العمارة والتشييد > التصميم المعماري

البيوفيليا (biophilia) في العمارة

"يتميز الإنسان بانتمائه للطبيعة وباقي الكائنات الحية، وبالمقابل تفسِّر فلسفة الطبيعة الوجود الإنساني" (1).

تعني البيوفيليا إعادة اتصال الإنسان مع الطبيعة ضمن البيئة المبنية، وللتصميم البيوفيلي (biophilic Design) دورٌ أساسي في تأمين مكانٍ صحي للعيش والعمل. وقد فسَّره البيولوجي (Edward O. Wilson) بميل الإنسان للطبيعة والمناظر الطبيعية. 

توضّح فرضية البيوفيليا (biophilia hypothesis) لماذا يمكن للإطلالة على حديقة طبيعية أن تعزّز الإبداع، ولماذا تعطي الظلال والمرتفعات شعورًا بالانبهار، وسبب الفوائد العلاجية لمرافقة الحيوانات والتنزه في الحديقة. وتشرح البيوفيليا أيضًا سبب تفضيلنا لبعض المتنزّهات الحضرية والأبنية أكثر من غيرها (2).

استُخدمت الأنماط الطبيعة في أوائل منشآت الإنسان، عن طريق تشكيلات الحيوانات مثل أبو الهول المصري، أو التشكيلات النباتية كتيجان أعمدة المعابد الإغريقية، وطراز الروكوكو. استخدمت الطبيعة في المنازل والفراغات العامة أيضًا، ومن الأمثلة الشهيرة الباحات الحدائقية لقصر الحمراء في إسبانيا، وأحواض البُردى في بيوت نبلاء المصريين، وأحواض السمك المصنوعة من البورسلان في الصين القديمة، وحديقة الكوخ من القرون الوسطى في ألمانيا. إضافةً إلى تصاميم الآرت نوفو (Art Nouveeau) المستوحاة من الطبيعة في أواخر القرن التاسع عشر، وتصاميم سوليفان، وفرانك لويد رايت، ولوكوربوزييه (2).

الباحات الحدائقية لقصر الحمراء في إسبانيا

كان عالِم النفس الاجتماعي إيريك فروم (Eric Fromm) أول من ابتكر مصطلح البيوفيليا في كتابه (The heart of the Man) قلب الرجل في العام عام 1964. نَشَرَ بعدها البيولوجي إدوارد ويلسون (Edward O. Wilson) المصطلح عام 1984، و في مؤلَّفه (The Biophilia Hypothesis) فرضية البيوفيليا عام 1993. تطورت الأدلة المتنوعة من مجالات البيولوجيا وعلم النفس إلى علم الأعصاب، والغدد الصماء، والعمارة؛ وتعلقت جميعها بالرغبة في الاتصال مع الطبيعة والأنظمة الطبيعية (2).

بعد ظهور مصطلح البيوفيليا، ازدادت الأدلة الداعمة لها وظهرت مئات المنشورات لتكشف عن أنماط مميزة ومفيدة في تصميم المباني (Biophilia design pattern)، ويمكن تجسيد الطبيعة في الفراغ المعماري عبر الأنماط الآتية:

1_الاتصال البصري مع الطبيعية مثل الإطلالات الطبيعية.

2_الاتصال اللابصري مع الطبيعة ويحدث عن طريق حواس أخرى كالسمع والشم واللمس.

3_الاتصال الحسي غير المنتظم الذي يمكن أن يحدث على نحوٍ عشوائي وغير متوقَّع.

4_التغيرات الحرارية وتغيُّر جريان الهواء بما يحاكي البيئات الطبيعية المختلفة.

5_وجود عنصر الماء وإدراكه بالنظر أو السمع أو اللمس.

6_الضوء المتحرِّك والمشتَّت الذي يولّد ظلالًا متغيرة باستمرار على نحوٍ مشابه لما يحدث في الطبيعة.

7_الاتصال مع النظام الطبيعي عبر الوعي بالعمليات الطبيعية الموسمية.

ويتحقَّق الاتصال المماثل للطبيعة عن طريق الأنماط الآتية:

8_أشكال وأنماط بيومورفية (Biomorphic) عن طريق استخدام الرمزية ومحاكاة التشكيلات الطبيعية.

9_استخدام المواد المستمدة من الطبيعة والتي تستحضر البيئة المحلية.

10_التعقيد والتراتبية في الفراغات بما يحاكي تلك الموجودة في الطبيعة (2, 3).

تمثِّل البيوفيليا شعور إنساني بالحب نحو الطبيعة، وكما وصفها ويلسون في كتابه بأنها "السعادة الطبيعية الناجمة عن إحاطة الإنسان بكل ما هو حي وطبيعي". ويزداد انتشارها في المشاريع المعمارية المعاصرة عبر الواجهات والأسقف الخضراء، والحواجز الزجاجية الفاصلة بين الفراغ الداخلي والطبيعية الخارجية، والعناصر النباتية الطبيعية في المبنى.

ومن الأمثلة المعمارية التي طُبِّقَ فيها تصميم البيوفيليا في العمارة:

-الحديقة المخفية خلف الجدار البيتوني من تصميم (Muxin Design): تتخلَّل الطبيعة المكاتب المنحنية وتنساب النباتات في التصميم الداخلي.

-حرم شركة (Titan) من تصميم (Mind space) في الهند: تقع البحيرة في وسط الحرم، وتتصل التراسات المتتالية بالطبيعة المحيطة.

-مركز (Maggie's Oldham) الصحي في المملكة المتحدة من تصميم (dRMM): هدف التصميم إلى توحيد الجو الداخلي والخارجي عن طريق الحديقة المركزية واستخدام الألوان الساطعة والمواد المتجددة.

مجاورة (Punggol) السكنية من تصميم (Serie Architects) و(Multiply Architects): يستخدم التصميم سلسلة من الحدائق التراسية المورقة الموجَّهة نحو المجرى المائي، إضافةً إلى النباتات والحدائق الخضرية على الأسطح (4).

اليوم ومع ازدياد الكثافة السكانية في المدن مقارنة بالريف، تبقى أغلب التصاميم الحديثة بعيدةً عن أي اتصال مع الطبيعة، ممَّا يبرز أهمية تطبيق تصاميم البيوفيليا في العمارة المستقبلية (2).

المصادر:

1. Wilson E. Biophilia. 12th ed. Cambridge, Mass.: Harvard University Press; 1984.

2. Ryan C, Browning W. Biophilic Design. Encyclopedia of Sustainability Science and Technology. 2017;:1-44. DOI: هنا

3. Kayıhan K. Examination of Biophilia Phenomenon in the Context of Sustainable Architecture. Lecture Notes in Civil Engineering. 2018;:80-101. هنا

4. Stankovic D, Cvetanovic A, Rancic A, Nikolic V, Stankovic B. Biophilia in modern architectural practice: recommendations for Serbia. Facta universitatis - series: Architecture and Civil Engineering. 2019;17(2):133-143.هنا