الفلسفة وعلم الاجتماع > علم الاجتماع

«الداروينية الاجتماعية»؛ نظريةٌ علميةٌ أم أيديولوجيا توسعية؟

ما بعد «الثورة الداروينية»:

اعتادت الحضارات البشرية المختلفة توظيفَ مسألة الدين لتبرير التوسُّع الإقليمي على حساب الشعوب الأخرى، وتُعدُّ الحروب الصليبية في الشرق الأوسط، والجهود المبكرة لتوحيد ألمانيا، واستعمار العالم الجديد أمثلةً حيةً وحديثةً للحالات التي استُخدِمَت فيها مزاعمُ دينيةٌ لتغطية الدوافع السياسية والاقتصادية الأساسية لحكَّام الإمبراطوريات المختلفة. وبأخذ الحالة الأوروبية مثالًا، ومع حلول أوائل القرن التاسع عشر؛ لم يَعُد الدِّين يوفِّر الغطاءَ الأخلاقي المناسب لهذه التوسعات ومنها الإمبريالية، فمع انخفاض الأمِّية في أوروبا، وازدياد الاعتماد على العقل في تدبير الأمور بعد عصر التنوير، إضافةً إلى أنه أصبح في المستطاع انتقاد الشعب للحكومة بعد أحداث الثورة الفرنسية، كانت قلةٌ من فئات المجتمع على استعدادٍ للمخاطرة بحياتها في حملةٍ من حملات الغزو الأجنبي بدافع الحماس الديني (1).

مع حلول أواخر القرن التاسع عشر؛ أحدث "تشارلز داروين" ثورةً في الفكر الأوروبي عندما نَشَرَ كتابيه (أصل الأنواع - The Origin of Species - عام 1859) و(نسب الإنسان - The Descent of Man - عام 1871)، ولكن نظرياته التطورية استُخدِمَت على أنها مبرراتٌ جديدةٌ للاستغلال تختلف عن نظيراتها الدينية؛ إذ لم يستغرق الأمر طويلًا حتى حاول آخرون مثل "هربرت سبنسر - Herbert Spencer" و"كارل بيرسون - Karl Pearson" استغلالَ مصطلح (الانتخاب الطبيعي) في تبرير تفوق مجموعةٍ معينةٍ من الأفراد على غيرها، مثل: التفوق العرقي، وبما أنها قامت على أُسسٍ تطوريةٍ «داروينية»؛ أُطلِقَ عليها اسم «الداروينية الاجتماعية - Social Darwinism»، وأصبحت بحلول عام 1880 المبرِّر الجديد للغزو الإمبراطوري في جميع أنحاء العالم وللتقسيم الطبقي، وبديلًا جوهريًا له (2,1).

مفهوم «الداروينية الاجتماعية»:

«الداروينية الاجتماعية - Social Darwinism» اصطلاحًا: هي النظرية القائلة بأن الجماعات والأعراق البشرية تخضَع لقوانين الانتخاب الطبيعي نفسها التي يشير إليها "تشارلز داروين" في النباتات والحيوانات في الطبيعة، وبناءً عليها؛ يتلاشى العِرقُ الضعيف، وتختفي ثقافاتهم بانقراضهم، بينما يستمر العِرقُ القوي في النمو والتطور (3)، واستُخدِم مصطلح «الداروينية الاجتماعية» للإشارة إلى أية محاولةٍ لتطبيق مفاهيم (نظرية التطور بالانتخاب الطبيعي) على النظرية الاجتماعية والأنظمة السياسية والاقتصادية وغيرها من مجالات الحياة الاجتماعية البشرية، وتعتمد هذه المحاولات على تفسيراتٍ خاطئةٍ لأفكار "داروين" الأصلية، ولعملية الانتخاب الطبيعي (2). وتكمن الفكرة الجوهرية للـ«الداروينية الاجتماعية» في أن الأثرياء وذوي السلطة يتمتعون بالامتيازات التي يتمتعون بها لأنهم أكثر ملائمةً من حيث السمات التي يفضلها الانتخاب الطبيعي (4). 

يُعدُّ العالِم والفيلسوف البريطاني "هربرت سبنسر - Herbert Spencer" وصاحب المقولة الشهيرة ((البقاء للأصلح - Survival of the Fittest)) من أهم المدافعين عن «الداروينية الاجتماعية»، إضافةً إلى علماءَ آخرين مثل "والتر باغوت - Walter Bagehot" و"ويليام غراهام سمنر - William Graham Sumner"، ويعتقد هؤلاء أن المجتمعات عبارةٌ عن كائناتٍ حيةٍ مُعرَّضةٍ للتطور بدورها كباقي الكائنات الحية في الطبيعة، وعليه؛ فإن عملية الانتخاب الطبيعي ستعمل على الفروقات الموجودة بين المجتمعات الإنسانية منتخِبةً المرشَّح الأفضل (الأصلح) للبقاء والتطور والتكاثر (3).

استُخدِمت نظرية «الداروينية الاجتماعية» لدعم الرأسمالية و(الحزبية السياسية المحافظة - Political Conservatism)، إذ بُرِّرَ التقسيم الطبقي في تلك المجتمعات آنذاك على أساس عدم المساواة (الطبيعية) بين الأفراد، أي بالاستناد إلى الزعم القائل بأن عدم المساواة هو من (قوانين التطور الطبيعية)، وهكذا؛ أصبحت السيطرة على مراكز القوة والممتلكات ترتبط -علميًا- بالأوصاف الأخلاقية العالية والمتوارَثة لدى عِرقٍ معين. هاجم منظِّرو هذه النظرية جميعَ محاولات الإصلاح المجتمعي بوسائله كلها مبرِّرين اعتراضهم بعدم وجوب إعاقة العمليات الطبيعية، فبما أن الفقراء (غير صالحين للبقاء) في (الصراع من أجل الوجود - Struggle for Existence)، وبما أن الثروة تدل على النجاح، إذن؛ لا ينبغي التدخُّل لمساعدتهم. وقد كانت «الداروينية الاجتماعية» على المستوى المجتمعي تُستخدَم بوصفها دليل إرشادٍ فلسفيٍّ للسياسات الإمبريالية والاستعمارية والعنصرية، مما يدعم الاعتقاد بالتفوُّق الثقافي والبيولوجي الأنجلوساكسوني أو الآري (العرق الأبيض الغرب أوروبي)، فأعطت هذا العِرقَ الغطاءَ الأخلاقي للقيام بالمجازر واستغلال الأعراق الأخرى (العبودية في الولايات المتحدة مثالًا)، وذلك تحت مسمًى علميٍّ تطوريٍّ (4,3).

في الرد على «الداروينية الاجتماعية»:

يُعدُّ مفهوم (البقاء للأصلح) أحد أكثر المفاهيم قابليةً لسوء التفسير في (نظرية التطور)، لهذا السبب؛ اُوِّلَ هذا المصطلح على أن البقاء للأفراد (الأقوى) في الممارسات السياسية والاجتماعية التي تهدف إلى تفضيل مجموعةٍ من الأفراد على مجموعاتٍ أخرى. ولكن في علم الأحياء التطوري، وبعيدًا عن محاولات تطبيق هذا المصطلح في النظرية الاجتماعية؛ يُعدُّ هذا التفسير غير دقيقٍ كليًا؛ لأن الانتخاب الطبيعي يحدث عندما يؤدي التباين في السمات الوراثية (مثل الذكاء) إلى تكاثرٍ تفاضليٍّ داخل مجموعةٍ من الأفراد، مثلًا: ربما كان الأفراد الأكثر ذكاءً نسبيًا أفضل في التكيُّف مع المواقف الجديدة وأكثر فاعليةً في ابتكار حلولٍ خلَّاقةٍ للمشكلات التي يواجهونها في البيئة المحيطة، مما يؤدي إلى استمرارهم في الحياة؛ وبالتالي تحقيقهم لنسبة نجاحٍ أكبر في التكاثر والإنجاب مقارنةً بالأفراد الأقل ذكاء، في هذه الحالة، إذا استمرت خِصلة الذكاء -وعلى مدى أجيالٍ عدةٍ- في إعطاء الأفضلية لمجموعةٍ من الأفراد بالاستمرار والنجاة بحياتهم، فإن  أعداد الأفراد الأذكياء تزداد في المجموعة مما يؤدي إلى تغيرٍ في الخِصل الوراثية للمجموعة على المدى البعيد. إذن؛ ليست القوة شرطًا للاستمرار في الحياة بحسب هذا المثال، والأقوى لا يساوي الأصلحَ في هذه الحالة، في بعض الحالات؛ تكون القوة الجسدية عائقًا أمام استمرار النوع في الحياة، إذ أن القوّة تستلزم حجمًا أكبر من الكتلة العضلية، وبذلك يكون الأفراد في المجموعة أكبر حجمًا من الأنواع الأخرى (2).

يقدم (التطور بالانتخاب الطبيعي) تفسيراتٍ عن خصائص الكائنات الحية وطريقة عملها، لكنه لا يستطيع أن يرشِد الإنسانَ في المجال الأخلاقي، ولأنه يمكن بسهولةٍ عدُّ أسوأ سلوكٍ بشريٍّ وهو القتل -وعلى الرغم من أنه يُعدُّ أمرًا طبيعيًا- ينبع من العواطف الإنسانية التي هي نتاج الانتخاب الطبيعي، ولكن هذا لا يجعل الأمر أخلاقيًا (4). 

من غير المنطقي إلقاء اللوم على "تشارلز داروين" بوصفه سببًا مباشرًا لظهور «الداروينية الاجتماعية»، فظهورها كانت نتيجةً لسوء فهم متعمَّدٍ أو غير متعمَّدٍ للانتخاب الطبيعي (2)، ولكن "داروين" لم يكن محقًا بصورةٍ كاملةٍ في أعماله، فمع أن أفكاره كانت ثوريةً وأصيلةً في ذلك الوقت، وأن منشوراته أحدثت ثورةً في مجال العلوم الحيوية؛ يظهَر مليًا في كتاباته أنه كان لا يزال متأثرًا بزمانه ومنزلته الاجتماعية، فقد كان مقتنعًا بأن التطور كان تقدميًا، وأن العِرقَ الأبيض وخاصةً الأوروبيين منهم؛ كان متطورًا بدرجةٍ أكبر من الأعراق السوداء، مما أَدى إلى ظهور تفاوتٍ في الأعراق ونشوء تسلسلٍ هرميٍّ عنصري، وكان يؤمن بأن الذكور يمتلكون صفاتٍ تفوقيةٍ معينةٍ تميزهم عن الإناث: كالحركية والشجاعة والذكاء (5)، جديرٌ بالذكر أن (نظرية التطور) التي قامت بناءً على أفكار "داروين" هي في تقدُّمٍ مستمرٍ منذ طرح النظرية في عام 1859، وأن العديد من الأدلة والإضافات والتصحيحات المتعلقة بالنظرية قُدِّمَت ولا زالت تُقدَّم حتى اليوم؛ لذلك يجب أخذ هذا التقدُّم بالحسبان عند البحث فيها.

من المهم أن يُذكرَ أن "داروين" أعلن أنه لم يكن هو نفسه داروينيًا اجتماعيًا، إضافةً إلى أنه لم يبقَ في القرن الواحد والعشرين مدافعون جادُّون عن نظرية «الداروينية الاجتماعية» (4)؛ إذ أنها رُفِضَت منذ القرن العشرين بوصفها امتدادًا لنظرية التطور الطبيعية (3)، وجديرٌ بالذكر أن العديد من مؤيدي «الداروينية» بكونها نظريةً علميةً لا يؤمنون بـ«الداروينية الاجتماعية»، وهناك العديد من الأمثلة على ذلك الرفض؛ كـ"توماس هكسلي - Thomas Huxley" الذي كان من أوائل المدافعين عن نظرية التطور في القرن التاسع عشر، ومع ذلك رفض تمامًا تطبيقَ الفكرة اجتماعيًا (4).

المصادر:

1. Spear S. The Role of Social Darwinism in European Imperialism. The New York Public Library. 2016. هنا

2. Mogilski JK. Social Darwinism [Internet]. Springer International Publishing Switzerland . 2016. Available from: هنا

3. The Editors of Encyclopaedia Britannica. Social Darwinism [Internet]. Encyclopædia Britannica. Encyclopædia Britannica, inc.; 2019 هنا

4. Irons W. Darwin and Morality. One Book One Northwestern. Northwestern University; 2008. هنا

5. Rose S. Darwin, Race and Gender. EMBO reports. Nature Publishing Group; 2009. هنا