كتاب > روايات ومقالات

مراجعة رواية (واحة الغروب)

يُعدُّ الروائي (بهاء طاهر) من أهم الروائيين العرب، فقد حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1998، وصدرت له عدة روايات منها؛ (خالتي صفية والدير) -التي تحوَّلت إلى مسلسل تلفزيوني يحمل الاسم نفسه- و(نقطة النور) و(الحب في المنفى) و(واحة الغروب) الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" عام 2008 [1]، وقد تحوَّلت إلى مسلسل تليفزيوني أيضًا، وهي موضوع هذا المقال.

تدور أحداث الرواية في نهايات القرن التاسع عشر وبداية الاحتلال البريطاني لمصر، وهي تتحدث عن المأمور (محمود عبد الظاهر) الذي ينتقل إلى واحة سيوة في عقوبة مُغلَّفة بترقية في منصبه، وهي واحة مغلقة على أهلها ونائية عن أيَّة مدينة وعن أي مظهر من مظاهر المدنية، ويصطحب المأمور زوجته (كاثرين) معه، وهي أيرلندية الجنسية ومولعة بسيرة حياة الإسكندر الأكبر، وتبحث عمَّا يدل على معلومات أكثر عن حياته أو وفاته ومكان مدفنه، وهذا ما شجعها على السفر مع زوجها إلى الواحة على الرغم من المخاطر ومشقة السفر التي قد يتعرَّضان إليها.

وقد ذكر محمود ما أخبره زملاؤه عن تلك المخاطر: "حدثوني عن قوافل عديدة تاهت في الصحراء وابتلعتها الرمال. قوافل صغيرة ضاعت، وجيش فارسي جرار هزمته الصحراء في الزمن القديم وطمرته الرمال إلى الأبد وهو في طريقه ليغزو الواحة.. محظوظة هي القافلة التي تنهي الرحلة قبل أن ينفد زادها من الماء، وقبل أن تغير الرياح معالم الطريق فتبني تلالًا لم يكن لها من قبل وجود وتدفن الآبار التي يعولون عليها في سُقيا الجمال. ومحظوظة أيضًا إن لم تهاجم مضاربها في الليل ذئاب أو ضباع وإن لم يلدغ الثعبان من ركْبها واحدًا أو اثنين".

وتعرض الرواية مجتمع الواحة في تلك الفترة الزمنية، والذي كان مجتمعًا منغلقًا على ذاته ومليئًا بالأسوار؛ سورٌ بين أهل الواحة والمأمور وزوجته، فهم يرونه عدوًا آتيًا إليهم ليأخذ منهم الضرائب إلى الدولة التي لا تتذكرهم إلا عندما يحين موعد دفع الضريبة، ويرون في زوجته الأجنبية عدوَّة أيضًا جاءت لتسرق الكنز الذي تركه لهم الأجداد.

وهناك سور اللغة، فأهل الواحة يتحدثون الأمازيغية التي لا يفهمها المأمور؛ ممَّا يفقده أيَّة وسيلة تواصل مع أهل الواحة إلا قليلًا من (الأجواد) الذين يتحدثون العربية إلى جانب الأمازيغية، والأجواد هم الطبقة الثرية من أهل الواحة.

وعلى الجانب الآخر هناك سورٌ بين أهل الواحة أنفسهم، فهم منقسمون إلى شرقيين وغربيين، ولا تسود بينهم أيَّة مودَّة، بل العداء الخالص، وحتى عندما حاولوا كسر تلك العداوة ظهر بينهم من يبث الفتنة من جديد.

فتعرض الرواية عن طريق تلك الأسوار الصراعَ القائم بين أهل الواحة والمأمور منذ لقائهم الأول به وبزوجته، وهو صراع أشبه بالحرب الباردة غير مُعلنٍ وغير واضح؛ ولكن، نراه في تجنُّب أهل الواحة جميعًا -حتى الأطفال- للمأمور وزوجته؛ فيتجنبون التحدث إليهم أو حتى النظر إليهم، ثمَّ يحدث ما يُظهر هذا الصراع علنًا، فما الذي حدث في رأيكم؟ 

بالإضافة إلى ذلك، هناك صراعُ الخلفيات الثقافية لكل شخصية؛ فكاثرين -بحكم ثقافتها الأيرلندية- لا تجد ما يمنعها أن تخرج من منزلها كاشفة وجهها وشعرها، وهو أول ما استهجنه أهل الواحة عندما رأوها؛ ففي مجتمعهم لا تخرج المرأة من منزلها إلا في ثوب فضفاض يشبه العباءة أزرق اللون يسمونه (التارفوتيت) يغطيها من رأسها إلى قدميها.

وهناك أيضًا صراعُ الشخصيات مع أنفسهم؛ فهم أسرى للماضي سواءً كان ماضيهم الشخصي بأخطائهم فيه أو الماضي العام المُتمثل في المعابد الموجودة في الواحة، فهل سيستطيعون تجاوز ذلك الماضي والخروج من أسره والنظر إلى حاضرهم ومستقبلهم؟ 

تُعدُّ (واحة الغروب) من الروايات متعددة الأصوات، فهي تعرض الأحداث من وجهات نظر عددٍ من شخصيات الرواية، وتنقل قارئها إلى أجواء واحة سيوة وحياة أهلها وشمسها الحارقة وليلها البارد وآثارها ومعابدها المتهدِّمة المطموسة المعالم.

معلومات الكتاب:

المصادر:

1- 2008 | International Prize for Arabic Fiction [Internet]. Arabicfiction.org. 2020 [cited 1 December 2020]. Available from: هنا