والسمنة وغيرها من الأمراض. على سبيل المثال إذا كان لدى شخص ما قابلية وراثية أعلى لتفضيل الأطعمة الدهنية، فيمكن استخدام هذه المعلومات لمساعدة هذا الفرد على اختيار الأطعمة التي تحتوي على كميات أعلى من الدهون الصحية بدلاً من التوصية بأساليب غذائية أخرى قد تضر بالالتزام بهذه التدخلات (3).

العوامل الوراثية التغذوية في بعض الأمراض المزمنة:

1-   أمراض القلب التاجيّة والشحوم:

لا يُعرف كثيرٌ عن تأثير التفاعلات الجينية التغذوية في الدهون؛ إذ يجب دراسة دور مستقبل LDL والتباين الهيكلي في البروتينات الدهنية B, E ، وتنظيم تخليق البروتينات الكبدية B وعديد من العوامل الأخرى لحل هذه المشكلات.

كذلك من المؤكد أن العوامل الوراثية تؤدي دورًا مهمًا في تحديد مستويات الكوليسترول لدى الفرد؛ إذ إنه لن يستفيد الجميع استفادةً متساويةً من الاعتدال الغذائي. بعضهم سيستجيب لكن بعضهم الآخر قد تكون لديه مقاومة للتحكم بالدهون عن طريق تغيير حميتهم الغذائية (2).

2-   ارتفاع ضغط الدم والملح:

يُعدّ ارتفاع ضغط الدم سمة بيئية جينية؛ إذ يكون لدى السكان من أصل إفريقي في الولايات المتحدة متوسط ضغط دم أعلى منه عند المنحدرين من أصل أوروبي؛ فيفضّل تقليل استهلاك الملح لدى المرضى لكن هذا لا يكون مفيداً للجميع بالقدر نفسه (2).

3-   البدانة:

لا يقتصر تطور السمنة على استهلاك كمية كبيرة من السعرات الحرارية فحسب، بل يشمل عوامل وراثية أيضًا، وهذا ما أُثبت في عديد من الدراسات؛ فمن المعروف لعقود أن السمنة صفة عائلية لأن أفراد الأسرة يشتركون في عديد من الجوانب للتغذية والبيئة وتُوصل عن طريق الدراسات إلى أن نسبة وراثة السمنة بنسبة 88% تقريبًّا (2).

4-   عدم تحمّل (اللاكتوز - Lactose Intolerance): 

امتصاص اللاكتوز أو سوء امتصاصه هو سمة وراثية. فقط سكان وسط وشمال غرب أوروبا وسكان بعض مناطق أفريقيا ذو التاريخ القديم في تربية الألبان لديهم مستويات عالية ومستمرة من أنزيم اللاكتاز المسؤول عن هضم اللاكتوز، في حين تنخفض نسبته لدى معظم البشر مع التقدم بالعمر بعد فترة الفطام (2).

(علم الوراثة الغذائية وعلم المورثات الغذائية - Nutrigenetics and Nutrigenomics):

علم الجينوم الغذائي هو علم يساعدنا على تكييف نظامنا الغذائي وفقًا لجيناتنا. لا يزال هذا المجال في طور التطور وسيقودنا مؤخرًا إلى تناول الأطعمة التي يحبها حمضنا النووي (4).

تزودنا الأبحاث الجينية والتغذوية بسيل من المعرفة الجديدة وسيصبح واضحًا بوتيرة متزايدة أي العوامل الوراثية التي تحتاج إلى إيلاء اهتمام خاص عند إعطاء توصيات تغذوية لمجموعات فرعية وراثية مهمة لها انتشار كبير في السكان.

نظرًا إلى أن الاستجابات بين الأفراد للتغيرات الغذائية قد تختلف اختلافًا كبيرًا، فسيكون من الضروري الجمع بين النصائح القائمة على التغذية الجينية مع المؤشرات الحيوية لاختبار ما إذا كانت التوصية الشخصية المقدمة تنتج بالفعل التغيير الغذائي والفوائد الصحية المرجوة لكل فرد.

ليس من السذاجة فحسب بل من الخطورة أيضًّا افتراض أن جميع الأفراد سيستجيبون استجابةًّ متماثلةًّ للأطعمة التي يستهلكونها. سيتطلب تطوير نهج شخصي للتغذية للوقاية من الأمراض وعلاجها فهمًّا أكثر شمولًّا لتفاعلات الجينات المغذية وتأثيرها على النمط الظاهري من أجل تحديد وتقييم وتحديد أولويات الاستراتيجيات المستهدفة تحديدًّا مناسبًّا للتدخل الغذائي  (5).

مع تكامل التغذية تكاملًّا متزايدًّا مع الطب الوقائي، فمن الضروري أن يُعلم اختصاصيي التغذية والممارسين الطبيين وكذلك علماء الوراثة تعيمًّا صحيحًّا مجال علم الوراثة الغذائية؛ إذ يستخدم مبادئه وممارساته استخدامًّا صحيحًّا لتحقيق النتائج المرجوة (5,4).

المصادر:

 
1. Palma-Morales M, Mateos A, Rodríguez J, Casuso R, Huertas J. Food made us human: Recent genetic variability and its relevance to the current distribution of macronutrients. Nutrition [Internet]. 2022 [cited 8 July 2022];101:111702. Available from: هنا
2. National Research Council (US) Committee on Diet and Health. Diet and Health: Implications for Reducing Chronic Disease Risk. Washington (DC): National Academies Press (US); 1989. 4, Genetics and Nutrition. Available from: هنا
3. JILLIAN M. How Genes Influence Food Choices, Obesity [Internet]. Boston University. 2021 [cited 8 July 2022]. Available from: هنا
4. Uthpala T, Fernando H, Thibbotuwawa A, Jayasinghe M. Importance of nutrigenomics and nutrigenetics in food Science. MOJ Food Process Technols [Internet]. 2020 [cited 8 July 2022];8(3):114-119. Available from: هنا
5. Fenech M, El-Sohemy A, Cahill L, Ferguson L, French T, Tai E et al. Nutrigenetics and Nutrigenomics: Viewpoints on the Current Status and Applications in Nutrition Research and Practice. Lifestyle Genomics [Internet]. 2011 [cited 8 July 2022];4(2):69-89. Available from: هنا