الفنون البصرية > فن المسرح

المسرح الروماني، مجرد اقتباساتٌ يونانية أم مسرحٌ أصيل؟

كنا قد تحدثنا سابقاً عن المسرح الروماني في مقال سابق وعن إسهاماتهم في نشر المسرح عالميًّا، تجدون المقال في الرابط الآتي: هنا سنتحدث في هذا المقال هنا عن المحاولات الأولى للمسرح الروماني قبل وصول الدراما اليونانية إليه. 

فانضموا إلينا في هذه الرحلة التاريخية.. 

 إذا كان بعض النقاد المتعصبين لكل ما هو يوناني يذهبون إلى أن الدراما الرومانية ما هي إلا اقتباس من الدراما اليونانية، بل هي ترجمة حرفية لها في كثير من الأحيان، فإن بعض النقاد المحدثين يرون أن الدراما الرومانية رغم أنها مترجمة ومقتبسة عن الدراما اليونانية إلا أنها مصبوغة بصبغة رومانية ومتأثرة بالأخلاق والقوانين والعادات الرومانية (1).

 وقد بدأت الدراما الرومانية بداية أدبية مع ليفيوس أندرونيكوس (Livius Andronicus) الذي قدم في أحد الألعاب الرومانية عام 240 ق. م. عرضًا مسرحيًّا شيقًا يتضمن مسرحيتين إحداهما تراجيدية والأخرى كوميدية (1,3)، والمسرحيتان مقتبستان من أصل يوناني. 

وقد استولى هذا العرض على قلوب الرومان، حتى أصبحت هذه العروض المسرحية -منذ ذلك الوقت- مظهرًا مهمًّا من مظاهر الحياة الاجتماعية الرومانية، لا تخلو منها معظم الألعاب الرومانية، التي كانت تقام تكريمًا لبعض الآلهة أو تمجيدًا لبعض الأبطال المنتصرين (1). 

هنا

 لكن هذا لا يعني أنه لم يكن في روما قبل ذلك التاريخ أيّ لون من ألوان العروض التي تحتوي على عناصر درامية. 

فقد حفظ لنا تاريخ روما القديم -الذي يمتد من بداية عصر بناء روما قرابة عام 753 ق. م. حتى عام 240 ق. م.- بعض الظواهر الفنية التي تحمل البذور الأولى للدراما الشعبية. 

وتتمثل هذه الظواهر في:

 تتمثل الأشعار الفيسكينية في مجموعة من الأغاني الريفية البهيجة المرحة، التي كانت تُنشد في بعض المناسبات السّارة كأعياد الحصاد وحفلات الزواج ومواكب النصر.

هنا;

 وقد أرجع بعض الشّراح تسميتها بهذا الاسم نسبة إلى مدينة (فيسكينيوم(Fescennium)) الواقعة في إقليم أتروريا (Etruria) بإيطاليا.

 وكان المشتركون في هذه الاحتفالات يتبادلون فيما بينهم حوارًا مرتجلًا تسوده الألفاظ البذيئة والنكات المكشوفة، وذلك بقصد إبعاد العين الشريرة.

 وقد دعا هذا باحثين آخرين إلى إرجاع تسمية هذه الأشعار بهذا الاسم نسبة إلى كلمة (فاسكينوم) التي تعني تعويذة ضد السحر.

  وكانت هذه الأشعار تحمل في طياتها عنصر التسلية إضافة إلى غرضها الديني.

 وكانت الأشعار الفيسكينية تُنشد فقط دون أن يصاحبها أيّ لون آخر من ألوان الفن كالرقص والموسيقا (1,3).

يمكن اعتبار الساتورا تطويرًا للأشعار الفيسكينية، فقد اندمج فيها الرقص والموسيقا مع الإنشاد.

 وأفضل تفسير مقنع لمعنى كلمة (ساتورا) هو الذي يذهب إلى أن لهذه الكلمة صلة بالعبارة اللاتينية (Satura Lanx) وهي تعني "الطبق المملوء من باكورة الفاكهة المتنوعة" الذي كان يقدم قربانًا لبعض آلهة الخصب وبخاصة الإلهة كيريس والإله باخوس. فالكلمة تعني في الأصل خليطًا متنوعًا، وقد نقل هذا الاسم من طبق يحتوي على فاكهة مختلفة إلى عرض يحتوي على عناصر متنوعة.

 ويبدو أن الساتورا كانت قطعة من التمثيل الصامت المرتجل الذي لا صقل فيه، وإن كان من الممكن وجود حوار تتخلله بعض الأغاني والأناشيد. 

وكان وجود موضوع موحد يكاد يكون أمرًا مستحيلًا بين عناصر مختلفة كل هذا الاختلاف، ومرتجلة لم يتدرب عليها الممثلون من قبل. 

 وعلى الرغم من أن الرقص والغناء قد اتحدا معًا في الساتورا، فإنهما انفصلا مرة أخرى، بعد أن فشلت الساتورا كعرض مسرحي أمام تيار الكوميديا اليونانية التي غزت العالم الروماني. فانفصل الشعر عن الرقص، وتطور شعر الساتورا حتى أصبح هجاءً، واستمر الرقص أيضًا تحت اسم ميموس، الذي بدأ يظهر في روما قرابة عام 211 ق. م. وقد حظي مشاهير هذا الفن برعاية القادة العظماء في عصر الجمهورية، وقد نالوا الحظوة نفسها لدى الأباطرة بعد ذلك (1-3).

هي ثالث الظواهر الفنية التي تحتوي على بذور بدائية للدراما. وتعرف باسم القصص الأتيلانية نسبة إلى مدينة أتيلا (Atella) الواقعة في إقليم كمبانيا جنوبي روما. ويبدو أن الذوق الروماني لم يتأثر بهذا اللون من ألوان الدراما إلا قرابة بداية القرن الثالث قبل الميلاد، ففي ذلك الوقت تقريبًا بدأ الرومان يشعرون بأنه ملائم لهم تمام الملائمة، حتى لقد تجرأ بعض الهواة من الرومان المحترمين واشتركوا في تمثيلها، ولم يؤد بهم ذلك إلى الحرمان من الحقوق السياسية، التي كان لا يتمتع بها عادة الممثل في روما، لاحتقار شأنه. 

هنا;

كانت القصص الأتيلانية هزليات ريفية من نوع الفارس تصور شخصيات نمطية ذات طابع خاص.

 وأهم هذه الشخصيات: 

 وكانت هذه العروض في بداية الأمر مرتجلة، إذ كان الممثلون من الهواة يضعون فكرتها فيما بينهم، ثم يمثلونها كيفما اتفق، ولكنها في منتصف القرن الأول قبل الميلاد اتخذت طابعًا أدبيًّا على يد كل من بومبونيوس ونوفيوس، وأصبحت لا تقتصر على معالجة موضوعات من حياة الريف بل امتدت إلى معالجة موضوعات من حياة المدينة، وعالجت موضوعات دينية وأسطورية، وصار يمثلها ممثلون محترفون. ويبدو أن القصص الأتيلانية قد استهوت الرومان، بعد أن أصبح لها طابع أدبي وفني، فقد كتب بومبونيوس ما لا يقل عن 70 مسرحية من القصص الأتيلانية، وكذلك كتب نوفيوس ما لا يقل عن 44 مسرحية من هذه القصص. ويبدو أن شخصية ماكوس كانت أشهر وأمتع شخصيات هذا اللون من ألوان الدراما، فقد وصلنا أسماء عدة مسرحيات تحمل اسمه مثل: (ماكوس الجندي)، (ماكوس صاحب الخان)، (ماكوس العذراء) (1,2). 

 تلك هي ألوان الدراما التي عرفها الرومان قبل أن يتصلوا باليونان، ويتعرفوا على نهضتهم الأدبية وعظمتهم الفنية. ولكن هذه الألوان لم تصمد أمام عظمة التراجيديا وسحر الكوميديا اليونانيتين اللتين بدأتا تغزوان العالم الروماني عن طريق الترجمة والاقتباس. وقد بدأت هذه الحركة عندما انتصر الرومان على القرطاجيين في الحرب البونية الأولى في حوالي عام 240 ق. م. ففي هذا العام قُدمت في الألعاب الرومانية مسرحيات يونانية بلغة لاتينية. وكانت ترجمة هذه المسرحيات من إنتاج ليفيوس أندرونيكوس الذي يُعد مؤسس الأدب اللاتيني عمومًا وأدب المسرح خصوصًا. 

 ويبدو أن أول اتصال للرومان باليونان كان عندما بدأوا حربهم مع بيروس ملك أبيروس الذي جاء إلى تارينتوم، وهي مستعمرة يونانية في جنوب إيطاليا، ليساعد أقرباءه ضد الرومان. وقد استمرت هذه الحرب منذ قرابة عام 281 ق. م. وانتهت بسقوط تارينتوم في أيدي الرومان قرابة عام 272 ق. م. وقد حضر إلى روما بنتيجة ذلك كثير من اليونان عبيدًا وربوا أبناء الأثرياء، مما ساعد على انتشار الحضارة والثقافة اليونانية في ربوع روما. وقد وسعت الحرب البونية الأولى 264- 241 ق. م. دائرة هذه الاتصالات، إذ إن المدن اليونانية في صقلية، بحضارتها الغنية، قد وقفت في صف روما ضد قرطاجة، الأمر الذي أدى إلى بقاء كثير من الجنود في تلك المدن، مما ساعدهم على معرفة اللغة والحضارة اليونانية. 

 لهذا كله كان الرومان على استعداد لأن يتقبلوا الفن الدرامي اليوناني، ويقبلوا عليه منذ بدأ يعرضه عليهم ليفيوس أندرونيكوس قرابة عام/ 240/ ق. م (1).

المصادر:

سكر ا. الدراما الرومانية. 1st ed. مصر: دار الكاتب العربي; 1970
2. Pandolfi V. Histoire du théâtre. Verviers: Gerard & Co. 1968
3. Beare W. The Roman stage. London: Methuen; 1977. P. 292. Available from: هنا